على أن لأهل الله صارفا آخر يصرفهم عن الدنيا بقوة ولا يملكون له دفعا  ذلكم هو الموت..

أجل .. الموت الذي يعري الدنيا من كل زيفها، ويضع الإنسان وجها لوجه أمام مصيره في أبد لا يفنى ولا يزول.. ينتظره فيه نعيم مقيم .. أو عذاب عظيم.

هنا، لا ينسون من الدنيا متاعها فحسب، ولا وجودها فحسب، بل ينسون اسمها.. وهنا لا خيار أبدا ولا ينبغي أن يكون ثم خيار، حين تكون المفاضلة بين ذلك الشيء الصغير الضئيل التافه الذي يسمى الدنيا، وبين الآخرة.

فالموت في آذانهم وفي رُوحِهم نذير يصيح: أن استعدوا للرحيل.

– إلى أين؟ .. إلى دار تحيون فيها خالدين، حيث النعيم الخالد للمتقين.. والعذاب الماحق للمفسدين..

– وما هذه الدار التي نحن فيها إذن؟ هي الدنيا. ألا يذكركم اسمها بحقيقتها؟ هي دار فانية تقضون فيها أعمارا كأنها لحظات..

– ولماذا جئناها إذن؟ ليبلوكم أيكم أحسن عملا!!

إذن فعلى هذه الدنيا العفاء .. وإذن لن يمنحها “أهل الله” خفقة واحدة من قلوبهم، ولا بسمة ضاحكة من شفاههم .. وبالتالي فهم لا يريدون من متاعها ولا من زينتها شيئا – أي شيء  ولتهب رياح السَّحَر لتحمل منهم تسبيح المسبحين، وأنين الباكين، وضراعة الضارعين، وأنفاس شوقهم المشتاق إلى لقاء الله ورضوانه!

هكذا رأيناهم يشمون في كل مظاهر الدنيا رائحة الموت.

هذا “يزبد الرقاشي” يقول:

“إن سرك أن تنظر إلى الدنيا بما فيها من ذهب وزينة، فهلم أخبرك..

“شيع جنازة ميت، فهذه هي الدنيا بكل ذهبها وزينتها..

“واحمل القبر دوما معك..

“لا أقول: احمل تربته .. بل احمل فكرته”.

يا لروعة التفكير والتعبير يا شيخنا يزيد!!

ألا، فلنعد تلاوة عبارته الحكيمة مرة أخرى:

“واحمل القبر دوما معك..

“لا أقول: احمل تربته .. بل احمل فكرته”..

إنهم بهذا المعنى عاشوا يحملون قبورهم في كل زمان وكل مكان .. عاشوا يحملون “فكرة” القبر و”فكرة” الموت، وكان هذا الذي يحملون أعظم حاجز دفع عنهم طوفان الحياة الدنيا، وأحاله تحت أقدامهم إلى فقاقيع!!

يقول “إبراهيم النخعي”:

“ما من أحد ينزل الموت حق منزلته إلا عد غدا ليس من أجله..

“كم من مستقبل يوما، لا يملكه.. وراج غدا، لا يبلغه..

“ولو تنظرون إلى الأجل ومسيره، لأبغضتم الأمل وغروره”!!

وهكذا رأيناهم يعزفون عن كل عمارة تخصهم في الدنيا.. وكما دعوا إلى ذلك قالوا، كما قال “سليمان التيمي”:

“الأمر أعجل من هذا .. فالموت غدا”!

وهم ينادون المؤمنين كافة ألا يدعوا الدنيا تنسيهم الآخرة .. وأولئك الذين يغترفون من طيباتها المباحة المشروعة، أحق من غيرهم بهذا النذير، لأن النعم كثيرا ما تنسى!!

يقول “إبراهيم التيمي”:

“إن من كانوا قبلكم فروا من الدنيا وهي مقبلة عليهم، وإن معهم من التقوى يومئذ ما معهم.

“وأنتم اليوم تتبعون الدنيا، وهي مدبرة عنكم وإن معكم من الخطايا ما معكم”!!

هذا نذير قيل للناس منذ ألف عام .. ترى ماذا يقال لنا اليوم وأين مكاننا نحن من القافلة المزدحمة بألف من الأعوام؟!

كذلك يقول “إبراهيم النخعي”:

“إن الصالحين قبلكم، كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم..

“وإنكم اليوم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم”.

و”أهل الله” إذن بتخطيهم الدنيا إلى الآخرة ليسوا سذجا ولا مخدوعين .. إنما هم أذكى الناس قاطبة إذا كانت المسألة مفاضلة بين ربح وخسران .. فأرباح الدنيا وهمية مهما تتشامخ طولا وعرضا .. لأنها عاجلة، ومقبلة، ثم نهايتها موت يفضي إلى حساب وعذاب ..

أما ربح الآخرة، فهو اليقين الذي لا يقين مثله، وهو الربح حقا ..

وكل شيء في الدنيا يتركه الإنسان خوف الفتنة أو الانشغال به عن طاعة ربه، سيأخذ أحسن منه مضاعفا يوم الخلود.

يقول “الشعبي”:

“ما ترك أحد في الدنيا شيئا، إلا أعطاه الله في الآخرة خيرا منه”..

بل إن للفقراء موكبهم في الجنة .. ولهم في الآخرة ثواب يتواءم مع الفقر الذي اختاروه في دنياهم طائعين، أو رزئوا به فصبروا عليه. بل تقبلوه شاكرين ..

يقول “إبراهيم النخعي”:

“يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء .. مثلهم في ذلك كمثل سفينتين تمخران البحر..

“مرت الأولى، وليس فيها شيء من متاع، فقال الآذن بالعبور: خلوا سبيلها..

“ومرت الأخرى مثقلة موقرة، فقال: احبسوها، حتى ننظر الذي فيها”!!

مثل بارع .. وكم كانوا بارعين في ضرب الأمثال يعلمون بها الناس.

وهكذا لم تكن علاقتهم بالموت علاقة خوف ورهبة، أكثر مما هي علاقة إيلاف ومحبة.

ذلك أن الموت عندهم ليس نهاية، إنما هو انتقال من دار إلى دار.. ومن عالم إلى عالم .. ومن أهل إلى أهل ..

هذا “أبو حامد الغزالي” رضي الله عنه يقول:

لا تظنوا الموت موتـا إنه *** لحياة وهو غايات المنى

لا ترعكم هجمة الموت فما *** هـو إلا الانتقالُ من هنا

إن الناس في حياتهم الدنيا، لا يسرهم أن يتجمدوا عند منزلة واحدة من منازلها.

فالطالب في المرحلة الثانوية  مثلا  يجد ويجتهد ويدأب لكي ينتقل إلى المرحلة الجامعية .. وحين يبلغها، يبذل قصارى جهده لينتهي منها، وينتقل إلى ما بعدها في حياة الوظيفة والعمل .. والموظف في درجة ما يتوق ويتحرق شوقا إلى الدرجة التي فوقها .. والناس جميعا، بل حتى الطيور، تبحث دائما عن الحياة الأفضل، وتهاجر إلى حيث الرغد والخصب.

هذا تبسيط لحقيقة “الموت” .. فما هو إلا الانتقال من هنا. كما قال الإمام الغزالي..

من أجل هذا، كان مبعث قلق عظيم لأهل الله وأصفيائه، وكان مناط أشواقهم أيضا.

إنهم يتذكرون بهاء وعظمة الحياة التي تنتظر المؤمنين بعد مغادرتهم هذه الدنيا .. فتطير قلوبهم شوقا إليها.

ثم هي من شدة خشيتهم الله وتوقيرهم إياه يحاذرون أن تقصر بهم أعمالهم، فيرهبون هذا الانتقال!!

بيد أن الشعور الأكثر سيطرة على روعهم هو لا ريب الاطمئنان إلى عفو ربهم ورحمته ونعمته ورضوانه.

ومن ثم فهم والموت في صداقة حميمة، يحبونه .. وينتظرون مقدمه في حبور وشوق.

قيل للإمام “الجنيد”: إن “أبا سعيد الخراز” كان يفيض وجدا عندما حضرته الوفاة .. فقال:

“ليس بعجيب أن تطير روحه اشتياقا”!!

إنهم أصدقاء الموت وعشاقه، ما دام الدليل الذي جاء يأخذ بأيديهم إلى ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر من نعيم الله وعطائه.

يقول “علي بن سهل الأصفهاني”:

“أتظنون أني أموت كما يموت الناس؟..

“إنما أدعى ..

“يقال لي: يا علي، فأجيب”!!

هذا هو الموت عندهم.. دعوة من الملإ الأعلى يسارع المؤمن إلى تلبيتها جذلان، نشوان!!

ومن عجيب أن “ابن سهل” مات كما تنبأ .. فذات يوم وهو يسير بين نفر من إخوانه ومريديه .. وقف فجأة وصاح: لبيك .. ثم مال على أكتاف صحبه وفاضت روحه ..

أفعجيب إذن أن تضجرهم الدنيا، وأن يضيقوا بها، ويهربوا منها ويتعجلوا الرحيل عنها، ما دام أمامها ومن ورائها ذلك الخلود المفعم بالمباهج والرضوان؟؟!!