تابعت النشرة الإخبارية المغاربية التي تبثها قناة الجزيرة من المغرب مساء الجمعة فاتح دجنبر2006 باهتمام كبير، لاعتبارين اثنين: طبيعة الموضوع “توقيف أئمة وخطباء جمعة بالمغرب”، وطبيعة ضيف النشرة ممثلا في وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الذي حضر لتفسير قرار إداري اتخذته وزارته في حق مجموعة من الأئمة والخطباء، أغلبيتهم ينتمون أو يتعاطفون مع جماعة العدل والإحسان.

استوقفني في تدخل السيد الوزير أمران: تفسيره للتوقيف وما تضمنه من تلميح وتعميم يقتضي التوضيح إزالة لكل غبش، والعدد الذي أدلى به من الأئمة والخطباء الموقوفين وهو أحد عشر(11)، الذي يقترب من ثلث عدد الموقوفين.

اعتبرتم معالي الوزير أن النسبة الكبيرة من الموقوفين تعود لأسباب مهنية احترافية، تتعلق بمؤهلات الخطباء وقدرتهم على التبليغ والإفادة من أجل الارتقاء بمستوى وعي الناس وفهمهم لدينهم الفهم الصحيح، وحبذا لو كان الأمر كذلك لبارك المغاربة المبادرة وثمنوها، ولما أحدث القرار هذه الضجة الإعلامية؛ لكن أغلب الموقوفين ـ فيما أعلم ـ مشهود لهم شعبيا بالكفاءة العلمية والصلاح، حتى ترسخ في الأذهان أن السلطة لا يروقها أن ينصلح حال العباد والبلاد.

وأكدتم معالي الوزير على رفض تسييس خطب الجمعة، واستعمال المنابر المسجدية للترويج لأفكار سياسية معينة، والحال ـ دون الدخول في متاهات تحديد مفهوم التسييس ـ أن الدولة هي من توظف المنابر المسجدية للترويج لتصورها السياسي، مثلما تحتكر المنابر الإعلامية السمعية البصرية لتكريس رؤية وحيدة للواقع، يصطلح عليها بالتعبير الشعبي: “قولوا العام زين”.

ولمحتم في تدخلكم لمبررات التوقيف إلى مسألة الإمامة ومركزيتها في ثوابت الأمة دون أن تتكلفوا أي عناء للتوضيح، فتطلب الأمر تدقيقا في المسألة، حتى لا يتلقف مسؤولو وزارتكم الجهويون الإشارة ويتضاعف عدد الموقوفين في الأسابيع القليلة القادمة.

للإمامة ـ كما تعلمون ـ بعد عقدي وفقهي خاض فيه العلماء أهل الاختصاص وفصلوا فيه، كل من زاوية فهمه وإرادته، ودققوا في شروط الإمامة ومقتضياتها، وبينوا ضرورة الإمام في تثبيت الاستقرار والنظام، بل وفي تعبئة الجهود لبناء صرح الأمة والدفاع عن مقوماتها، وحذروا من عواقب الفتن والقلاقل، حتى قيل بطاعة الإمام مهما كان انحرافه وعدم أهليته حفاظا على بيضة الإسلام، ونحن ـ ولله الحمد والمنة ـ في المغرب ليس بيننا خوارج، والتاريخ الحديث يسجل أن إثارة هذا الموضوع وإقحامه في المجال السياسي تسييس لقضية من باب التشويش والترهيب، حتى يعقد المتتبع وكأن المغرب طوائف متناحرة، والحال أن الدولة التي تمثلون حقلها الديني ضاقت ذرعا بأي رأي يخالف تدبيرها للشأن العام للبلاد، فأحكمت ـ أو تسعى لتحكم ـ قبضتها على كل المجالات لمنع بروز أي منافس أو مشروع بديل إصلاح؛ أما مقتضيات الإمامة على خطيب الجمعة ظاهريا فتتمثل في الدعاء للملك في نهاية الخطبة، وهو أمر قابل للمراقبة والتثبت، لا يحتاج تهويلا وزوبعة.

وما دام المستهدف بشكل خاص بهذه الحملة هو جماعة العدل والإحسان، انخرطت وزارتكم في مسلسل التضييق عليها لتصطف السلطة بكل مكوناتها في صف واحد وتعبر عن الانسجام الذي تبحث عنه، وحتى لا تتهم وزارتكم بالتساهل مع الإسلاميين، لذلك لا بد من التذكير برؤية الجماعة إلى منابر الجمعة، التي تتمثل في كونها ـ منابر الجمعة ـ إطارا للدعوة العامة، تركز على تجديد الإيمان واكتساب شعبه، واغتنام فرص الخير والإكثار من فضائل الأعمال، ودعني ـ معالي الوزيرـ أقول: لقد زاولت الخطابة لأزيد من ثلاث سنوات، والخطب التي ألقيتها مكتوبة، وكانت تراقب من طرف أعوان السلطة، بل تسجل في الغالب الأعم بالصوت، وغداة توقيفي كان السبب ليس الأهلية، وليس التسييس، بل الانتماء للعدل والإحسان، ومحضر التبليغ الذي وقع عليه مندوبكم، كما وقع عليه رؤساء الأجهزة الأمنية موجود في رفوف السلطة المحلية.

هذا على مستوى جماعة العدل والإحسان، وإلا فقد تم توقيف خطباء جمعة لا انتماء لهم، جمعوا بين الأهلية العلمية والتأكيد في خطبهم على وجوب طاعة الإمام، بل إن أحدهم ـ وأنا أتحدث عن المدينة التي أقطن”بني ملال” ـ أعلن بيعته للملك من فوق منبر الجمعة، وصرح أنه سيلقى ربه يوم القيامة بهذه البيعة في عنقه، لكن ذلك كله لم يشفع له، وكان من الموقوفين معالي الوزير، ومن هذه النقطة أنتقل إلى القسم الخاص، وأعني تقييم تدبير الشأن الديني في جهة تادلا ـ أزيلال.

لقد سبق لي أن كاتبتكم ـ شخصيا ـ في موضوع شطط مندوبكم الجهوي، وفصلت لكم خروقاته التي تتنافى وما أعلنتموه من توجه جديد غداة استوزاركم، ولا عجب إذا كان الحظ الأوفر من التوقيفات في جهة تادلاـ أزيلال، ففي مدينة بني ملال بالضبط تجاوز العدد ما صرحتم به، حيث كانت القاعدة المشتركة والمسوغ ليس انعدام الكفاءة والأهلية العلمية، فأغلب من شملهم التوقيف رجال تربية وتعليم في مختلف الأسلاك التعليمية من الجامعي إلى الثانوي، وليسوا جميعا أعضاء أو متعاطفين مع جماعة العدل والإحسان.

إن العهد الذي قطعه مندوبكم الجهوي بجهة تادلا ـ أزيلال على نفسه هو محاربة أي إشعاع نوراني، ومن التف حولهم الناس، وشدت إلى مساجدهم الرحال، فهم موقوفون بغض النظر عن انتمائهم أو عدمه، ذنبهم استقامتهم ونورانيتهم، وقبول وضع لهم في الأرض، فـأحبهم الناس، والتمسوا الخير والموعظة الحسنة في مجالسهم، دون تسييس، أو تكفير، أو تعنيف فكرا أو خطابا، إلا أن يكون الحديث عن فضائل الأعمال، من قبيل الترغيب في صيام الإثنين والخميس والأيام البيض تسييسا، والحث على شعب الإيمان تكفيرا، والدعوة لحسن الجوار وبر الوالدين تعنيفا، …

هكذا وببساطة يمتطي مندوبكم الجهوي تيار السلطة المناهض للجماعة، ليصفي حسابات شخصية مستعينا بأحد أقربائه النافذين في مصلحة الموارد البشرية لوزارتكم لعزل الدكتور الشاب نورالدين عادل، ولما كانت المسوغات التي “عزز” بها قراره ـ النزوة في حكم الأحاديث الموضوعة، استعان بتهمة غدت من المسلمات في قاموسنا السياسي، ولا موقع لها في القانون الإداري، فاتهم الشاب الضحية بكونه ضد ثوابت الأمة، ما دام عضوا في جماعة العدل والإحسان ، لينضاف هذا “الإنجاز” إلى سجله الإداري، فالمندوب الجهوي صاحب رقم قياسي ـ ولا فخرـ في توقيف الأئمة والخطباء وإغلاق محاضن تحفيظ القرآن، ولو وجد ضحاياه هيئة حقوقية تساندهم أو انخرطوا في جمعية من قبيل ” مـا تقيش لفقها ” لقامت القيامة على المندوب، واستدعى الأمر جولة جديدة لهيئة الإنصاف لجبر الضرر الذي لحق فئة مفقرة مستضعفة ذنبها أنها حفظت القرآن الكريم، وتجندت لخدمة دين الله تعالى.

لقد كاتبتكم معالي الوزير في شأن خروقات مندوبكم الجهوي، وكان من المفروض أن يفتح تحقيق في الموضوع، أو تكون لجنة للتقصي تستفسر الضحايا، وتقف على عميق معاناتهم، وتبحث في حقيقة دوافع المندوب، أهي فعلا مهنية احترافية أم مسوغات أخرى لا تدون في التقارير؟

يبدو ـ والله أعلم ـ أن للمندوب نفوذا يستعصي معه اتخاذ أي قرار في حقه، ولو من باب “إذا جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا”؛ وإلا كيف يفسر انفراد جهة تادلا ـ أزيلال بهذا الكم الهائل من الطرد وتوقيفات الأئمة والخطباء دون بقية الجهات؟ هل يتابع في المغرب أحد مندوبيكم الجهويين في المحكمة الإدارية؟ وهل يقاضي أحد مندوبيكم الجهويين موظفا في بداية مسيرته المهنية بتهمة الإهانة والتهديد بالقتل؟ وهل سبق أن توصل أحد مندوبيكم برسالة تهديد مجهولة؟ أليس في الأمر ما يستوجب التأمل يا معالي الوزير؟

ليكن في علم معالي الوزير أن جهة تادلا ـ أزيلال تعرف حالة من التأزم والغليان في صفوف الأئمة والخطباء، يعيشون ترهيبا سلط على رقابهم، يهددهم في أرزاقهم، ومن لم يتزلف له فهو موقوف، ومن تجرأ وواجه تسلطه يعزل من عمله، ويتابع بتهمة الإساءة وإهانة موظف، “والله يحد الباس”.

إن حقيقة التوقيفات لا تعدو أن تكون حربا ممنهجة على الإسلام بخلفية سياسوية، وفرت لذوي القلوب المريضة تغطية لممارسة نزوات شخصية لتصفية حسابات مع من رزقوا قبولا بين الناس وإجلالا، فكانت التوقيفات ولا تزال حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.