ظهر مفهوم الموارد البشرية بقوة على مستوى الماكرو -اقتصادي والميكرو- اقتصادي منذ عقد الستينيات من القرن الماضي ليؤكد تصاعد دور الإنسان في العملية الاقتصادية وفي البرامج التنموية المتبعة في معظم البلدان المتقدمة اقتصاديا. ومنذ ذلك الوقت، تم تداول هذا المفهوم بشكل كبير في الأوساط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية. من الأكيد أن مفهوم الموارد البشرية يترجم مرجعية فلسفية أكثر منه إشارة إلى ما أصبح يبرز بقوة. فإذا كانت المرجعيات المختلفة تتقاسم حاليا، ولو على المستوى النظري، فكرة محورية العنصر البشري في البرامج التنموية، فإن نظرتها الفلسفية له قد تختلف كثيرا أو قليلا. وبصفة عامة، كثير من المفاهيم المستعملة هي تعبيرات عن توجهات فلسفية.

تنقل دور الفرد داخل المقاولة في العصور الحديثة بالمجتمعات الغربية بمراحل معينة كبرى. فمن الإنسان الذي يعتبر يدا عاملة إلى الإنسان الذي ينظر إليه كرأسمال. إن صفة اليد العاملة ترتبط بنظرة مميزة للأفراد أثناء قيام الصناعة الحديثة. من أهمها الوفرة الكبيرة للعمال واعتبار اليد العاملة ككلفة وهيمنة الآلة على العامل التابع لها. عرفت سنوات الستينيات من القرن السابق ظهور مفهوم الرأسمال البشري الذي يمنح للإنسان دورا متقدما كعاملا محددا للنمو الاقتصادي ينبغي تطويره وكمتغير يجب أن يخضع للتحليل الاقتصادي الذي يقارن بين التكاليف والأرباح. بعد ذلك عرف مفهوم الموارد البشرية البروز واستعمل بشكل واسع في الدوائر الإدارية ليركز على الجوانب السلوكية والقواعد التدبيرية والتنظيمية لتحقيق المردودية العالية.

منذ العقد الثالث من القرن الماضي، ظهرت النظريات الإدارية، في المجتمعات الغربية، التي تهتم بالأبعاد الإنسانية في المنظمات وجوابا عن الانتقادات التي صبت بغزارة على النماذج الإدارية الكلاسيكية. فالتيلورية والفوردية والبيروقراطية…كلها نظريات إدارية أوكلت للفرد أدوارا هامشية لصالح القواعد التنظيمية “العلمية”. أما نظريات إلثون مايو والاتجاه السيكولوجي ونظريات التحفيز الحديثة والمدرسة الثقافية…فإنها أعادت الاهتمام إلى الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والمكونات غير الرسمية للتنظيمات. ففي إطار هذه الحركات أخذت المفاهيم التي تتعلق بالأدوار الجديدة الموسعة للفرد تروج وتتداول بكثرة تعبيرا عن توجه يمنح مكانة عالية للعوامل الإنسانية داخل المنظمات.

وبالتالي لم يعد الفرد يعتبر يدا عاملة وإنما أصبح موردا، إن لم نقل المورد الاستراتيجي الأساسي. هذا المفهوم يقوم على “فكرة أن الأفراد يمثلون إسهاما، في آن واحد عبارة عن طاقة، ونفسيا، ومعلوماتيا أساسيا للمنظمة”(1). إذن أصبح ينظر إلى الفرد داخل المقاولة باعتباره جهدا جسديا أو يدويا وكذلك عاملا حيويا ومصدرا للمبادرة وللإبداع وللابتكار ولعلاقات إنسانية بناءة. يظهر لنا من خلال الأفكار السابقة أن المفهوم الجديد للموارد البشرية يحمل في طياته نظرة إيجابية للإنسان داخل المقاولة أو صورة تفاؤلية عنه بالمقارنة مع التصور الكلاسيكي. إلا أن هذا التعبير لم يغادر فكرة أن “المنظمة وظفت الأفراد من أجل أن يشكلوا أدوات في خدمتها”(2). نعم إن الجانب الإيجابي في هذا المفهوم يتمثل في كونه يترجم الاهتمامات بأبعاد كانت غائبة في النماذج الإدارية السابقة كالعلاقات الإنسانية، والعلاقات الاجتماعية، والثقافة، والتحفيز المعنوي، والتواصل، والتبادل، وإزالة الحواجز التراتبية داخل المنظمات، وتطوير الكفاءات، إلا أن ما يقف وراء هذه التغييرات الكبرى يثير الشكوك حول مدى نجاحها ومدى انسجامها مع الضوابط الأخلاقية. إنه لمن الخطورة أن يتم البحث في أغوار النفس الإنسانية لاكتشاف مكامنها بقصد التأثير على مكوناتها بهدف تحقيق غايات المقاولة أو المنظمة. فقد يتم استغلال النتائج المتوصل إليها بشكل سلبي يؤذي الأفراد في مكنونهم النفسي.

في نفس السياق، أثارت عالمة الاجتماع مدلين كغافيتز الانتباه إلى خطورة استعمال مقاربة تدبير الموارد البشرية. نعرض بإيجاز لطرحها الرافض لهذا المفهوم : “يعني التدبير، حسب المفهوم الأمريكي، التدخل أو الاستراتيجية للوصول إلى هدف محدد بفعالية عالية. ويعني المورد القدرات الفردية أو القدرة على إيجاد الحلول في أوضاع مختلفة ولو كانت غير متوقعة. وإذا كان تايلور اهتم بالحركات فان الأمر خطير بالنسبة للموارد البشرية لأنه يهتم بالشخصية في كليتها. إن فكرة إدارة هذه الأخيرة مع كل ما توحي إليه من استعمال سلبي واستغلال تشكل أمرا غير مقبول. ويضاف إلى التأثير الأمريكي التأثير الياباني : يجب للعامل أن يوجد من اجل المقاولة ومن خلالها”(3).

وتتفق كغافيتز مدلين مع الكاتبين ويلز وكيغان حول فكرة أن الأهداف الاقتصادية المحضة هي التي تقف وراء تطور عناصر مقاربة تدبير الموارد البشرية. فدور مديري الموارد البشرية هو استغلال الأفراد العاملين بداخل المقاولة للحصول على الهدف التالي : أقصى حد من الربح. وترى النقابات الكندية أن علاقات القوة بالمقاولات لم تتغير، بل التغيير لمس فقط المصطلحات(4). وهناك من يرى أن طغيان مصلحة المقاولة على طموحات ورغبات الأفراد تقف وراء هذا التطور. فالتغيير ما هو إلا شكلي ويبقى التوجه الاقتصادي للتطورات في الإجراءات والتدابير والممارسات التدبيرية ساري المفعول. حسب هورويتز، إن إيديولوجية الموارد البشرية التي تبحث لكسب القلوب والعقول تطرح سؤالا حول الأخلاق ومشروعية القيم المفروضة والتجانس وحقوق العاملين والديمقراطية الصناعية(5).

يمكن أن نستنتج من خلال هذه الأفكار، أن مصطلح الموارد البشرية هو تعبير عن إيديولوجية أكثر منه تطور في التقنيات الحديثة للتدبير. وبلغة أقوى، فهو تعبير عن فلسفة للتعامل مع الأفراد وليس فقط تدابير وتقنيات محايدة.

وعليه فان الاقتصاد الإسلامي يتطلب منه أن يعمل على صياغة مفهومه المناسب على مستوى التدبير المنسجم مع روحه وفلسفته. فالمفاهيم هي بدورها تنتج المعاني التي قد تؤثر على سلوكيات الأفراد. فمثلا التداول المكثف للحرب الاقتصادية في مدرسة للاقتصاد والتدبير قد يغرس في المتدربين قيم المواجهة والاستغلال واستعمال أساليب خبيثة للقضاء على المنافسة، الخ. وقد انتبهت المدرسة الأمريكية H.B.S. لهذا الأمر بحيث ارتأت ضرورة دمج الضوابط الأخلاقية في البرامج التعليمية. ويشكل المؤلف المعنون بـ”تعليم الأخلاق؟ مدرسة الأعمال هارفارد ترفع التحدي” إرادة لإدماج المتغيرات الأخلاقية بقصد تدريب المتخرجين على السلوك الإداري المتوازن أو الأخلاقي. في نفس الكتاب يعتبر دالوز بارك أن المصطلحات والصور والأشكال هي بدورها تساهم في إنتاج القيم والمعاني للأشياء، وبالتالي يفضل عدم اللجوء إلى استعمال المصطلحات التي قد تساهم في صناعة المعاني السلبية. وعلى سبيل المثال : الحرب الصناعية، الأعمال كلعب، سلاح التسويق…

وهناك من المفكرين الإسلاميين من يرى أنه لا حرج في استعمال مصطلح الموارد البشرية. كالدكتور ج. محمد أحمد عبده. هذا الأخير يستند إلى التعريف اللغوي قائلا: “المورد، من مادة ورد، والورد الإشراف على الماء وغيره دخله أم لم يدخله كالتورد والاستيراد، وتعني كذاك الجزء من القرآن، أو القطيع من الطير أو الجيش، وتعني النصيب من الماء، كما تعني القوم يردون الماء كالواردة، وواردة تعني ورد معه، والموردة تعني مأتاة الماء أو الجادة، وأورده تعني أحضره المورد كاستورده”(6). ويستنتج محمد أحمد عبده” وبذا فان المورد هو مصدر الماء، أو المكان الذي يوجد فيه الماء ، أو أنها الطريق إلى ذلك ، وبما أنه كان يتعلق بالماء سابقا لأن فيه نفعا للإنسان ، فإنه يمكن أن يتعلق بكل ما فيه النفع ، ماء كان أو غيره من الأمور النافعة للإنسان، ومثل ذلك البشر أنفسهم. فالمورد البشري إذن هو كل إنسان يكون مصدرا للنفع، أو طريقا إليه، أو يمكن له أن يكون كذلك” . ويشمل المفهوم، الذي يأخذ به الكاتب صاحب هذه الفقرات، جميع أفراد المجتمع بلا استثناء. فهو، بصيغة أخرى، لا يقتصر على فئة اجتماعية أو ديمغرافية معينة. فجميع الأفراد يعتبرون موارد بشرية، منهم من هي موارد كامنة، ومنهم من هي موارد فاعلة، وكل فرد يأخذ دورين في حياته.(7)

لم يكن للاقتصاد الإسلامي أن يقع في نفس الأخطاء نظرا للجوئه إلى مصطلحات أصيلة، صاغتها عقول متشربة لقيم ولأخلاق ولفضائل سامية. فعندما يتحدث ابن خلدون عن العمران فإنما يقتبس هذا المفهوم من القران. حيث نقرا في المصحف الكريم: (هو أنشاكم من الأرض واستعمركم فيها) (هود، 61 ). وهناك من يضيف خاصية الأخوة للعمران فيقول بالعمران الأخوي. ومن خصائص الاقتصاد الإسلامي، كما يرى يوسف القرضاوي، انه رباني، وأخلاقي ، وإنساني، ووسطي.

اقتصاد رباني، “لأن منطلقاته من الله، وغاياته إلى الله، ووسائله لا تحيد عن شرع الله”.

اقتصاد أخلاقي، لان الإسلام “لا يجيز أبدا تقديم الأغراض الاقتصادية على رعاية المثل والفضائل”.

اقتصاد إنساني، “فغاية الاقتصاد الإسلامي وهدفه : تحقيق الحياة الطيبة  بكل مقوماتها وعناصرها- للإنسان: الإنسان في كل مراحل حياته، من الطفولة إلى الشيخوخة، وفي كل ظروف حياته من صحة وسقم،، ومن ضعف وقوة، ومن عسر ويسر الإنسان فردا والإنسان مجتمعا”.

اقتصاد وسطي، “الوسطية المعتدلة التي ميز الله بها هذه الأمة (وكذلك جعلناكم امة وسطا)”.(8)

إذن، لا يمكن القبول بمفاهيم تعبر عن توجهات فكرية تتضارب مع الخصائص السامية المميزة للاقتصاد الإسلامي. ومن العلماء البارزين الذين أغنوا الخزانة الإسلامية بأفكار ومفاهيم أصيلة العلامة محمد الغزالي. استعمل الغزالي مفهوم الطاقات الإنسانية عوض الموارد الإنسانية. فعنون كتابه الذي ألفه سنة 1983م ب”الإسلام والطاقات المعطلة”. حيث قدم فيه مقاربة إسلامية لموضوع الإنسان بهدف معالجة المشاكل المرتبطة بالجمود والتأخر والفتور الذي تعيشه الأمة الإسلامية. هذا الإنسان يرى فيه الغزالي “خلقا مكرما بما أودع في بنائه المعنوي من خصائص وأسرار…خلقا إذا ما بلغ نماءه الصحيح كما تنمو الشجرة من بذرتها السوية فاق الملائكة وحلق في الملا الأعلى”(9).

إن المفهوم، بصفة عامة، يوضح المقاصد ويرسم المسار للممارسة. فمن قاموس الإسلام يجب للباحث الاقتصادي الإسلامي أن يتكلم وأن يخاطب بلغة أصيلة، تترجم توجه الاقتصاد الإسلامي وخصائصه – الربانية، الأخلاقية، الإنسانية، الوسطية-. يتسرب مع قنوات جهاز المفاهيم الغربية معاني وأطر للتفكير وأساليب للحياة مغايرة لروح الإسلام ومقتضياته. كما أن أذن العامل المسلم مفتوحة على مصراعيها للإنصات لكلام الوحي وللمفاهيم الإسلامية الأصيلة أكثر منه بكثير للمفاهيم الجافة والتي نبتت في تربة غير تربة الوحي. فكيف ببرامج تنموية أن تحرك فيه الدوافع الايجابية للقيام بالمهام الكبرى المنتظرة منه وهي تستنشق هواء وتستطعم طعاما وتشرب ماء من غير هوائه وطعامه وشرابه؟

——————————

(1) André Brassard. 1996. Conception de l organisation et de la gestion. Editions nouvelles. Canada. P. 170 .

(2) ibid,

(3) M. Grawitz. 1996. Méthodes des sciences sociales. Dalloz Delta. 10 édition. P.780

(4) Ibid.

(5) G. Guérin et T. Wils. 1992. Gestion des Ressources Humaines : du modèle traditionnel au modèle renouvelé. P.U.M. p. 229.

Ibid,

(6) الفيروزابادي. انظر ج. محمد احمد عبده. 1404ه-1984م. دور المنهج الإسلامي في تنمية الموارد البشرية. دار الفرقان عمان ومؤسسة الرسالة بيروت. ص. 44

(7) نفس المرجع. ص. 52.

(8) يوسف القرضاوي. 1415ه-1995م. دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي. مكتبة وهبة بالقاهرة. ص. 25

(9) محمد الغزالي. 1404ه-1984م. الإسلام والطاقات المعطلة. دار التوفيق النموذجية. الطبعة الرابعة. ص. 37