الشباب عدّة حاضر الأمة لمستقبلها، واجب عليهم أن ينخرطوا في عمل تغيير ما بها من الهوان فإذا هم لم يفعلوا ضاع الحاضر منها وتلاشى المستقبل في أفْقها…

التغيير مصطلح قرآني وردت به آيات ربنا الحكيم في مثل قوله تعالى: إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ظاهر الآية قانون التغيير كيف يبنى الأول منه على الآخر، لا يكون تغيير واقع بئيس سياسة مفلس اقتصادا كسيح اجتماعا تابع ذليل معرفة وثقافة… إلى واقع عز وسؤدد ووحدة ووجاهة وظهور ونصر وسبق وريادة… حتى يكون مبدأَ الحركة تزكيةُ النفس ومحطَّ التهمّم إقامتُها على سواء النهج: بتوجيهها إلى معرفة خالقها وإقامتها على سبيل السلوك إليه، وتطهيرها من الرعونات وتصفيتها من النقائص وتخليتها من كل المعايب ثم تحليتها بكل ما حسن واستقام من الأخلاق والمناقب.

وفي ثنايا الآية حضّ للهمم على طلب تلك المعالي واستنهاض للإرادات إلى مكابدة ذلك التغيير.

ولعلّ أن يكون حظّ الشباب في جهد التغيير وافرا وأن يكون نصيبهم من الحض والاستنهاض وافيا فتخصيص الشباب بالذكر والقوة، والعلم والجهاد والفاعلية والفتوة بيّن في كتاب الله وسيرة النبيّ عليه السلام متكرّر، بدليل من مثل قوله تعالى سمعنا فتى يذكرهم في سياق الثناء على سيدنا إبراهيم عليه السلام وفعله المعظّم الذي فعل بأصنام القوم الكافرين، وقوله عزّ مِن قائل: إنهم فتية ءامنوا بربهم وزدناهم هدى، ومن السيرة المطهرة:

عن‏ ‏مالك بن الحويرث‏ ‏قال: “‏قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ‏ونحن شببة فلبثنا عنده نحوا من عشرين ليلة وكان النبي ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏رحيما فقال:‏ ‏لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم مروهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم”.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: “أنه كان إذا رأى الشباب قال: مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نوسع لكم في المجلس وأن نفهمكم الحديث فإنكم خلوفنا وأهل الحديث بعدنا..”.

عن عبيد الله بن أبي العيزار قال: “كان عبد الله بن مسعود إذا رأى الشباب يطلبون العلم قال: مرحباً بكم ينابيع الحكمة ومصابيح الظلمة خلقان الثياب جدد القلوب”.

عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر:” من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، أمّا المشيخة فثبتوا تحت الرايات وأمّا الشباب فتسارعوا إلى القتل والغنائم.. الحديث”.

عن‏ سيدنا ‏علي كرّم الله وجهه ‏قال:” ‏تقدم -‏يعني‏ ‏عتبة بن ربيعة- “أي يوم بدر” ‏وتبعه ‏ابنه ‏وأخوه‏ ‏فنادى: من يبارز؟ ‏ ‏فانتدب ‏له شباب من‏ ‏الأنصار‏ ‏فقال: من أنتم؟ فأخبروه. فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنّما أردنا بني عمّنا..”.

عن‏ ‏أبي إسحق ‏قال:” “‏قال رجل ‏للبراء: ‏يا‏ ‏أبا عمارة،‏ ‏أفررتم يوم ‏حنين؟،‏ ‏قال: لا والله ما‏ ‏ولّى ‏رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم،‏ ‏ولكنه خرج شبان أصحابه ‏وأخفاؤهم ‏حُسّرا ‏ليس عليهم سلاح ‏أو كثير سلاح ‏ ‏فلقوا قوما رماة… وذكر الحديث”.‏

وقد يرى بعض الناس سنّ الشباب مدّة نزوات تصرف قوته في مراودتها، ومرتع شهوات يطوى مداه في إشباعها، ويراه نهزة للإغراق في ملذات الدنيا الدنيّة يجدر اقتناصها قبل انصرام أمدها، فهذا لعمرك رأي من سقطت همّته وتردّت في الحضيض طلبته وكان الجهل نعته والخرْق صفته، فهو يروم يوجّه شبابنا وجهة الضيعة ويدلهم على منازل الهلكة ويستحثهم إلى مواطن الخسران والبوار، وإنما الحق كما قال الشاعر:

قم للمكارم فاستكمل فضائلها *** فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

فإنه إذا سقط الشاب وسقطت الشابة في الرذائل من الأمور واستحلتها أنفسهما ورضيا بها، وإذا هما ركنا إلى الشهوات فأمضيا في مجاراتها وقتهما فقد حادا عن الصراط السوي ورزئت فيهما الأمة وعظم فيهما مصابها.

إنما الشباب وديعة من الله أودعها لديك وأوجب عليك حفظها، وأمانة استأمنك إياها لترعاها، وإنما هو نعمة منّ عليك بها ليرى كيف تعمل فيها، ثم يوم القيامة يسألك عنها ليجزيك أجر ما حفظت منها جزاء الكرامة والحسنى… بذا بشّر سيد الخلق خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام. وفي ذا رغّب وعليه حثّ وإليه وجّه القلوب والعقول ونبّه وعلّم:

عن ‏ابن عمر‏ ‏عن‏ ‏ابن مسعود عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال: “لا تزول قدم ابن ‏آدم‏ ‏يوم القيامة من عند ربّه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم ‏أفناه،‏ ‏وعن شبابه فيم أبلاه، ‏وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم”.

‏ ‏وعن‏ ‏حفص بن عاصم‏ ‏عن ‏أبي هريرة ‏عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏قال: “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربّه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل‏ ‏طلبته‏ ‏امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدّق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ‏ ‏ففاضت ‏‏عيناه”.

إن تغيير ما بالنفس مفتاحَ التغيير الأكمل الأتم وتزكيتَها لهو مرمى عليُّ يجدر بشبابنا الأكرمين توجيه نظرهم صوبه، و مطلب رفيع نهيب بهم تصعيد طرفهم نحوه، ثم لْيجدّوا في سلوك سبيله وحثّ السير إلى بلوغه والتحقق به، لكن لا شيء من ذلك يتأتّى بينما أوقاتنا سائبة لا تنضبط لضابط وأزِمّة أعمارنا منفلت من قبضة أيدينا لا وجهة لها ولا نكاد نستطيع لها توجيها.

إنما مدخل تغيير ما بالنفس من العلل والأمراض المقعدة أن يأخذ الشاب بتلابيب نفسه وتأخذ الشابة بتلابيب نفسها فيخرجانها بالرفق اللازم والتدرج الحازم من زمن التسيب والانفلات والغفلة عن الله وتضييع الأوقات، ويدخلانها في زمن الحضور مع الله والمحافظة على الأوقات بوسيلة صحبة الأخيار و لزوم ذكرالله مع الإكثار. ذلك أن الزمن أوقات وقَّتها الله سبحانه فخصَّ كل وقت منها بما شاء من بركات ونفحات. فقد قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم(الحديث) وعلّق بكل منها عملا هو روحها والباب إلى أسرارها الذي منه تطلب بركاتها ونفحاتها وهو لا يستقيم ولا يأتي على مقام الكمال إلا أن يندرج فيها، فمن ذلك كان وقت الصلاة للصلاة لا لغيره، قال الله جلّ جلاله إن الصلاة كانت على المومنين كتابا موقوتا، ووقت موقوت للاستغفار والتسبيح ووقت مخصوص للتهجد ووقت للقرءان تلاوة وتدبرا واستماعا وحفظا….

ثم أوقات مفصّلة للفكر والتفكّر وطلب العلم ودراسة العلوم، وأوقات للتزاور والتذاكر والتباذل، وأوقات للرياضة والسياحة، وأخرى للوالدين والأزواج والأسرة، وأوقات لما يتاح من المناسبات المختلفات، وأوقات وأوقات…

فإعمار الأوقات كلٍّ منها بما ينبغي فيه من الأعمال وما يناسبه من الأشغال فذاك معنى أن تحافظ عليها، و به تجتنى ثمارها وتؤمّل نفحاتها و تلتمس بركاتها…

فهذه مفاتيح الانضباط و ضوابطه، و بهذا تكون نقلة العبد من زمن الفوضى إلى زمن النظام والقصد، لا أن نترك أوقاتنا نهبا يسرقها العبث وتعبث بها عادات اللهو واللعب.

ثم إنه لا بد لشبابنا أن يعلموا ويعوا أن لا نفع يأتي من السعي في مهمّات الدنيا إن لم يندرج في سلك السعي لفلاح الآخرة، بل إنه لا يستقيم و لا يرجى سداده إلا أن يأتي من قبله وجهته منقادا له انقياد الصاحب للمصحوب في علم التربية، تابعا له تبع النعت للمنعوت في فن نحو اللغة. فالعمل للآخرة في النسبة إلى العمل للدنيا هو كالقائد له والدليل يقوده فيدلّه على مسالك الطريق فيشقّ له بين انعراجاتها واعوجاجاتها سبيلا سويّا، كدلالة البصير للأعمى يقيه العثرات ويجنّبه المساقط.

و هو ما دلّنا على العلم به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “من كانت الآخرةُ همَّه جعل الله غِناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقرَه بينَ عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له” 1 .

ومقتضاه تغليب همّ الآخرة على همّ الدنيا وتسبيقه في مستقر النفس حتى يجري عمل العقل والجوارح على قانونه. فبهذا يصلح شأنهما كليهما. فإذا كان صلاح الدنيا مبلغَ الهمّ و صار عمل الآخرة إلى التضييع والإهمال وقع الفساد فيهما معا فيأتي سعي الدنيا على مقتضى الخيبة مع الفوت، و تأتي ثمرة الآخرة على مقتضى الحسرة والندم والخسران في دار المنقلب أعاذنا الله بمنّه وكرمه، وهو ما نربأ بشبابنا الأخيار أن يكون حالَهم ونتوسّل إلى العلي المقتدر في حفظهم وهدايتهم.

فإذا استوعب شبابنا هذه المعاني و تحققوا بها فاطمئنّ إلى أن سيرهم إلى منزلة اكتمال الرجولة ونضجها عند حلول إبّانه خليق لهم جدير حقيق. فإنما مثل تشييد مراحل العمر بعضها على بعض وتماسكها وتعاضدها بنيانا فوق أساس هو كمثل بناء درجات الدين من إسلام إلى إيمان فإحسان، لا يدرك أعلاها إلا بحسم وتثبيت التي هي دونها، وهو في المعنى أيضا كما قال سادتنا أرباب القلوب الحكيمة: من صحّت بدايته أشرقت نهايته)، فأنت إذا أصلحت من شأن شبابك فسوّيته على نهج السّداد يلح في أفقك رشاد كهولتك فشيخوختك وانجماعهما على معقد الاستقامة وعروة الاهتداء.

ثم هاؤم إخوتي شبابَ زمن التغيير والتحوّل الحميد فأمعنوا التأمل في أمثلة من نماذج من سبقونا بإيمان وعلم وزكاة نستخلص منها عبرة نفيدها وقدوة نحذوها علّنا ترتفع هممنا إلى بلوغ ما بلغوا من علوّ الشأو ورفعة القدر:

فهذا سيدنا زيد بن ثابت رضي الله عنه أسلم وعمره عشرة أعوام، وعلّمه النبي صلى الله عليه وسلّم القرآن وعمره اثنتا عشر عاماً، ثم تعلّم العبرية وعمره أربعة عشر عاماً، فأصبح مترجم النبي عليه السلام وعمره ستة عشر عاماً، ثم صار من كتبة الوحي بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام وعمره سبعة عشر عاماً، ثم كان بعدها من أهل العلم بالمواريث و”مرجعا” فيه وعمره تسعة عشر عاماً، وجمع القرآن وعمره إحدى وعشرون سنة.

وها هو ذا سيدنا أسامة بن زيد رضي الله عنهما يقود جيش المسلمين وعمره ستة عشرعاماً، وفي الجيش أبو بكر وعمر وكبار الصحابة، يؤمّهم إلى قتال الروم وهم كانوا أعظم إمبراطورية في ذلك الزمان، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إمارته: والله إنه لخليق بها. فقاد الجيش وانتصر، وقالوا: والله ما غنم جيش كما غنم أسامة، ولم يقتل أو يؤسر أحد من المسلمين.

وسيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه أسلم وله من العمر ثلاثون عاماً، ومات وله سبع وثلاثون عاماً، عاش في الإسلام سبع سنوات، اهتز لموته عرش الرحمن ونزل سبعون ألف ملك يحضرون تشييعه.

ثم انظروا رحمكم الله في مثال هذا الشاب العالم الطيب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي إذا اختلف كهولهم في شيء من أمر الدين ردّوه إليه ورجعوا فيه إلى رأيه:

عن ‏أبي مسلم الخولاني‏ ‏قال: “أَتَيْتُ مَسْجِدَ أَهْلِ دِمَشْقَ، فَإِذَا حَلْقَةٌ فِيهَا كُهُولٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِذَا شَابٌّ فِيهِمْ أَكْحَلُ الْعَيْنِ بَرَّاقُ الثَّنَايَا كُلَّمَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إِلَى الْفَتَى، فَتًى شَابٌّ، قَالَ: قُلْتُ لِجَلِيسٍ لِي: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَالَ: فَجِئْتُ مِنَ الْعَشِيِّ فَلَمْ يَحْضُرُوا. قَالَ: فَغَدَوْتُ مِنَ الْغَدِ. قَالَ: فَلَمْ يَجِيئُوا فَرُحْتُ فَإِذَا أَنَا بِالشَّابِّ يُصَلِّي إِلَى سَارِيَةٍ، فَرَكَعْتُ، ثُمَّ تَحَوَّلْتُ إِلَيْهِ. قَالَ: فَسَلَّمَ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: إِنِّي لَأُحِبُّكَ فِي اللَّهِ. قَالَ: فَمَدَّنِي إِلَيْهِ. قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قُلْتُ: إِنِّي لَأُحِبُّكَ فِي اللَّهِ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ. قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى لَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَذَكَرْتُ لَهُ حَدِيثَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ يَقُولُ: حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ”.

اللهم اجعلنا وشبابنا ذخرا لأمة المصطفى صلى الله عليه وسلم. اللهم آمين.


[1] رواه الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه.\