ثالثا: العلم بالله جل شأنه، وهو سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [(الشورى: آية11).

استأذن ملائكة الله تعالى وأنبياءه ورسله، وأستأذن سيدنا محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأستأذن أولياء الله العارفين به أن أقتبس منهم بعض المعاني راجيا أن أكون ناقلا أمينا.

اللهم ارزقنا القرب منك والقبول في حضرتك يا رحمن، يا من بعث محمدا رحمة وجعلته بالمؤمنين رؤوفا رحيما، إذ قلت سبحانك وقولك الحق: (لَقَد جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)[التوبة: 128].

يمكن للبعض أن يدخل على باب العلم بالله تعالى من نافذة البحث العقلي في الصفات والذات وما إلى ذلك من طوارئ التاريخ على فطرة المسلمين والناس أجمعين، إذ لم يذكر أهل السير أنه صلى الله عليه وآله وسلم جلس والصحابة يسألون وهو عليه الصلاة والسلام يشرح معنى الصفات حتى تستقر معانيها في العقل ثم في القلب. ولم نجد قي القرآن والسنة أن جبريل عليه السلام جاء وجلس مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال له يا محمد تعالى أعلمك علم الله عبر بيان معنى الصفات الربانية والذات الإلهية بيانا خطابيا عقليا مجردا؛ بل ما هو مشهور وثابت أنه عليه السلام جاء والصحابة بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، في مجلس مهيب وسأل عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان وعن أشراط الساعة. والملاحظ في هذا المجلس أن جبريل يسأل والنبي الكريم سيد العارفين بالله يجيب في آداب عالية. وبعد هذا المجلس أخبر صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة بأن هذا جبريل “أتاكم يعلمكم دينكم” وفي رواية “يعلمكم معالم دينكم”. فهو مجلس تعليم للصحابة في أمر اقتضى هذه الصورة ليحصل التعليم وينقل إلى الأجيال القادمة نقلا صحيحا عسى يدرك الناس قيمة هذا التعليم الرباني الملائكي النبوي.

جاء في صحيح مسلم حديث عن ابن عمر يحكي سياق ذكره لحديث جبريل المشهور، أنقله من صحيح مسلم كما هو مكتوب فيه: “حَدَّثَنِى أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ كَهْمَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ – وَهَذَا حَدِيثُهُ – حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِى الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِىُّ فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِىُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلاَءِ فِى الْقَدَرِ فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلاً الْمَسْجِدَ فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِى أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِى سَيَكِلُ الْكَلاَمَ إِلَىَّ فَقُلْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ – وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ – وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لاَ قَدَرَ وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ. قَالَ فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّى بَرِىءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّى وَالَّذِى يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِى عَنِ الإِسْلاَمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ وَتُؤْتِىَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً. قَالَ صَدَقْتَ. قَالَ فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ فَأَخْبِرْنِى عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ « أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ». قَالَ صَدَقْتَ. قَالَ فَأَخْبِرْنِى عَنِ الإِحْسَانِ. قَالَ « أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ». قَالَ فَأَخْبِرْنِى عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ « مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ». قَالَ فَأَخْبِرْنِى عَنْ أَمَارَتِهَا. قَالَ « أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِى الْبُنْيَانِ ». قَالَ ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِى « يَا عُمَرُ أَتَدْرِى مَنِ السَّائِلُ ». قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ « فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ».

إن هذا المجلس الرباني الملائكي النبوي ليبين ما هو الدين الذي يجب أن تكون الدعوة إليه وما هي مصادره ووسائله. (لنا عودة لتدبر هذا المجلس، إن شاء الله تعالى).

من المشهور عند المسلمين الحالات التي كان يتلقى فيها سيدنا رسول الله الوحي عن جبريل عليه السلام عن ربه عز وجل؛ فقد تلقى القرآن الكريم منجما لحكم تكلم عنها العلماء، لكن الذي يهم هنا هو الإشارة إلى أمر عظيم حجب بسبب البحوث العلمية العقلية التي كانت ضرورية ومازالت. هذا الأمر يكمن في كونه صلى الله عليه وآله وسلم ما تلقى المعنى الكلي للقرآن الكريم منجما، كان صلى الله عليه وسلم قد جمع له ذلك في صدره وقلبه. ذلك القلب الذي تخبرنا السيرة النبوية أن الملائكة نزلت من السماء إلى الأرض إكراما له صلى الله عليه وسلم وقامت بما قامت به في ذلك الصدر الطاهر والقلب الشريف النقي؛ قلب سيد المحسنين وكفى.

كان صلى الله عليه وسلم قرآنا يمشي بين الناس، وكان خلقه القرآن، وقال فيه ربه سبحانه وتعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم الآية 4] .

هذا المعنى الكلي للقرآن الكريم المتجسد واقعا في شخصه صلوات الله عليه وسلامه هو مصدر النور النبوي، هو كلي البعثة وحقيقة الحقيقة المحمدية.

يا باحثين عن عبقرية محمد، ويا راجين معرفته من خلال البحث العقلي المجرد في سيرته الطاهرة المطهرة، إنما هو صلى الله عليه وآله وسلم هذا القرآن العظيم؛ (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً)[الإسراء الآية 9] المنزل على قلب رسول الله. ولذلك، فالطريق إليه أن يرتبط القلب بالقلب ويأتي دور العقل بما هو حكمة ونور مبني على هذه العلاقة القلبية التي يسميها أهل المعرفة والعلم بالله: الصحبة. أليس منكم من رأى من رأى، من رأى؟ ذلك أن حقائق الإيمان تنقل بالحال الذي عليه الداعي الناقل الذي رأى للذي يراه ثم لمن سيرى من رآه. وهوما جعل العارفين بالله، في زخم الفتنة العارمة، يفرون بهذا الأمر العظيم ويحرصون عليه أيما حرص حيث أصل الدين ومصدر تعلم الإيمان والشوق إلى الرحمن.

فالعلم بالله تعالى يأخذ معنيين:

المعنى الأول: أن يتنور القلب بنور الوحي ونور النبوة، فيدرك ما شاء الله تعالى من حقائق التوحيد والربوبية والألوهية وحقائق الصفات الإلهية وأنوارها وتجلي كل ذلك في حال وسلوكات الداعي إلى الله حيث يبعثه ذلك على الشعور بالواجب الإلهي في الدعوة إليه، لا إلى فهمه هو للدين والعقيدة. وبهذا يصير عقل الداعي حكمة ونورا موافقا لقدر الله ومقاصده من شرعه وكونه وهو يتعامل مع قضايا الناس ومستجداتها الخاصة والعامة ويرجح بين المصالح والمصالح، وبين المصالح والمفاسد، وبين المفاسد والمفاسد، وما إلى ذلك مما يحتاج إلى نور الحكمة التي وصفها الإمام مالك بأنها مسحة ملك على قلب المؤمن. وهو ما يجعل النظر في آيات الله النفسية والكونية تعبدا واعتبارا واستدلالا على الله الحكيم الخبير العليم سبحانه.

المعنى الثاني: وهو من المعاني المتضمنة في قوله تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ فاطر الآية 2]). حيث الله تبارك وتعالى يتفضل على عباده بسابق عنايته بما شاء من معرفته والعلم به سبحانه فيغمرهم بمعارفه وأنواره لاستجابتهم الكاملة لسيد الأولين والآخرين سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كانوا ممن (إِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة الآية 83]).

في الحلقة القادمة، إن شاء الله تعالى، وقبل الحديث عن طريق تحصيل هذا العلم، نتحدث بحول الله تعالى، عن معنى العلم بالإنسان، حتى تكتمل الصورة لفقه الدعوة إلى الله جل جلاله، ثم نعرج على مقاصد هذا الفقه وقواعده الكلية في التنزيل.

والله من وراء القصد سبحانه وهو يهدي السبيل.