لا يجوز لعاقل أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له، فهو القدر الذي يمكن أن ينزل بصاحبه في أية لحظة، من ليل أو نهار، من غداة أو عشي، من شروق أو غروب، وعلى أي حال؛ طائعا أو عاصيا، مقبلا أو مدبرا، مقتحما أو منتكسا، فرحا أو منكسفا، وفي أي مكان؛ في البيت، في العمل، في الطريق، زائرا أو مزورا، ضايفا أو مضيفا، وحيدا أو مع الناس… أينما تكونوا يدرككم الموت (النساء 78)… ليس للموت سن معلوم، ولا وقت محدد، ولا مرض معين، ولا يأتي لشخص دون شخص ولا لطبقة دون طبقة. لا يمهل حاكما لجاهه ولا محكوما لحاجته، ولا شريفا لشرفه ولا ضعيفا لضعفه. لا يهاب قويا ولا يرحم ضعيفا،… حتى الحبيب المجتبى والخليل المصطفى صلى الله عليه وسلم ناداه الحق سبحانه: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ؟

لا فوت من الموت

لا بد لكل ذي كبد رطب من مفارقة الحياة الدنيا كرها، ولا مندوحة للمرء عن ترك الأهل والأولاد والأصحاب والدور والقصور والمال والجاه وكل ما يملك -سوى سلامة القلب وصلاح العمل- والسفر إلى غير رجعة. في الحديث: “أحبب من شئت فإنك مفارقه”، إن في خالدين النعيم أو في خالدين الجحيم، لا بد لكل واحد منا أن يرحل بعيدا عن الكل، ولا بد له من معالجة سكرات الموت وكرباته وحيدا كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ.

كن من شئت يا أخي (ويا أختي) وابن من شئت أيها الإنسان! (ونفسي الغافلة أقصد) فالموت أمامك وليس خلفك، قريب منك ومازال يقترب، أنت تسرع إليه بلا شعور وهو يسرع إليك كعبد مأمور قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ.

لا بد أن يزورك ملك الموت فجأة، مرة واحدة ولا يكررها! فيزهق روحك من جسدك من غير استئذان، ويتركه خاليا ممددا كأن لم تكن فيه روح من قبل، لا بد أن تتوقف حركتك وتشل قوتك ويخرس صوتك وتسقط هيبتك، لا بد أن يغسلك غيرك وأنت عريان من لباسك وحولك وقوتك، تنزع ثيابك الجميلة وتكفن في بياض رخيص، لا بد أن تخرج من بيتك نهائيا وتحمل على النعش ضعيفا ساكتا، ويصلى عليك صلاة خفيفة بلا سجود ولا ركوع، “جنازة رجل!” أو “جنازة امرأة!”.

ولا بد أن تدفن تحت التراب وحدك، ويعود الناس للهوهم وأشغالهم، ويتركوك غريبا في لحدك وندمك. تصارع السؤال وتتجرع الندم ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً، كلا… فلا تردك شفاعة ولو كانت لكل الإنس والجن، ولا تنفعك سلطة ولو ملكت الأرض بما فيها!

انتهت دنياك يا غافل وقامت قيامتك. وكلهم آتيه يوم القيامة فردا.

عن قريب سيصدأ فمك، ويسيل أنفك، وتغور عيناك، ويعفن لسانك، و تبلى أسنانك، وتتغير رائحتك، وتطمس ملامحك، وتصير طعاما للدود، بعدما كنت تتقلب في ألذ الطعام وأبرد الشراب وأحسن اللباس.

مصيبة الموت

وأنت تلهو وتلعب، وتتمنى وتطمح، وتسوف وتؤجل، وتخوض مع الخائضين أو تجاهد مع المجاهدين… توقف عمرك فجأة من غير سابق إنذار فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ التي لا تتكرر عليك، ومحي اسمك بسرعة من كتاب الأحياء وكأنه لم يكن، وكتبت في سجل الأموات، وتوقف عداد حسناتك وسيئاتك، وطوي السجل، ورفع القلم وانقضى الأجل، فلا كلام ولا توبة ولا قربة ولا لحظة.

فنيت اللحظات وانقطعت الآمال، وبقيت النيات وأحصيت الأعمال. خرجت من عالم الابتلاء بالعمل إلى عالم الحساب على الابتلاء… لا رجوع في العمر الذي تصرم، ولا مراجعة في العمل الذي اختتم… وتلك مصيبة الموت.

أكيد أنك ستتحسر وتندم أيما ندم على التفريط والغفلة، وستستيقظ و تعزم على الاعتبار، لكن بعد فوات الأوان. المعول على يقظة الدنيا وندم الدنيا، أما يقظة الآخرة وندم الآخرة فكل الناس سيستيقظون ويندمون، قال سيدنا علي كرم الله وجهه: “الناس نيام إذا ماتوا استيقظوا”، سينتبهون لكن بعد وقوع المصيبة وفوات الأوان.

فلو لم يكن ينتظرنا -يا أخي ويا أختي- كرب ولا هول سوى سكرات الموت وحدها، لتقلصت قيمة الدنيا في قلوبنا ولازددنا إقبالا على الآخرة. ولو كنا دائمي الذكر للموت لما أحببنا البقاء فيها، ولأعددنا لها زادا يواسينا كربها ويؤنسنا بعدها. ولنهضنا مستجيبين لنداء الله بالإيمان والعمل الصالح.

قال سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ذات مرة لتقي الدين الحسن البصري رضي الله عنه: عظنا يا إمام، فقال له يا أمير المؤمنين: صم عن الدنيا وأفطر على الموت، وأعد الزاد لليلة صبحها يوم القيامة).

قال كعب رحمه الله في شعب الإيمان: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها).

فأي موتة تريد؟

ماذا تعني عندك الموت؟ هل هي راحة؟ عدم؟ ممر؟ مقر؟ بداية؟ نهاية؟… واحدة عند جميع الناس أم لكل موتته؟ أي موتة تريد يا صاح؟ موت الرضا والروضة أم موت السخط والحفرة؟

الناس من الموت أصناف أربعة:

صنف الغافلين

لانغماسه في المعاصي والآثام يكره الموت ويفر من ذكره لأنه ينغص عليه شهوته ويذهب عنه فرحته.

صنف المقصرين

يكره الموت لعدم رضاه على طاعته فهو يسعى للتوبة وتحسين علاقته بربه.

صنف المشتاقين

يحب الموت لأنه يحب لقاء أحبابه، كما فعل سيدنا بلال رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قالت امرأته: واحزناه! فقال: بل واطرباه! غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه).

صنف العارفين

لا اختيار له ولا إصرار وإنما يفوض أمره إلى الله الواحد القهار. وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد.

قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: “تحفة المؤمن الموت” 1 . وقال أيضا: “من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه” قالت له أمنا عائشة رضي الله عنها: أهو الموت يا رسول الله؟ فكلنا يكره الموت، قال: “ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا دنا أجله بشر برضوان الله وجنته، فلم يكن شيءٌ أحب إليه من الموت ولقاء الله، وإذا دنا الموت من الكافر بشر بمقت الله وسخطه، فلم يكن شيء أبغض إليه من لقاء الله سبحانه وتعالى”.

وفي الحديث: “موت الفجأة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر”.

فمن أنت من هؤلاء؟

من المؤمنين المتواصين بالحق والصبر أم من العابتين الذين سيصارحهم الموت بما لا يحبون؟

فتذكر يا حبيبي! عسى أن يكون موتك بغتة!

اغتنم فضــل ركــوع *** عسى أن يكون موتك بغتة
كم صحيح مات قبل سقيم *** ذهبت نفسه النفيسة فلتة

لمثل هذا فليعمل العاملون

الحياة التي يعيشها الإنسان أربعة أقسام: قسم يقضيه آمنا في عالم الأرحام عندما يكون جنينا، وقسم في عالم الابتلاء (الحياة الدنيا)، وقسم في عالم البرزخ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، وقسم في عالم الجزاء (الآخرة) والآخرة خير وأبقى. وكل قسم أوسع من الذي قبله. ويخرج الإنسان من قسم إلى قسم عريانا! كان ضيفا طارئا قضى مديدة ومضى في الطريق!

الغاية التي يريدها كل تقي هي الفوز برضا الله تعالى والنظر لوجهه الكريم في دار الجزاء، لكن الحق سبحانه رتب هذا الفوز الكبير على إحسان السعي في دار الابتلاء، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، والإنسان بطبعه ظَلاَّمٍ لنفسه في هذه الدار، ينسى اللقاء ويخطئ العمل ويعصي الله ويتلهى بالدنيا ويسوف التوبة ويسرف على نفسه، حتى تأتيه الموت غفلة! فتنقله رغما عنه. لهذا أوصانا الحبيب الطبيب صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر الموت “أكثروا من ذكر هادم اللذات” حتى تتضح لنا الرؤية ويستقيم لنا السلوك ونكون على هدى من الله.

قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم ابن آدم ما أكلتم منها سمينا” 2 ، هذه البهائم، أما أنت فلمن تسمن جسمك؟ ألم يأتك حديثها بموت غيرك؟ ألم تزر المقابر؟ هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا، كم ملكوا وولدوا ودرجوا وظلموا وتنعموا وتكلموا!، فهل تسمع لهم اليوم صوتا أو صولة؟

فاعتبر يا عبد الله واعتبري يا أمة الله!

ولو كلمونا لكانت وصيتهم لنا بذكر الموت وتعجيل التوبة والتزود بالتقوى. ولنصحونا كما نصحنا سيدنا عيسى عليه السلام بقوله: “الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها”. ولقالوا لنا مثل ما قال أحد الحكماء لرجل من إخوانه: يا أخي، احذر الموت في هذه الدار قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده).

وهذا عبد الله بن المبارك رحمه الله فتح عينه عند الوفاة وضحك، وقال: لمثل هذا فليعمل العاملون. وهذا لا يعني الزهد في الدنيا كلية ومقاطعة الناس، وإنما جعلها طريقا للآخرة، فرصة الإعداد للحياة العظيمة الدائمة. وصرف صفوة الأوقات في صفوة الأعمال. قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: يا ابن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة، مرّ بنصيبك من الدنيا فانتظمها انتظامًا) ونختم بما كان يقوله الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في دعائه: “اللهم إني أعوذ بك من دنيا تمنع خير الآخرة، وأعوذ بك من حياة تمنع خير الممات، وأعوذ بك من أمل يمنع خير العمل” 3 .

آمين والحمد لله رب العالمين.


[1] رواه ابن أبي الدنيا والطبراني والحاكم والبيهقي رحمهم الله.\
[2] رواه البيهقي رحمه الله.\
[3] رواه ابن أبي الدنيا رحمه الله.\