5- الأماكن الشريفة بالمدينة وآثار النبي صلى الله عليه وسلم:

1- المسجد النبوي الشريف:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، أحق المساجد أن يزار، وتشد إليه الرواحل المسجد الحرام ومسجدي، وصلاة فــي مسجــدي أفضــل من ألــف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام”(1). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام”(2).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومسجد الأقصى”(3).

وعن بلال بن الحارث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان، وجمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها من البلدان”(4)

ومن شرفه أن كل شيء فيه لا يحب أن يخرج حتى الحصا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد”(5).

وقد جمع المسجد من بعد الجسد الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه من الأماكن الشريفة ما تواترت به الأخبار والأحاديث وكلام السلف رحمهم الله.

أ- الروضة الشريفة روضة من رياض الجنة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه يقول: “ما بين حجرتي ومنبري روضة من رياض الجنة”(6). وتضم منبره الشريف الذي وضع لـه بعدما كان يخطب على جذع وقد جاء في صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه فإن لي غلاما نجارا قال: “إن شئت فعمل له المنبر”(7)

وعن أبي سلمة بن عبد الرحمان عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم “قوائم منبري رواتب في الجنة، وما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة”.

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: منبري على حوضي “قال الخطابي: معناه من لزم عبادة الله عنده سقي من الحوض يوم القيامة. وقال تقي الدين المكي المالكي والذي أراه أن المعنى هذا المنبر بعينه يعيده الله على حاله فينصبه عند حوضه كما تعود الخلائق أجمعون.

ومما تضمه الروضة الشريفة أسطوانات عرفت بفضل لها، إما بصلاة نبي الله صلى الله عليه وسلم أو صحابي أو ورد في فضل الصلاة بها أثر وهذا ذكر الأسطوانات كما وردت بها الأخبار.

1- أسطوانة التوبة وهي أسطوانة في الروضة الشريفة مكتوب عليها أسطوانة التوبة وتسمى أيضا أسطوانة أبي لبابة وسميت كذلك لأنها الأسطوانة التي نزلت فيها توبة أبي لبابة الأنصاري رضي الله عنه حيث أنه أخرج سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أرسله إلى يهود بني قريظة ليستشيروه في أمرهم أشار إلى حلقه أي أنه الذبح فقال: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من أعمدته وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله على ما صنعت وعاهد الله أن لا يطأ بني قريظة أبدا فلا تراني ولا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا. وبلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تأخر عنه فقال: “أما لو جاءني لاستغفرت الله له، فأما إذا فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه، فأنزل الله توبته على رسول الله وهو في بيت أم سلمة فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر يضحك فقلت: مما تضحك يا رسول الله؟ أضحك الله سنك قال: تيب على أبي لبابة فقلت: ألا أبشره بذلك يا رسول الله قال: بلى إن شئت قال: فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب الحجاب فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك قال: فثار الناس ليلقوه قال: لا والله حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقني بيده فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه وأنزل الله فيه “يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون”(8).

وقد روى محمد بن كعب القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي أكثر نوافله إلى أسطوانة التوبة، وهي الأسطوانة الثانية عن يمين حجرة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يصلي إليها في الصف الأول(9).

2- أسطوانة عائشة: روى الزبير بن حبيب أن الأسطوانة التي بعد أسطوانة التوبة إلى الروضة وهي الثالثة من المنبر ومن المضجع الشريف ومن رحبة المسجد ومن القبلة وهي متوسطة في الروضة صلى النبي صلى الله عليه وسلم إليها المكتوبة بضع عشرة ثم تقدم إلى مصلاه اليوم وكان يجعلها خلف ظهره وأن أبا بكر وعمر والزبير وابنه عبد الله وعامر بن عبد الله كانوا يصلون إليها وأن المهاجرين كانوا يجتمعون عندها وكان يقال لها مجلس المهاجرين وقالت عائشة رضي الله عنها فيها لو عرفها الناس لاضطربوا على الصلاة عندها بالأسهم فسألوها فيها فأبت أن تسميها فأصغى إليها ابن الزبير فساررته بشيء ثم قام فصلى إلى التي يقال لها أسطوانة عائشة قال: فظن من معه، أن عائشة أخبرته أنها تلك الأسطوانة وسميت أسطوانة عائشة وعن زيد بن أسلم قال: “رأيت عند تلك الأسطوانة موضع جبهة النبي صلى الله عليه وسلم ثم رأيت دونه موضع جبهة أبي بكر ثم رأيت دون موضع جبهة أبي بكر موضع جبهة عمر رضي الله عنهما ويقال: إن الدعاء عندها مستجاب(10).

3- أسطوانة السرير: وهي الأسطوانة التي تقع في مكان اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم وكان يوضع له عندها سرير وتقع شرقي أسطوانة التوبة وليس بينهما أسطوانة أخرى وهي اليوم ملاصقة لشباك الحجرة الشريفة وعندها كان صلى الله عليه وسلم يقرع بين نسائه ومن مكان اعتكافه عليه الصلاة والسلام هنا كان يعطي رأسه لعائشة رضي الله عنها وهي في داخل حجرتها لتسرحه وترجله كما ثبت في الحديث الصحيح ومكتوب عليها اليوم أسطوانة السرير.

4- الأسطوانة المخلقة: (أي المطيبة بطيب الخلوق) وهي الأسطوانة الملاصقة لمصلى النبي صلى الله عليه وسلم من جهة القبلة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليها بعد تحوله عن أسطوانة عائشة رضي الله عنها وهي عن يمين الإمام إذا وقف في المصلى الشريف وهي في الروضة كذلك.

وروى يزيد بن عبيد أنه كان يجيء مع سلمة بن الأكوع رضي الله عنه إلى سبحة الضحى (أي صلاة الضحى) فيعمد إلى مكان الأسطوانة المخلقة ويصلي عندها سبحة الضحى فقال له يزيد: ألا تصلي في مكان آخر من المسجد؟ فقال لـه سلمة إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى في هذا المقام(11).

وعن يزيد بن عبيد قال: كنت آتي مع سلمة بن الأكوع رضي الله عنه فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف  أي المخلقة فقلت يا أبا سلمة أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة قال: فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها”(12).

وعن سلمة بن الأكوع أنه كان يتحرى موضع المصحف يسبح فيه وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى ذلك.(13)

وهذه الأسطوانة يرتكز عليها المحراب النبوي الشريف ومكتوب في أعلاه الأسطوانة المخلقة.

وسبب تسميتها بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عليها نخامة فساءه ذلك فقام أحد الصحابة وحك النخامة وطيب مكانها بطيب يسمى الخلوق فسر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك واعتبر هذا أول تطييب للمسجد النبوي، وتحت هذه الأسطوانة دفن الجذع الذي كان يخطب عليه النبي صلى الله عليه وسلم بعدما وضع لـه المنبر فكان يبكي فراقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح عليه النبي صلى الله عليه وسلم وسكن وقال له: “إن شئت أن أردك إلى الحائط الذي كنت فيه كما كنت فتنبت لك عروقك ويكمل خلقك ويجدد لك حوض وثمر وإن شئت أن أغرسك في الجنة فتأكل أولياء الله من ثمرك “ثم أصغى إليه النبي صلى الله عليه وسلم يقول، قال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله وأكون في مكان لا أداس فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعم قد فعلت وجاء إلى المنبر ثم أقبل على الناس فقال: خيرته كما سمعتم فاختار أن أغرسه في الجنة، اختار دار البقاء على دار الفناء.

وقالت عائشة رضي الله عنها لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك غار الجذع فذهب. ومن الصحابة من قال: هو في موضعه وهو موضع الأسطوانة المخلقة.(14)

5- أسطوانة الحرس: وكانت تسمى أسطوانة علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأنه كان يجلس عندها حارسا للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يترك الحراس حين نزل قوله تعالى”والله يعصمك من الناس”.

ومن أشهر حراسه صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ يوم بدر ومحمد بن سلمة يوم أحد وبلال بن رباح في وادي القرى وتقع هذه الأسطوانة خلف أسطوانة التوبة وكان علي رضي الله عنه يجلس عندها ويجعلها خلف ظهره وكان يطلق على هذا المكان (مجلس القلادة) وقيل أطلق على مكان أسطوانة الوفود، وكان يحرسه أيضا الزبير وعمر عند هذه الأسطوانة صلى الله عليه وسلم.

6- أسطوانة الوفود: وهي الأسطوانة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس عندها لوفود العرب القادمة عليه لكي تبايعه على الإسلام وهو المكان الذي وقع عنده نداء بني تميم من وراء الحجرات فأنزل الله أوائل سورة الحجرات، وهي الأسطوانة الثالثة من مرقد النبي صلى الله عليه وسلم وهي محادية لشباك الحجرة الشريفة(15).

7- أسطوانة التهجد: وهي خلف الحجرة الشريفة عند مكان بيت فاطمة رضي الله عنها وهي التي كان يصلي إليها النبي صلى الله عليه وسلم التهجد. عن سعيد بن عبد الله بن فضيل قال: مرّ بي محمد بن علي بن الحنفية رضي الله عنه وأنا أصلي إليها، قال لي: أراك تلزم هذه الأسطوانة هل جاء فيها أثر؟ قلت لا، قال: فالزمها، كانت مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل قلت: وهذه الأسطوانة وراء بيت فاطمة رضي الله عنها وفيها محراب إذا توجه الرجل كان يساره.

وما ورد في فضيلة الصلاة إلى هذه الأساطين وباقي أساطين مسجده صلى الله عليه وسلم ما رواه البخاري ومسلم مما سبق ذكره في التعريف بهذه الأساطين حديث يزيد بن أبي عبيد قال: كنت آتي سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف فقلت: يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة قال: فإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها، وروى من حديث أنس قال: لقد أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يبتدرون السواري عند المغرب)(16)

قال تقي الدين الفاسي المكي المالكي في شفاء الغرام فعلى هذا جميع سواري مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يستحب الصلاة عندها لأنها لا تخلو من أن النبي صلى الله عليه وسلم أو كبار الصحابة صلوا إليها(17).

—————————————-

(1) رواه البزار وهو في صحيح مسلم كتاب الحج .

(2) رواه مسلم ( باب فضل الصلاة في مسجدي مكة والمدينة ) ورواه البخاري بلفظ ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه الا المسجد الحرام الرقم 1190 .

(3) صحيح البخاري رقم 1189 .

(4) رواه الطبراني في الكبير 1144 .

(5) رواه أبو داوود مرفوعا برقم 460.

(6) سبق ذكره للبخاري ومسلم .

(7) البخاري 875 كتاب الجمعة .

(8) سورة الأنفال الآية 27 .

(9) الدرة التمينة في تاريخ المدينة لابن النجار وهو ملحق شفاء الغرام ج 2 ص 431 .

(10) نفس المرجع السابق ملحق شفاء الغرام ج 2 ص 431 .

(11) ابن حبان رقم 2152 ج 5 ص 526 صحيح البخاري ج 1 ص 170 رقم 502 .

(12) المسند المستخرج على صحيح مسلم ج 2 ص 116 رقم 1124 رواه مسلم عن محمد بن المثني بن مكي .لابن حبان برقم 1763 ج 5ص 59 .

(13) صحيح مسلم .

(14) الدرة التمينة في تاريخ المدينة وهي ملحق شفاء الغرام ج 2 ص 424 .

(15) رواه ابن أبي فديك انظر الدرة التمينة في تاريخ المدينة ملحق شفاء الغرام ج 2 ص 431 .

(16) صحيح البخاري ج 1 ص 171 رقم 503 .

(17) الدرة التمينة لابن النجار ملحق شفاء الغرام ج 2 ص 432 .