كتب الله تعالى في الأزل أن الحياة الدنيا تدافع وتداول بين الناس، بين الأمم، بين العقائد، بين المصالح، وكتب أن الحياة معاناة متواصلة ابتلاء للناس وإقامة للحجة عليهم، وكتب أن نصره ورضاه حليف أحد أطراف هذا التدافع، وهو طرف الأنبياء والأولياء والصالحين من العباد، ذلك ما نوقن به لما نطالع سير الرسل الكرام والعلماء الكبار فنجدهم قد عانوا الكثير مع أقوامهم؛ المكذبين والمنافقين والشامتين والمتآمرين…فكانت المعاناة ثابتا من ثوابت سنة الله في التدافع بين خلقه، بين صوت الحق وسوط الباطل، بين الداعي إلى الخير والعادي بالشر، بين نداء التحرر وداء التكبر.

معاناةقال الحق سبحانه: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة128)، أي يحز في نفس نبيكم صلى الله عليه وسلم ويشق عليه ما يعانيه المؤمنون والمؤمنات من عنت ومكروه وإيذاء في سبيل الله، وهو حريص في نفس الوقت على صلاحكم وإصلاح شأنكم في الدنيا والآخرة، فهو برحمته ورأفته يبصركم بما يصلح أحوالكم ويرضي ربكم، ولا يدعو إلى حذف وإلغاء واجب المدافعة الذي تترتب عليه المعاناة، بل يحياه بكليته، هو والذين معه. وهذا يعني أن طريق الصلاح والإصلاح تمر بالمعاناة.

دعاة هداية يجهرون برسالة الله إلى خليقته الغافلة، و دعاة غواية يجاهرون بعداوة الله ورسوله ودينه وعباده. الهادون بأمر الله يبشرون المؤمنين وينذرون الظالمين، و الضالون عن صراط الله يكذبون المؤمنين و يوالون الكافرين والمنافقين.

إلا أن هذه المعاناة لا تدوم -على الأقل في صورتها الحادة- إلى أبد عمر الدعوة، بل يليها الفرج ويجيء النصر وتزول المحن.

ومنها معاناة سيدنا نوح عليه السلام مع قومه، فرغم أنه نبي مرسل يدعو إلى الخير ويعرض عن الشر، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بشير يحمل البشرى للمصدقين المتبعين، ونذير للمكذبين بين يدي عذاب شديد، رغم ذلك فقد تعرض لكل صنوف السخرية والاستهزاء، فما ذا كان جوابه عليه الصلاة والسلام لما (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) ؟ (هود 32)، جدال سيدنا نوح عليه السلام هو حرصه بالتي هي أحسن على تبليغ دعوة الله لكل الناس وكل الأجيال بكل الحجج، وثباته على ذلك لا تلين له قناة ولا تضعف له إرادة. حتى تضايق منه قومه (فأكثرت جدالنا) وساروا يكلون له التهم ويدبرون الأكاذيب ويضحكون من كلامه وحرصه وتوعده، ويحتقرون جماعته التي آمنت به واتبعته، ويعتبرون أعضاءها بلا علم ولا فكر فيهم الصوفي والإسكافي والفقير… (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) (هود27)

فهم لغبائهم يظنون أنه هو الذي سيأتيهم بما وعدهم وليس الله، فينسبون الأمر لنوح الرسول و الأمر حقيقة لله وحده بلا شريك. (أتى أمر الله فلا تستعجلوه)، يظنون أن الخصام مع نوح الشخص الذي جاء برسالة ترفض الشرك والظلم، ونسوا أن نوحا هو رسول من رب العالمين حقيق عليه ألا يقول على الله إلا الحق. (كما هي رسالة جميع إخوانه الأنبياء عليهم السلام).

إنما يأتيكم به الله فكان جواب سيدنا نوح عليه السلام جوابا تصحيحيا لاعتقادهم الفاسد:

(قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) (هود33).

وما أنتم بمعجزين الله بحيلكم وكيدكم وبطشكم ومكركم بالليل والنهار، فهو سبحانه القوي الذي لا يعجزه شيء، ما تتصورونه وما لا تتصورونه، فليس بإمكان تخطيطكم أن يدفع عنكم قدر الله، فأنتم في قبضته وسلطانه، لستم بفائتين الله ولا سابقيه، ولا ناصر لكم منه سبحانه. لكنهم وكما قال الحق سبحانه: (وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (الحجر11)

تحدى سيدنا نوح عليه السلام طغيان كبراء قومه وواجه القدر بالقدر وغالب التشكيك باليقين، والضعف بالتوكل، قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ) (يونس71)، أي إن تضايقتم من دعوتي و كذبتم ثقتي واعتمادي على الله فأظهروا حربكم وافعلوا ما في وسعكم ولا تمهلوني ساعة، فإنه لا ينفعكم كيدكم ولو اجتمعتم له ولن يضرني بطشكم ولو سلطتموه علي مجتمعين.

فكان سيدنا نوح عليه السلام على يقين اليقين بعدم قدرة القوم على رد أمر الله تعالى.

وما أنتم بمعجزين بالقياس المادي والتحليل المقطوع عن فقه سنة الله، لا يظن ظان أن الحصون المنيعة يمكن أن تسوى بالأرض في لحظة ما من اللحظات، و تصير عهنا منفوشا وهباء زائلا، من حيث يشعر أصحابها أو من حيث لا يتخيلون، قال خالق الخلق سبحانه: (ما ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (الحشر2).

لماذا؟

يجيبنا القرآن: لأنهم ظلموا وتعدوا حدود الله (وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ) (الزمر51)، ظلموا وفسقوا وأقاموا الحجة على أنفسهم فحق عليهم القول فدمرهم الله تدميرا، وكذلك سيصيب كل ظالم سيئات ما كسب.

“سَيُصِيبُهُمْ”.

وهذا من صميم (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) (الأحزاب62).

فمن يعجز الله؟ ومن له القدرة والحكمة والتصرف؟ مَن يدبِّر أمر السماء والأرض وما فيهن، وأمر الخليقة جميعًا؟

من يقول للشيء كن فيكون؟

فسيقولون: الله!

قُلْ لهم: أَفَلاَ تَتَّقُونَ! أفلا تتوبون!

قل لهم في أنفسهم قولا بليغا: (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) (الأنعام134).

والله ما أنتم بمعجزين.