وأخيرا نزلت المعارضة اللبنانية إلى الشارع للاحتكام إلى الشعب صاحب السيادة الحقيقي بعد وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، و بعد فشل كل محاولات التسوية، خاصة بعد انسحاب وزراء المعارضة الذي زاد الوضع تفاقما ووضع لبنان دولة ومجتمعا في مأزق دستوري وسياسي. وضع عجيب غريب في عمومياته وتفاصيله!!. حكومة ترى أنها صاحبة شرعية لأنها وصلت عن طريق صناديق الاقتراع، وبالتالي فهي شعبية وشرعية، ولا يمكن أن تنحيها عن السلطة إلا نفس الصناديق التي جاءت بها، ومعارضة ترى بأن هذه الحكومة افتقدت الشرعية بعد أن رهنت قرارها السياسي بالأجنبي، وتنازلت عن استقلال البلد وسيادته لصالح السفارتين الأمريكية والفرنسية في بيروت.

وكيفما كان تقييمنا لمواقف وخيارات هذا الطرف أو ذاك، أو تقييمنا لأجندة هذه الجهة أو تلك، وعلاقتها بالوضع الإقليمي والاستراتيجيات الدولية المؤطرة بـ”خطة الشرق الأوسط الكبير” تبقى الحالة اللبنانية حالة جديرة بالمتابعة والتأمل باعتبارها تجربة ديمقراطية رائدة واستثنائية في نفس الآن. فالتعدد الطائفي والديني والمذهبي والسياسي على شدة حساسيته، وتناقض فصائله ، والذي يمكن أن يفجر أي بلد ويؤدي به إلى حرب أهلية دموية، لم يخرج في لبنان- ونتمنى أن لا يخرج- عن الإطار السلمي. وظل الاختلاف تحت مظلة الوحدة الوطنية كخيار مقدس وخط أحمر لا يمكن لأحد أن يتجاوزه، هذه قاعدة ذهبية استخلصها الجميع من سنوات الحرب بعد محنة إنسانية مريرة رسخت قناعة: أن لا أحد مهما بلغت قوته في الشارع فعليا أو رمزيا يمكن أن ينفرد بالقرار أو بالسلطة، وهذه أيضا واحدة من غرائب لبنان: سلطة موزعة بين الرؤساء الثلاثة (لحود – بري – السنيورة) وسيادة للشعب إذا وقع التنازع يتم الاحتكام إليه ليقول كلمته التي تعتبر فيصلا بين الأطراف. الثابت إذن في سابقة إسقاط حكومة (كرامي) وفي هذه التجربة وأيضا في مواقف أخرى هو حضور الشعب وحياته، وجوده ومسؤوليته، ومشاركته في اتخاذ القرارات المصيرية . وأسأل متى سيكون للشعب المغربي حضوره في رسم السياسات وحسم القرارات؟ مبعث سؤالي هو هذه اليقظة التي تتمتع بها الشعوب، هذه الدينامية وهذا الحضور اللافت في كل المحطات، وبالمقابل هذا الغياب، وهذه الغيبوبة التي جذرتها فينا سياسة المخزن وثقافته وتربيته حتى صار الشعب في”دار غفلون”- إن لم يكن أكثر- صار شاهد زور على مهازل المخزن وحماقاته، فبعد نصف قرن من التغييب الممنهج، والسطو على سيادة الشعب وإرادته بتزوير الانتخابات و شراء الضمائر، أو بالزنازين والمقابر، وتنصيب حكومات إدارية، وبرلمانات صورية مفصلة، ودساتير ممنوحة… يطلب من الشعب المشاركة والانخراط في مسلسل الانتقال الديمقراطي في إطار دولة الحق والقانون ويا ليتهم صدقوا فلا حق ولا قانون ولا انتقال ديمقراطي ولا يحزنون!!!

.. فحملات التزوير مستمرة، وإن كان يراد لنا أن نصدق محاكمات أو متابعات هنا وهناك بعنوان محاربة التزوير الانتخابي وشراء الأصوات. ويتناسى المخزن وأذنابه القدامى والجدد أن أكبر تزوير هو تزوير إرادة الشعب بتغييب وإقصاء أطرافه الفاعلة والحقيقية والإبقاء على سماسرة السياسة ومقاولي الانتخابات المرتزقة الذين يساهمون وساهموا في أكبر عملية لشل إرادة الشعب، ففي كل مرحلة يشارف فيها المخزن على الموت يسرع هؤلاء لإنقاذه وتلميع واجهته وتسويق بضاعته وستر عوراته، وينحازون إليه ويموهون على الشعب المفقر الأمي المهمش “شعب الورقة اللاغية” الذي يقاطع ما استطاع أو يشارك بداعي الحاجة أو الخشية لا تعبيرا عن إرادته واختياره وحريته. فمتى ينحاز هؤلاء إلى الشعب ويطالبون بسيادته وحقه في دستور يشارك في صياغة بنوده وفي اختيار حكومة حقيقية مسؤولة أمام الشعب الذي نصبها وأمام نوابه الذين يراقبون أداءها بعد أن اختارهم بوضوح وشفافية. الشفافية والوضوح تفرضان علينا كنخب ومثقفين وسياسيين أن نعي أن المغرب على مفترق طرق وأن نتحمل مسؤوليتنا أمام الله وأمام التاريخ وأمام الأجيال القادمة وإلا فشئنا أو أبينا فمنطق الأحداث وتجارب التاريخ تؤكد أن الشعب حتما سينتفض ليسترد السيادة قبل السلطة، كما فعلتها شعوب أخرى قبله، وحينئذ تسقط كل الأقنعة وتدق ساعة الحقيقة.