بعد الانقلاب العسكري في غشت 2005 الذي أطاح بولد الطايع، وبعد التصريحات المطمئنة لقائد الانقلاب العقيد ولد محمد فال، الذي تعهد في أكثر من مناسبة بالعمل من أجل إرساء نظام ديمقراطي حقيقي بموريتانية، ترددت في الكتابة عن بداية تحول يجري قريبا من المغرب، لأننا تعودنا في العالم العربي أن نسمع كلاما معسولا لكل وافد جديد على الحكم، لكن سرعان ما تتحول الكلمات الكبيرة إلى كبائر في حق الشعوب المستضعفة. فإذا كانت بعض التجارب أثبتت مساهمة العسكر في تحقيق الانتقال الديمقراطي، كتجربة البرتغال في 1975 حيث ساهمت حركة القوات المسلحة إلى جانب معارضة قوية في وضع حد للدكتاتورية، وإرساء تحول هام يقوم على تصفية الاستعمار وتحقيق الديمقراطية والتنمية، فإن ذلك بقي مقتصرا على الضفة الأخرى، أما في عالمنا العربي والإسلامي فإن الانقلابات العسكرية لم تزد الأوضاع إلا ترديا. وبعد تعديل الدستور الموريتاني في يونيو 2006 ترددت مرة أخرى عن الكتابة رغم بعض إيجابياته الظاهرة مقارنة مع ما كان معمولا به سابقا، فالدستور لا تخفى أهميته في تنظيم الحياة السياسية، إلا أن الدستور لا معنى له إذا لم يصاحبه “شعور دستوري” على حد تعبير لوفنشتاين أو “إرادة دستورية” على حد تعبير كونراد هرس، بحيث تكون هناك عزيمة لدى الجميع، حكاما ومحكومين، في تطبيق محتواه، والاحتكام لمبادئه الواضحة. و كان التردد مرة ثالثة بعد إجراء الدور الأول من الانتخابات في جو قيل الكثير عن شفافيته ونزاهته، فالدور الأول حسم فقط في عدد قليل من المقاعد مقارنة مع ما تبقى للدور الثاني.

الآن وقد أجري الدور الثاني وأسدل الستار على أول انتخابات عامة بعد الانقلاب العسكري، وتم تسجيل نزاهة لا تقل عما تم تسجيله في الدور الأول، هل يمكن للمرء أن يجزم بأن موريتانيا تسير في الطريق الصحيح؟ و أنها شكلت فعلا استثناء في تاريخ تلك الانقلابات التي تعصف بحاكم مستبد لتأتي بآخر أكثر استبدادا؟ هل يمكن الحديث عن نموذج- على غرار النموذج البرتغالي- قريب منا يؤكد أن التغيير يحتاج إلى رجال صادقين في غيرتهم على الوطن، لا فرق بين من لبس البذلة العسكرية ومن لم يلبسها؟

الانتخابات تشكل إلى حد كبير مقياسا لمعرفة طبيعة الأنظمة، فإذا كان المواطن يشعر بأن لصوته قيمة، وأن مشاركته الانتخابية لها تأثير في القرار السياسي، وأن لاشيء يشوب مسألة النزاهة، ولاشيء يعطل عمل المؤسسات المنتخبة، فإننا نكون فعلا بصدد نظام ديمقراطي أو على الأقل في حالة انتقال ديمقراطي. وإذا كان عكس ذلك فسمي النظام ما شئت إلا أن تسميه ديمقراطيا. انطلاقا من هذا المقياس العملي هل يمكن الجزم في الحالة الموريتانية؟ هل يمكن إصدار وصف جامع مانع لما جرى ويجري في جارة المغرب؟

بكل تأكيد عرفت الانتخابات الموريتانية عدة إيجابيات، فقد سمح لكل المعارضين بالمشاركة بما فيهم التيار الإسلامي الذي لا يتوفر على حزب، والحملات الانتخابية كانت في عمومها نظيفة، وقدر كبير من النزاهة شهد به الناخبون والمنتخبون، كما شهدت به منظمات محلية وإقليمية ودولية، فمنظمة المؤتمر الإسلامي أصدرت بيانا وأكدت أن الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية الموريتانية أجريت بنفس النزاهة والشفافية والحياد التي أجريت بها الجولة الأولى، وهنأت الشعب الموريتاني على إتمامه ممارسة العملية الديمقراطية بجدارة عالية، بل إن بعثة المراقبين الأوروبيين للانتخابات في موريتانيا ذهبت إلى أن الدور الثاني كان أفضل من الدور الأول. يضاف إلى ذلك أن حصة 20 في المائة التي خصصت للمرأة شكلت نقطة ضوء أخرى في الانتخابات الموريتانية…

هذه الإيجابيات الهامة، والتي تزيد أهميتها بالمقارنة مع ما كان سابقا، لا يمكن لكل شغوف بالحرية والعدل والكرامة إلا الإشادة بها، ومع ذلك فالعملية الانتخابية شابتها خروق تجعل المتأمل فيها يتردد عن الجزم بأن هناك فعلا تجربة جديدة للانتقال الديمقراطي بموريتانيا، من ذلك تعيين مسؤولين معروفين بمواقفهم الموالية للرئيس السابق معاوية ولد الطايع في اللجنة المشرفة على الانتخابات، وتحيز إعلامي رسمي لبعض المرشحين المدعومين من السلطة، ومحاولة البعض جر الأئمة إلى النزاعات الانتخابية، وإفراغ مؤسسة المسجد من محتواها الأساسي وجعلها طرفا في الصراع، كما صرح بذلك محمد جميل ولد منصور القيادي الإسلامي ومنسق الإصلاحيين الوسطيين…

ولعل في مسألة المرشحين المستقلين أكبر تهديد للتجربة الموريتانية، فحسب بعض المتتبعين فإن اللوائح المستقلة تضم مقربين من المجلس العسكري الحاكم، وهذا يعني أن الأغلبية يمكن أن تسحب من أحزاب المعارضة السابقة لفائدة المجلس العسكري، هذا الأخير الذي صرح أعضاؤه أنهم لا يريدون الاستمرار في الحكم.

فائتلاف قوى التغيير الديمقراطي، الذي يضم أحزاب المعارضة السابقة حصل على 41 مقعدا، ورموز الحزب الجمهوري (الحاكم سابقًا) حصلوا على 13 مقعدًا، واحتلت اللوائح المستقلة المحسوبة على المجلس العسكري المرتبة الثانية داخل البرلمان بحصولها على 38 مقعدًا، وحصلت أحزاب أخرى على 3 مقاعد، مما يعني إمكانية تحويل الأغلبية لفائدة المجلس العسكري في حالة تشكيل تحالفات، وذلك ليس ببعيد. إنها إمكانية الالتفاف على نتائج الانتخابات. أو لنقل أنه التزوير المقنع. الذي نتمنى أن لا يحدث.

إن لعبة المستقلين ليست جديدة، فقد استعملتها بعض الأنظمة العربية لضمان الولاء لها، وقد كان النظام المغربي من السباقين لذلك، ففي الانتخابات التشريعية لسنة 1977 ترشح “مستقلون”-المرشحون تحت راية الورقة البيضاء- ليؤسسوا قبيل افتتاح البرلمان حزبا جديدا برئاسة الوزير الأول آنذاك، وقد كان لهذا الحزب ما مجموعه 141 مقعدا من مجموع 264 مقعدا.

قال العقيد ولد محمد فال في أحد تصريحاته الأخيرة: “وصلنا للسلطة في انقلاب عسكري دون استشارة أي طرف داخلي أو خارجي. وقادرون على الاستمرار فيها”. أرجو أن يكون تصريحا عابرا، وليس تصريحا يتساوق مع استراتيجية الخروج من الباب للدخول من النافذة. و”إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا”.

وأرجو كما زال التردد بخصوص كتابة هذه السطور المتواضعة أن يزول بخصوص الحكم على التجربة الموريتانية بأنها تسير فعلا على الطريق الصحيح. ولعل في الانتخابات الرئاسية في شهر مارس المقبل مقياسا آخر.