-تقديم:

بداية ينبغي التنبيه إلى أن جماعة العدل والإحسان تشكل مدرسة جديدة ومتكاملة. ومعنى هذا أن تناولها ومعالجتها للجزئيات التصورية والحركية، في هذا المجال أو ذاك، لا بد وأن تعكس هذا التجديد وهذا التكامل، وهو الحاصل.

سنحاول هنا أن نقف على مسألة معروضة على الساحة الإعلامية والفكرية في المغرب تتجلى في فهم واستيعاب ومناقشة طريقة جماعة العدل والإحسان في التعاطي مع ما تتعرض له من خروقات في مجال حقوق الإنسان بصفة عامة. وسنبني هذا النقاش على مقدمتين مسلمتين:

المقدمة الأولى: أن جماعة العدل والإحسان من حيث هي مشروع دعوي سياسي ليست حزبا سياسيا، وإنما، لحد الآن، تتحرك على قاعدة مشروع مجتمعي يغالب الواقع في كل جوانبه السلبية لتهيئ شروط الحرية المفضية إلى بناء الهياكل السياسية والمجتمعية السالمة التي لها علاقة بتدبير الشأن العام بمنطق الدولة الجامعة، أي دولة الأمة، لا بمنطق دولة الفئة أو العائلة أو الحزب.

ومقتضى هذه المقدمة أن حركة جماعة العدل ولإحسان لا تجعل لها أفقا سياسيا مبنيا على منطق المعارضة السياسية المحدودة الذي يدور على امتلاك السلطة أو المشاركة فيها لتنفيذ مقتضيات برنامج سياسي معين خاضع ومسلم بقواعد اللعبة السائدة. وإنما حركة الجماعة تتجه إلى أفق عريض وبعيد جدا مع وضوحه الكافي والمؤثر في طريقة ومنهجية التعاطي مع مطالب اللحظة في الزمان والمكان بما يناسبهما، وبما يخدم العمق الاستراتيجي لحركة المشروع في شموليته. ولكن هذا لا يمنع من أن تقوم الجماعة بأدوار سياسية مباشرة تتعلق باقتراحاتها في طريقة إعادة بناء المشهد السياسي والمجتمعي بما يخدم قضايا اللحظة المعيشة، كما هو الشأن في تصوراتها في قضايا الدستور والمداخل الضرورية لتصحيح مسار الحياة السياسية ومضامينها، كمسألة انتخاب جمعية تسهر على إعادة النظر في الدستور وإعادة صياغته، وكذلك الشأن في فكرة الميثاق الذي عرضته الجماعة وتشتغل على قاعدته ومضمونه هياكل الدائرة السياسية للجماعة في جميع المجالات والقطاعات. علما بأن عمل الدائرة السياسية المتجه إلى قضايا الشأن العام من عوامل حماية الجماعة من أن تحول إلى حزب سياسي حيث وظيفة الدائرة السياسية صناعة الأذرع الوظيفية المهتمة بتدبير مجالات الشأن العام ليبقى وضوح الوظيفية الدعوية والاستراتيجية من مهام حركة مشروع العدل والإحسان في الواقع اليومي، وهو ما يعني أن الجماعة من مهامها صناعة المؤسسات وإبداعها للقيام بهذه الوظيفة الكبرى التي تنبني عليها جميع الوظائف الأخرى.

وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على مقتضى هذه المقدمة القاعدة حيث تعالج الجماعة كل جزئية على وعي كبير وتام بعلاقتها مع روح المشروع ومقاصده وأهدافه وغايته.

المقدمة الثانية: إن حركية مشروع العدل والإحسان في اتجاه الدولة القطرية إنما هي مرحلة من مراحل تدافعه الواقعي حيث يكرس كل جهده ومضمونه لخدمة الواقع الإنساني في كليته على قاعدة أمة قوية قادرة على صناعة واقع العدل والإحسان في المجال الدولي، أي بإقامة نموذج الخلافة إذ هو النظام المؤهل لخدمة الإنسانية وتكريمها والحفاظ على حقوقها وبيان واجباتها.

ومن مقتضيات هذه المقدمة أنه لن ينتظر أحد أن تكرر جماعة العدل والإحسان تجارب من سبقها من الحركات السياسية، وغير السياسية، في صناعة نوع تقليدي في التدافع والصراع مع النظام السياسي القطري القائم اليوم. أي إن التدافع مع واقع نظام سياسي مستبد ومحتكر لجميع السلط ليس هو محور عملها في الميدان وإن كانت مركزية الحكم في تصور العدل والإحسان مسألة مصيرية، وكلية من كليات حمل الرسالة والقيام بالوظيفة التاريخية. فالتدافع مع النظام السياسي المحلي ما هو إلا جزء من واجهات العمل في الميدان، والسبب في ذلك، وببساطة، أن حركة العدل والإحسان مبنية على قاعدة مشروع مجتمعي متكامل وإنساني عالمي، وليس على قاعدة برنامج سياسي لحظي، وإنما يكون البرنامج السياسي خادما لهذا المعطى التصوري الحركي الكلي الجامع، وناتجا عن تطور أدائه الطبيعي ضمن الحقل السياسي والمجتمعي. أي أن البرنامج السياسي المرحلي لا يكون مجرد نتيجة إكراهات لحظية، وإنما هو تجاوب من خلال لحظة زمانية ومكانية مع مطالب الواقع بناء على عمق استراتيجي مصيري وتاريخي. أي هو نتيجة طبيعية لفعل المشروع الإرادي في الواقع المعيش.

2-مرتكزات منهجية جماعة العدل والإحسان في التعاطي مع ما تتعرض له من خرق لحقوق الإنسان.

بناء على المقدمتين السالفتين، نقرأ ملامح تجارب من سبق العدل والإحسان في ما يتعلق بموضوع المقالة. وبناء على المقدمتين كذلك ننظر إلى أهم مرتكزات الجماعة في إدارة ملف ما تتعرض له من خرق لحقوق الإنسان.

فمن المعلوم أن النظام السياسي في المغرب تميز بقدرة كبيرة على دحر المعارضة لتوفر عنصرين أساسيين.

الأول: يتجلى في ضعف المستند المرجعي المعنوي لدى المعارضة التقليدية، وخاصة اليسارية، حيث منعها هذا الضعف من صناعة قوة جماهيرية قادرة على تبني مضمون المعارضة والدفاع عنه. خاصة إذا علمنا أن جل التنظيمات المعارضة يسارية واعتمدت السرية في غالب انطلاقاتها. ولما تظافر الغموض مع السرية أعطيا معارضة غير متمركزة بشكل صحي ضمن حركة المجتمع، وهو ما جعلها عرضة للقمع الشرس والتشويه المقيت حيث أدى بها كل هذا إلى الاندحار السياسي، سواء من حيث علاقتها بالأمة أو من حيث علاقتها بالنظام/الدولة.

والثاني: يتجلى في كون النظام السياسي، الذي صارت ماهيته الاستبدادية هي ماهية الدولة والسلطة في المغرب، ملك خبرة كبيرة في مستويين مهمين في تقويض المعارضة. الأول: هو القمع الشرس والممنهج الذي يفضي إلى التقهقر الكلي لجسم المعارضة وشلها عمليا. والثاني: التدجين الواعي والمحكم للمعارضة حتى تصبح جزء من ماهية النظام السياسي بوعي منها أو بغير وعي. وهو ما جعله في أصعب اللحظات السياسية يحافظ على توازنه وعدم القيام بردة فعل هادمة لكيانه.

فأمام هذا الوضع، لما تتعرض المعارضة لهجمة شاملة من طرف النظام/الدولة تصبح قضية وجودها وموضوع خطابها ومحتوى برنامجها السياسي، إن كان لها برنامج، هو ما تتعرض له من مظلومية وقمع؛ فتصير طلبتها أن يعلم العالم بما تتعرض له، ظانة أن ذلك وحده هو ما يعطيها المصداقية والمكانة ضمن حركة المجتمع المحلية والدولية ويبرهن على صوابية ما تدعو إليه من أفكار، مما يؤدي إلى أن تصبح هذه المعارضة حركة جزئية إلى أدنى حدود الجزئية أمام حركة النظام/الدولة الكلية.

فإذا قمنا بإسقاط مقتضيات هذه القاعدة على جل التجارب السابقة سنكتشف كيف تتحول المعارضة إلى شيء كأنه لم يكن أو جزء مما كان بالأمس موضوع المعارضة، أي النظام السياسي القائم.

أما بالنسبة لجماعة العدل والإحسان، وهي جماعة مقموعة ومضطهدة منذ أن أعلن مرشدها عن نية عرضه لمشروعه الدعوي السياسي، فلم يزدها كل ما قام به النظام/الدولة تجاهها إلا رسوخا ووضوحا وتمكنا.

ولبيان السر في ذلك نقف على أهم مرتكزات منهجية الجماعة في إدارة ملف ما تتعرض له من خروقات في مجال حقوق الإنسان على ضوء المقدمتين السالفتين ليتبين أن تقدم مشروع الجماعة في اختراق الواقع السياسي والمجتمعي المغربي يستند على قوة تصورية واقتراحية ذات أهداف سامية واضحة امتدت آثارها إلى الواقع الدولي بنسبة معينة تنسجم تماما مع المرحلة التي وصلتها حركية المشروع.

المرتكز الأول: مادام قمع الدولة/النظام في حدود الاعتقالات والمحاكمات والسجون، فلن يكون إلا فضحا لهم وإعلانا عن إفلاسهم، لكون الجماعة شرعية الوجود وصاحبة مبدأ اللاءات الثلاث: لا للعنف، لا للسرية، لا للعلاقة مع الخارج.

وذلك لكونها تبشر بمشروع جامع وشامل يرتكز على مبدإ الوضوح الكامل. وهو ما يعني أن ردة الفعل تجاه ما تتعرض له الجماعة لن يخرج عن كونه فعلا ضمن عملها الكلي الذي لا يمكن أن يتحول في أية لحظة من اللحظات، ومهما كانت صعوبة اللحظة، إلى ردة فعل كلية عما يقوم به النظام/الدولة تجاهها. ذلك أن ما تتعرض له الجماعة ما هو إلا صورة من صور القمع الذي يعيشه المغاربة جميعا والأمة جمعاء من عنف وتفقير وتجويع وحرمان واضهاد وعطالة وضياع الأرواح والأعمار باستكبار المستكبرين وعملائهم وأعوانهم ووكلائهم. أي لن يثنيها ما تتعرض له عن التبليغ والتبشير بمشروعها على وضوحه وصفائه والدفاع الحق عن مواقفها ومقترحاتها. وستبين الأيام القادمة كيف أن فكرة الميثاق تعبير عن وعي كامل وحقيقي بالواقع المغربي ومطالبه المستقبلية.

ومن هنا نفهم لماذا لم يثن الجماعة ما تتعرض له من حملة شرسة تآمرية عن إصرارها في بناء هياكلها وتجديدها وإبداع أخرى خدمة للمشروع ويقينا في مستقبليته.

فهذا المرتكز يشير إلى أن مسألة التعسف والشطط في استعمال السلطة والقمع المتنوع الذي تتعرض له الجماعة، وغيرها من الفضلاء، لا يكون، في آخر المطاف، إلا لافتة يكتب عليها الطغاة وفاة مشاريع القمع والهيمنة والتسلط من جهة، ومن الجهة الأخرى يكتب عليها علامات النصر والتمكين للحق وأهله والتميز في لحظة تاريخية أحوج ما تحتاج الأمة والإنسانية فيها إلى تميز الحق من الباطل خروجا من براثين الفتنة والخلط إلى عالم الوضوح والصفاء وبناء علاقات الثقة والصدق بحثا عن العدل والمساواة الإنسانيين الحقيقيين.

وإذا تجاوز الطغاة حد الاعتقال والتعسف والقمع والمضايقة فلكل مقام مقال ولكل حادث حديث،”وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون” وإن مشروع الرفق والرحمة والحكمة الجامعة لأكبر بكثير من وهم الاستبداد والاحتكار والعنف المادي والرمزي،. و”أليس الله بكاف عبده”.

المرتكز الثاني: إن جماعة العدل والإحسان من أحرص التنظيمات على احترام القوانين والمواثيق على علاتها، لكن دون أن نغفل أنها مع روح القوانين والمواثيق بما لا يسقطها في فخ الخضوع لقانون التعليمات والمخزنة. وهو تعبير عن وعي كبير بضرورة القانون تنظيما للحياة، لكن ليس على الطريقة التي تكرس الانبطاح لمنطق الدولة/النظام. ومن هنا نفهم لماذا تلجأ الجماعة إلى طرق قد يراها البعض خروجا عن القانون، وإنما هي عمل منسجم تمام الانسجام مع روح القانون والحرية. ومثاله، لا على سبيل الحصر، ما قامت به الجماعة في وقفة 10 دجنبر2000 ومثيلاتها، حيث كان لزاما أن تقف الجماعة وقفة تعبر عن احتجاجها ومظلوميتها لما تعرضت له من هجمة بشعة يومها، خاصة منعها من امتلاك وسائل الإعلام حيث منعت جريدة الفتوة وجريدة العدل والإحسان.

المرتكز الثالث: إن الجماعة لن تبخل بكل جهد ينقل للعالم ما تتعرض له من تعسفات ومضايقات، كما لن تبخل بنقل ما يتعرض له الشعب المغربي والأمة قاطبة، وكل الناس. وفي هذا الإطار كانت ضرورة تأسيس الهيئة الحقوقية للجماعة، والهيئة العليا للدفاع عن قضايا الأمة. وغيرها من المؤسسات الساهرة على رصد الخروقات وتبويبها وتنظيمها ونشرها. مع الانتباه إلى أن هذا النقل يكون في إطار حركي خادم للمشورع في كليته دفاعا عن حقوق الأمة واستنتهاضا لها للقيام بواجبها. فليس العرض عرض الباكي المشتكي وإنما عرض الذي يسعى لبناء الجسم القادر على إقامة الحق والواجب. فهو عرض بعقلية الواجب لا بعقلية هذا حقي أطلبه وكفى.

المرتكز الرابع: إن مستند معالجة ما تتعرض له الجماعة من خرق لحقوق الإنسان وإن كان يشير إلى ما ألزمت به الدولة من قوانين دستورية وتنظيمية ومن مواثيق دولية، فإنها لا تغفل بأن المرجعية الأصلية في صياغة مفهومها للحقوق والواجبات إنما هي المرجعية الإسلامية مع الاستفادة مما حصلته التجربة الإنسانية من إيجابيات المجال على قواعد النظر الإسلامي الأصيل.

ولذلك فحركة العدل والإحسان في المجال الحقوقي بقدر ما تلتزم بما هو مسطر على علاته سواء في بعده المحلي أو الدولي، فإنها تقترح بديلا متكاملا للمنظومة الحقوقية سواء على المستوى المحلي أو الدولي، لكنها لا تلزم أحدا إلا بما سيتم الاتفاق عليه ضمن اقتراحها الجامع والتعلق بحركية الميثاق في الواقع المغربي، وحركية المشروع في بعده العالمي.

المرتكز الخامس: ضرورة بناء طليعة حقوقية قادرة على اختراق المجال وفق تصور جديد لإدارة الملف الحقوقي تجنبا للانحياز السلبي والكيل بمكيالين ومعيارين. وهو ضابط كبير موجه لحركة الجماعة في التعاطي مع الملف الحقوقي من حيث هو جزء من كل ما يعاني منه المجتمع المغربي.

فالواقع الحقوقي يعاني من التشرذم والتمزق السلبيين، فهما لا يعبران عن التنوع الصحي بقدر ما يشكلان ثغرة كبيرة في قيام الطليعة الحقوقية القادرة على معالجة المسألة الحقوقية بعيدا عن القبضة المخزنية والعقلية الحزبية الضيقة التي لم تسطع أن تتخلص من الاعتبارات الانتخابوية والسياسوية في التعاطي مع الملفات الحقوقية وغير الحقوقية.

3-خلاصة:

إن المسألة الحقوقية في مشروع العدل والإحسان تعالج من جهتين:

الأولى: من جهة ما تقترحه الجماعة من خلال مشروعها الكلي القائم على تكريم الإنسان، وضرورة صناعة الواقع الإنساني الأخوي التعاوني على أساس البر والخير والتقوى. لذلك كان موضوع مشروع العدل والإحسان هو الإنسان.

والثانية: من جهة ما تتعرض له من خرق لحقوق الإنسان، سواء من حيث هي تنظيم، أو من حيث هي أعضاء مستهدفون بحكم انتمائهم للجماعة.

لكن حكمة جماعة العدل والإحسان تتجلى في كونها لم تغلب جانبا على جانب، إذ كل شيء يعالج بالمقدار الذي يطلبه وفق حركة كلية في الواقع المغربي على ضوء مشروع إنساني عالمي هو مشروع: العدل والإحسان. فمن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل. والعبرة في ذلك سنة المصطفى الكريم على الله صلى الله عليه وسلم، فقد أوذي في الله فكان رفقه وحلمه ورحمته الشاملة مستوعبة لكل ما تعرض له حيث الغاية واضحة والقصد بين؛ فهو الذي قال لمن أخرجوه من مكة وحاربوه في لحظة الانتصار: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وهو صلى الله عليه وسلم من جهز جيشا وغزى لمجرد اعتداء حصل على عرض امرأة، كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يثنه ما يتعرض له وصحابته عن تبليغ ما لأجله بعثه ربه سبحانه، إذ خاطبه جل ثناؤه: (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين)[المائدة: الآية 67]).

صدق الله العظيم. ولا حول ولا قوة إلا بالله ولي المتقين وحبيب المحسنين.