تعددت وتنوعت حالات الخرق في حق جماعة العدل والإحسان وخاصة في المرحلة الأخيرة، بقيام السلطات بألوانها المختلفة بحملات عنيفة على مقرات الجماعة وبيوت أعضائها بدون أي سند قانوني (حسب القانونيين والحقوقيين)، فأتلفت ممتلكات وتجهيزات، واعتقلت قياديين بارزين وأغلقت وحاصرت بيوتا في ملكية أعضاء هذه الجماعة، كما أغلقت عدة مقرات تقام فيها لقاءات رسمية يعرفها الخاص والعام من المواطنين.

وهذا يوحي بأن هناك توجها جديدا يحكم سياسة الدولة ضد الجماعة الإسلامية الأكثر انتشارا، بعد أن يئست من احتواء هذا التنظيم الصعب الترويض واستدراجه إلى مستنقعها، حيث سبق لها أن أبدعت اجتهادات كثيرة في التعاطي مع تطور الجماعة العمودي والأفقي، فمن تكسير عظام بعض الأعضاء وتهشيم جماجمهم، مرورا بمحاولة فصل رأس الجماعة عن جسدها بإلقاء أعضاء مجلس الإرشاد وراء القضبان، ومحاصرة مرشدها العام بوضعه تحت الإقامة الجبرية، إلى حرب الإشاعات والتشويه عبر توظيف تيار ديني شاذ (الوهابية)، وتيار آخر سياسي استئصالي (علماني)، لتعبئة الرأي العام المحلي والدولي وتأليبه ضد الجماعة، إلى إشعال نار حرب الشواطئ الشهيرة، إلى المحاكمات الحالية، إلى منع شاحنة من حمل أمتعة مرشد الجماعة…

هذا كله دون أن ننسى تبعات النصيحة الفصيحة الشهيرة “الإسلام أو الطوفان” الموجهة إلى الملك الراحل، التي كان الجواب عنها سجنا وزيادة.

ودون أن ننسى “وأد” جميع منابر الجماعة، إذ لم يبق لها ما به تتواصل مع غيرها. كل هذا كان القصد منه ترهيب الجماعة من أجل استدراجها نحو التنازل عن بعض ثوابتها، سيرا على نهج ما حاق بمعارضات العقود الخوالي. ومن المعروف على الجماعة تشبثها مهما كانت الخطوب باللاآت الثلاث: “لا للعنف، لا للسرية، لا للتعامل مع الخارج (ولا للاستقواء به)”. وتشبثها بالحرص على تربية محبيها وأنصارها على الرفق في القول والعمل ونبذ العنف، والحث على التسامح والبعد عن الحقد والكراهية، والتدرب على نكران الذات والإيثار.

بناء على ما ذكر، ينبغي الاعتراف بأن وجود جماعة العدل والإحسان في المغرب يعد صمام أمان ضد الاهتزاز وعدم الاستقرار والفوضى والفتن، خاصة وأن الظرفية التي يمر بها المغرب لا تدفع إلا في الاتجاه السيء الذكر، ناهيك عما يشهده العالم من تصدير سريع لظواهر وأسباب ووسائل الفتن واللااستقرار.

فجماعة العدل والإحسان بإصرارها على تلقين أنصارها تربية روحية خالصة، وأخلاقا محمدية سامية، تقدم للدولة المغربية المعروف ماضيها، خدمة من المستحيل الحصول عليها في ظل الغياب المزمن للأحزاب السياسية المستقيلة منذ مدة طويلة عن مهمتها المركزية: تأطير المواطنين وتنظيمهم وتعبئتهم. هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى فإن هذه الجماعة تتوفر على حظ وافر من الاقتراحات والحلول العملية، التي يمكن الاستعانة بها للحد من سرعة التدهور والانحدار السائر فيهما المغرب الآني.

فما المانع إذن من الاستفادة من الغرب في مسألة تعامله مع المعارضة وإشراكها في اللعبة السياسية مهما كانت هذه المعارضة “راديكالية”، حيث أفسحت لها الديمقراطيات الغربية مجال المشاركة دون قيد أو شرط، إلا شرط وقيد الالتزام بأدبيات الديمقراطية، فأصبحت هذه المعارضة مثلها مثل غيرها، مكونا من مكونات النسق السياسي للدولة.

أعتقد أن لجماعة العدل والإحسان مواقف وأفكار مهمة في ما يخص كل المعضلات والقضايا العالقة بما فيها قضية الصحراء والتدبير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للدولة، كما أن لها منهجية مهمة في ما يتعلق بالشأن الخارجي وقواعد العلاقات مع العالمين العربي والإسلامي وباقي دول المعمور.

إن ما أقدمت عليه أجهزة الدولة في حق هذه الجماعة، يعد إجهاضا لمشروع حضاري وسياسي واجتماعي تبنته قوة اقتراحية ذات امتداد جماهيري واسع.

هي بلا شك محاولة متجددة لإقصاء كل رأي ووجهة نظر مخالفين لما هو سائد، لصالح تحكيم وتكريس نظرة أحادية، بالرغم من النتائج المفجعة والدلائل الملموسة التي تبرهن على عدم نجاعة نمط الحكم المتبع في المغرب الغابر.

من جهة أخرى ينبع استغراب المهتمين بالشأن السياسي المغربي كون جماعة العدل والإحسان لم يطرأ على منهاجها ولا على أنشطتها وتحركاتها أي تغيير يذكر، أو تناقض مع مبادئها المؤسسة، يمكن أن يتخذ مبررا لشن هجوم من العيار الثقيل عليها.

فهل صارت أجهزة الدولة وسيلة في يد فئة نافذة تريد إلهاء الشعب عن قضاياه المستعصية ومشاكله المتفاقمة قصد تمرير أجندتها، وضرب من تعتقد أنهم قد اكتسحوا الساحة ولم يتركوا لها موطئ قدم في خارطة المغرب السياسية.

والذي يحير خصوم العدل والإحسان، أنه كلما استعمل العنف والاعتقال والمصادرة والحصار كلغة بديلة عن التحاور والتفاوض مع هذه الجماعة إلا وازدادت صفوفها تراصا، وازداد توسعها توغلا، وازدادت حجتها سطوعا.

لهذا أعتقد شخصيا بصفتي باحثا متواضعا في شؤون الحركة الإسلامية أن لغة العنف والترهيب الهادفة إلى استدراج الجماعة نحو التنازل عن كل أو بعض ثوابتها، سياسة فاشلة، ولغة لن تؤتي أكلها كما تشتهي السلطات ومن وراءها، بدليل عدم جني هذه الأخيرة ثمار ما كانت تتوقعه من الممارسات التي مارسها الوزير “القوي” ضد هذه الجماعة منذ تأسيسها في بداية الثمانينات وما قبل ذلك أي إبان “الإسلام أو الطوفان”. بل أكثر من هذا فإن الرأي العام الداخلي والخارجي اعتبر هذه الممارسات في حق معارضة سلمية منافيا لكل الأعراف والقوانين المتعلقة بحقوق وكرامة الإنسان، والمتعلقة بحقه وحريته في التعبير، بما تحمله هذه المبادئ من قيم سامية كالحق في الاختلاف وحرية الاختيار من أجل التحرر والانعتاق.

إن الأطراف الرئيسيين المقصودين بهذه الهجمة على الجماعة هم: حزب العدالة والتنمية، الذي يراد له أن يخضع لما ستمليه عليه السلطة من شروط في الانتخابات القادمة وأن يقبل بالانسجام التام مع كل الاحتمالات الواردة في هذا الإطار مهما كانت مناقضة لأدبياته وتعهداته التي تربطه بالإصلاح والتوحيد.

ثم هي رسالة موجهة إلى الحزب الغاضب على “المنهجية غير الديمقراطية”، الذي “لا يرى في القنافيذ أملس”، تظهر له السلطة من خلالها أنها لا زالت وفية لـ”العقد” الذي تورط بموجبه انقلابيو الأمس في مصيدة حكومة “بلا مفاتيح” التي كان الغرض منها ضمان انتقال الحكم في ظرف طبعته ملامح السكتة القلبية.

ثم هي رسالة لطمأنة الولايات المتحدة وفرنسا ومعهم استئصاليي الداخل، تبرهن لهم الدولة على استمرار قدرتها على التحكم في اللعبة السياسية وفرض تصميم هندسي محكم وإحلال توازنات تتناغم مع ما يراد من المنطقة المغاربية والعربية راهنا. وفي المقابل، لا ننسى أيضا أن لجماعة العدل والإحسان بصمودها وثباتها رسائل كثيرة توجهها إلى أطراف اللعبة في الداخل والخارج، فهي كعادتها تحسن استثمار هفوات وشطط السلطة المرتكبة في حقها، استثمارا دقيقا ومدروسا.

فمن أبسط رسائلها وأجلاها: أنها لا زالت القوة الجماهيرية المعارضة رقم واحد في المغرب، وأنها لا زالت قادرة على تحريك وتعبئة الشارع متى وكيفما شاءت، وأنها ثابتة ثبات الجبال على مبادئها وثوابتها، وأنها على استعداد لتأدية ثمن ذلك دون ردة أو تراجع.

وأنها مصرة على تفعيل وسيلة الحوار والتفاوض للوصول إلى حلول حقيقية لمغرب مهدد بـ”السقطة القلبية”، وأنها لن تحيد عن سلك سبيل هذه المبادئ، إيمانا منها بفعاليتها ونجاعتها.