تـذكـيـر:

يقول الحق سبحانه:”لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة “(1)،بعث الله رسوله الكريم رحمة وهداية للناس،ففتح به سبحانه قلوبا غلفا،ونور به بصائر،وأنقذها مما كانت فيه من غي وتيه وضلال، وبين للناس المحجة،ورسم للأمة سبيل العزة والتمكين في الدنيا،وطريق الفلاح والتكريم في الآخرة،ورحل صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه تاركا فينا ما إن تمسكنا به لن نضل أبدا:كتاب الله وسنته صلى الله عليه وسلم؛فأي خلل أو هوان في حياة المسلمين بعد النبوة إنما سببه الزيغ عن الجادة،والميل إلى الأهواء،والتنكب عن كتاب الله وسنة نبيه؛فالمحن والبلايا تصيب المسلمين فرادى وجماعات بقدر ما يحدثون من البدع في الدين،وما يقترفونه من العصيان لأوامر الله ونواهيه.

والمتأمل في حال المسلمين اليوم،بل ومنذ انتقاض عروة الحكم على يد بني أمية يرى ذلة ترديا وهوانا بين الأمم،حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث القصعة،ولا سبيل للعزة والتمكين إلا بالرجوع إلى النبع الصافي يغرف منه المسلمون،ويستمدون أسباب النصر،ويتتلمذون على يد المعلم المربي تعلما لآليات العمل واكتسابا لفنون التدافع مع قوى الباطل ـ الذي نجح لما تقاعس المسلمون ـ في صياغة نظام عالمي يسوس به الشعوب المستضعفة،سماه القانون الدولي.

الأحداث العالمية تتسارع، والعالم يسير وبشكل مطرد نحو الغليان والتأزم،والاستكبار العالمي يعمل ما فيه وسعه ـ “والله غالب على أمره” ـ لتطويق حركة الإسلام المتنامية،تذكيها غطرسة بني صهيون في أرض الإسراء تقتيلا وتذبيحا وتجويعا لإخواننا في فلسطين،واستهتار الاحتلال الأمريكي الغازي للعراق،واستباحته لحرمة المساجد والبيوت دون تمييز بين شيخ هرم يمسك سبحة لا رشاشا،وطفلة تحمل دمية لا قنبلة عنقودية… مشاهد وصور دامية تشهد على إفلاس الأنظمة في بلاد المسلمين،وتجعل السؤال المشروع يكبر في عقول الشباب المسلم العائد إلى رحاب إيمانه بربه:ما السبيل للعزة والكرامة؟ الجواب على لسان إمام دار الهجرة:” والله لن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، كتاب الله وسنة نبيه”.

من هذا المنطلق،غدا الاهتمام بالسيرة النبوية دراسة وتحليلا واجبا ملحا،بما هي تطبيق عملي للإسلام ومصدر لاستلهام دروس انبعاث الأمة،متى توفر شرطان: الفهم السليم والإرادة الجهادية؛ “فحياته ـ من خلال سيرته ـ صلى الله عليه وسلم تقدم إلينا نماذج سامية للشاب المستقيم في سلوكه،الأمين مع قومه وأصحابه،كما تقدم النموذج الرائع للإنسان الداعي إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة،الباذل منتهى الطاقة في سبيل إبلاغ رسالته،ولرئيس الدولة الذي يسوس الأمور بحذق وحكمة بالغة،وللزوج المثالي في حسن معاملته،وللأب في حنوه وعاطفته،..وللقائد الحربي الماهر والسياسي الصادق المحنك،وللمسلم الجامع ـ في دقة وعدل ـ بين واجب التعبد والتبتل لربه،والمعاشرة الفكهة اللطيفة مع أهله وأصحابه.”(2).

لهذا يعمل الاستكبار العالمي من خلال المؤسسات المالية اليهودية، وبتواطؤ مع ذرارينا خريجي طواحين التغريب على صرف المسلمين عن هذا المصدر في المنظومات التربوية والتعليمية تحت عناوين متعددة كالتحديث والتطبيع ومحاربة الإرهاب،لقطع صلة أجيال المسلمين بسيرة نبيهم التي ترسم برنامجا تربويا للمسلمين أفرادا،وخطا تـدافعيا لمسيرتهم التاريخية أمة.

فلفتـا لانتباه الغافل السارد الذي يجري لاهـتا نحو خلاص وهمي، وتـذكيرا للمهرول نحو أنصاف الحلول،يعطي الدنية من دينه إيثارا لمصلحة آنية،أو جبنا على الثبات في الميدان،نستحضر ذكرى صلح الحديبية، وما أدراك ما صلح الحديبية!حدث سماه القرآن الكريم فتحا مبينا،وخلده بسورة “الفتح”،حدث عظيم أسس لتمكين الله تعالى لدينه وعباده،نستخلص منه العبر والدروس،وننسج منه الخطط نصرة لدينه وتعرضا لموعود وبشارة نبيه صلى الله عليه وسلم.

سيـاق الحـدث:

وقع صلح الحديبية في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة،أي قبل غزوة الأحزاب التي خطط لها يهود المدينة،وألبوا قريشا ومعظم القبائل العربية فيما يشبه حربا عالمية جند لها جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل،يفوق عددا سكان المدينة المنورة نساء ورجالا صبيانا وشيوخا،في محاولة لاستئصال شوكة المسلمين الآخذة في التنامي.

لقد كانت غزوة الأحزاب محنة شديدة وزلزالا كبيرا تعرض له المسلمون،الذين كانوا كما يقال بين المطرقة والسندان،كانوا أمام عدوان خارجي في صورة تحالف قبلي غير مسبوق،وأمام خيانة من داخل الصف يقودها المنافقون وحلفاؤهم من يهود بني قريظة الذين يهددون نساء وصبية المسلمين في المدينة،بعد خروج المقاتلين لملاقاة العدو،أضف إلى ذلك كله شح الموارد والإمكانيات الاقتصادية،مقابل ما يطلب إنجازه من حفر الخندق وتجهيز الجيش.

حدث صوره القرآن الكريم تصويرا غاية في الدقة في سورة “الأحزاب” التي توثق للغزوة،يقول الحق سبحانه:”إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم،وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا،هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا،وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا..”(3).

غزوة اجتمعت فيها كل الشدائد والمحن،فكانت اختبارا عسيرا فضح المنافقين،وبين صدق المؤمنين الراجين وجه الله تعالى،الذين أشادت بصدقهم السورة،فقال جل من قائل:”ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله،وما زادهم إلا إيمانا وتسليما،من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه،فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر،وما بدلوا تبديلا،ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم،إن الله كان غفورا رحيما.”(4)

اشتد الكرب وأي كرب على المسلمين،حتى إذا ضاقت عليهم الأرض،تدخلت العناية الإلهية لتتولى إدارة المعركة،فسلط الله على المعتدين الرياح العاصفة وجنده من الملائكة،فتصدعت صفوفهم،وسارعوا إلى الفرار خائبين لا يلوون على شيء ،يقول تعالى مذكرا المؤمنين بنعمته عليهم:”يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها،وكان الله بما تعملون بصيرا.”(5)،وقال سبحانه يصف خيبة الغزاة المعتدين ومن والاهم وتواطأ معهم من اليهود:”ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا،وكفى الله المؤمنين القتال،وكان الله قويا عزيزا.”(6)

وقبل أن يضع الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون السلاح ويسترجعوا الأنفاس من زلزال غزوة الأحزاب جاء الأمر الإلهي بالتوجه إلى بني قريظة الذين خانوا العهد،ونقضوا الميثاق،لتطهير المدينة من رجسهم،فلم يعودوا ـ كما لم يكونوا ـ موضع ثقة المسلمين،فقتل رجالهم،وسبيت نساؤهم ،وصودرت ممتلكاتهم،يقول سبحانه وتعالى في حقهم:” وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا،وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها،وكان الله على كل شيء قديرا.”(7)؛ بهذا الإجراء يحصن المسلمون صفهم الداخلي على مستوى المدينة،ويبدأون في التخطيط لمرحلة جديدة،لن يسمح فيها بغزو للمسلمين في عقر ديارهم،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري،بعد أن أجلى الله تعالى قوة الأحزاب:” الآن نغزوهم،ولا يغزوننا،نحن نسير إليهم.”

سبب صلح الحديبية:

لقد بينت غزوة الأحزاب أو الخندق خطورة سياسة الانكفاء،وباندحار جيوش القبائل المتحالفة،تكون قريش قد تلقت الضربة القاضية،وتأكد لها أن لا سبيل لاستئصال المسلمين بعد محاولات عديدة،كان المسلمون يخرجون منها أقوى مما كانوا عليه؛من خلال هذه المعطيات جاءت فكرة التوجه إلى مكة قصد أداء العمرة،بعد رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم،التي” رأى فيها أنه دخـل المسجد الحرام هو وأصحابه،وأخذ مفتاح الكعبة،وطافوا واعتمروا،وحلق بعضهم،وقصر بعضهم،فأخبر بذلك أصحابه،ففرحوا،وحسبوا أنهم داخلوا مكة عامهم ذلك..”(8)؛يقول تبارك وتعالى:”لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون،فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا.”(9).

الخـروج لأداء العمرة:

أعلن صلى الله عليه وسلم أنه معتمر،وتجهز للسفر ،واستنفر من حوله من العرب والبوادي،وخرج يوم الإثنين فاتح ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة ،في حوالي ألف وخمسمائة من المسلمين،معهم سلاح المسافر:(السيوف في القرب)،واصطحب معه صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها،والتي سيجل لها التاريخ موقفا عظيما كما سيأتي بيانه.

ولأن عيون المراقبة لا تنام،ولا تغفل،فقد علمت قريش الخبر،مثلما عرف صلى الله عليه وسلم نبأ نية قريش لمنع المسلمين من ولوج مكة معتمرين متجاهلين قدسية الشهر الحرام،وبقدر ما سعى الطرف القرشي لعرقلة تقدم مسيرة العمرة،نجح المسلمون تحت القيادة النبوية لتفادي المواجهة،حتى باتوا قريبين من مكة،حيث نزلوا بأقصى الحديبية .

وعلى ساحة الحديبية،جرت أطوار الحدث التاريخي،فقد أوفدت قريش مجموعة من دهاتها لإقناع الرسول صلى الله عليه وسلم بالعدول عن فكرة دخول مكة،من خلال جولات من المفاوضات تراوحت بين أسلوب التهديد مرة،وأسلوب التفهم مرة أخرى،جولات أبان فيها كل طرف عن حنكة سياسية.هكذا توافد على الرسول القائد صلى الله عليه وسلم محاورا ومفاوضا عن قريش تباعا :بديل بن ورقاء،والحليس بن علقمة،وعروة بن مسعود الثقفي،وسهيل بن عمرو الذي أبرم الصلح؛وقد تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم بأسلوب خاص مع كل واحد من هؤلاء الوافدين،يؤسس لمنهج رائع في فن التفاوض ،نبرز خصائصه بعد حين.

ورغبة في توضيح موقف المسلمين وهدفهم،أوفد صلى الله عليه وسلم سيدنا عثمان بن عفان إلى قريش قائلا له:”أخبرهم أنا لم نأت لقتال،وإنما جئنا عمارا،وادعهم للإسلام.”(10) كما أمره أن يتفقد المسلمين في مكة، ويبشرهم بالفتح والتمكين القريبين.وحدث أن تأخر سيدنا عثمان بن عفان في مكة،وشاع بين المسلمين أنه قتل،فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين للبيعة على القتال،وسارعوا إلى ذلك تحت الشجرة،يقول جل من قائل:”لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة،فعلم ما في قلوبهم،فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا..”(11)؛وتلقت قريش الرسالة،وباتت في حرج كبير،لم تجد معه بدا للدعوة إلى الصلح،وبعثت أحد عقلائها،وكان هو سهيل بن عمرو.

إبـرام صلح الحديبية:

لقد أحرج الرسول صلى الله عليه وسلم قريشا وباغتها بهذا الموقف،فلم تكن تفكر يوما أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيقدم على عمل بهذه الجرأة وبهذه الدقة،فرضخت للأمر الواقع،وراحت تبحث عما تنقذ به ما تبقى من هيبتها بين القبائل،وجلس سهيل بن عمرو يفاوض وفي جعبته مطلب واحد،أن يرجيء المسلمون أداء العمرة إلى العام القابل،ليتفقا الطرفان على ما يلي:

“هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ـ نقول صلى الله عليه وسلم ـ وسهيل بن عمرو،اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض،على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم،ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يرده عليه،وإن بيننا عيبة مكفوفة،وإنه لا إسلال ولا إغلال.

وإنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه،وإنه من أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.

وإنك ترجع عنا عامك هذا،فلا تدخل علينا مكة،وإنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك،فأقمت بها ثلاثا،معك سلاح الراكب،السيوف في القرب،لا تدخلها بغيرها.”(12) (*عيبة مكفوفة:أي ما تعاقدت عليه القلوب* إسلال:السرقة الخفية* إغلال:خيانة)

ردود أفعال الصحابة:

ضج المسلمون،وتعالت الهمهمات،ووجمت الوجوه،لما علموا أنهم لن يعتمروا هذا العام،وكان موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه معبرا عما يجول في نفوس المسلمين،فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال:”يا رسول الله،ألسنا على حق وهم على باطل؟قال:بلى.قال:أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟قال:بلى.قال:ففيم نعطي الدنية في ديننا،ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟قال:يا ابن الخطاب،إني رسول الله ولست أعصيه،وهو ناصري،ولن يضيعني أبدا.قال:أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟قال:بلى،فأخبرتك أنا نأتيه العام؟قال:لا.قال:فإنك آتيه ومطوف به.” (13)

عبر ودروس صلح الحـديبية:

1. إشارة لطيفة لا تخلو من دلالة،ذلك أن فكرة خروج الرسول صلى الله عليه وسلم للاعتمار جاءت من خلال رؤيا رآها صلى الله عليه وسلم،وهذا معناه أن الحدث كله أطره الغيب،وليس عبثا أن تكون الرؤيا بعد ذلك آخر ما يبقى من الوحي بعد النبوة،يستنير بها المسلمون في تدافعهم،ويستشرفون بها المستقبل،محترمين القواعد الشرعية في هذا الباب،ومنها أنها تسر ولا تغر،وأنه لا يبنى عليها ـ أي الرؤيا ـ حكم شرعي.

فواعجبا لفئة من المسلمين تتنكب عن أجزاء من النبوة،خوفا من أن تتهم بالخرافية،ثم هي لا تجد حرجا في تصديق الكهنة باسم الدراسات المستقبلية،يا حسرة على العباد!

2. الصلح والهدنة لا يعني الذوبان والتنكر للمباديء،فصلح الحديبية تميز عن الباطل وممانعة له وتمسك بالثوابت،”فمفهوم المصالحة مع العدو لا يتعارض مع مفهوم التميز والمفاصلة،ولا يتعارض مع مفهوم البراء والولاء،ولا يتعارض مع مفهوم الجهاد واستمراره،وأنه ماض إلى يوم القيامة،وأن بعض التنازلات التي يقدمها الصف المسلم في المصالحة لا يعني إعطاء الدنية في الدين.”(14).أما تنازل الرسول صلى الله عليه وسلم عن كتابة البسملة وإثبات صفة النبوة في عقد الاتفاق،فيبدو منطقيا في قاموس التفاوض أكثر منه تنازلا،وقد نبه سهيل بن عمرو وهو من ذوي الأنياب الزرقاء في السياسة ـ واللفظ لمنير شفيق ـ إلى الأمر بقوله أثناء صياغة العقد:”لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت،ولا قاتلناك.ولكن أكتب محمد بن عبد الله.” (15)

3. صلح الحديبية اعتراف رسمي لقريش بالمسلمين ككيان ودولة لا كتنظيم إرهابي،وهذا أكبر مكسب حققته الدعوة،رفع الوصاية القرشية على القبائل،من خلال بند:” وإنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه”.لهذا تميزت مرحلة ما عقد الحديبية بمكاتبة الملوك وزعماء القبائل ودعوتها للإسلام بشكل لافت للنظر.ألم يسم الحق سبحانه صلح الحديبية فتحا ؟

4. الصلح فرصة لإعادة ترتيب جميع الأطراف لأوراقها،لذلك كان الصلح في الإسلام موقوتا بمدة معلومة،على عكس اتفاقات الهزائم التي يبرمها العرب المستسلمون للإرادة الاستكبارية اليهودية.

5. كل صلح يجب أن يقوم على قاعدة: “قد نسكت عن بعض الحق،ولكن لا نقول باطلا.”

6. تؤكد فكرة الاعتمار التي أقدم عليها الرسول صلى الله عليه وسلم البعد المستقبلي للدعوة،وتجاوز سياسة تدبير الآني واليومي؛من هنا كان البعد الاستشرافي شرطا واجبا في أي مشروع تغييري متكامل.

7. اغتنام الفرص والغرات التاريخية لتحرر الدعوة مواقع جديدة،فقد وظف الرسول صلى الله عليه وسلم حرمة الشهر لإحراج قريش بين القبائل خلال موسم الحج.

8. ضبط النفس وعدم الانجرار وراء ردود الأفعال،فصاحب المشروع الواثق من نفسه وصواب تصوره،ينأى عن أي انزلاق قد يصرفه عن غايته،وقد رأينا أنه بقدر ما سعت قريش للفتنة بواسطة أحابيشها وصبيانها،تحلى الصف الإسلامي بقيادة نبوية راشدة بنباهة وفطنة خيبت مساعي قريش.

9. إنزال الناس منازلهم مبدأ إسلامي،تجلى في كيفية تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع موفدي قريش،فلما أقبل الحليس بن علقمة أخبر صلى الله عليه وسلم الصحابة أن القادم رجل من قوم يعظمون البدن (الهدي)،فأمرهم بإرسال البدن،واستقبلوه بالتلبية،فقال الحليس: ” سبحان الله،مما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت! “؛ولما عاد إلى قريش قال لهم:”رأيت البدن قد قلدت وأشعرت،وما أرى أن يصدوا.”(16).

10. يتطلب فن التفاوض معرفة دقيقة بالمتفاوض معه:مزاحا،ونمط تفكير،ومرجعية..،سعيا لنجاح العملية التفاوضية وتحقيق أكبر المكاسب،وقد كان صلى الله عليه وسلم يخبر الصحابة بطبيعة كل وافد عليهم قبل أن يصل،فأخبرهم أن مكرزا بن حفص رجل غادر،ولما أشرف سهيل بن عمرو قال صلى الله عليه وسلم :” قد سهل الله لكم أمركم أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل.” (17)

11. مراعاة القائد لمشاعر الرعية،فقد امتنع الصحابة ـ الذين غاب عنهم عمق الصلح وأبعاده ـ عن الامتثال للنبي لما أمرهم بالنحر والحلق إيذانا بنهاية أعمال العمرة،فما كان منه إلا أن توارى عنهم صلى الله عليه وسلم في خيمته،ودخل على أم المؤمنين أم سلمة ،وذكر لها في ما يشبه الشكوى ما حدث،فقالت رضي الله عنها:” يا رسول الله،أتحب ذلك؟اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك،وتدعو حالقك فيحلقك.” (18)؛وفعل صلى الله عليه وسلم وتسابق الصحابة على النحر والحلق.

إنها القيادة الربانية المسددة بالوحي والتوفيق الإلهيين،لم يصدر صلى الله عليه وسلم أوامر باعتقال المعارضين المحتجين،ولم يشر بإشارة أو حركة لأعوانه بتصفية من لم يصفقوا لموقف القائد،كما هو شأن الجبابرة الذين كان لهم مع زبانيتهم قاموس خاص من قبيل عبارة استالين :”وجهك لا يعجبني”،يستقبل بها من أراد التخلص من الرفاق،فتتلقفها الزبانية،ويصفى الرفيق.

12. التفاوض لا يسقط من الحساب فئة من الصف،فقد صلى الله عليه وسلم سيدنا عثمان بن عفان لتوضيح الموقف لقريش،وأمره أن يتفقد من كان في مكة من المسلمين،جبرا للخواطر ومواساة لهم وتعبئة لهم على الصمود وإعلان إسلامهم،على عكس “الأوسلوويين والكامبديفيديين” (نسبة إلى أسلو وكامب ديفيد) الذين يتفاوضون متنازلين على حق عودة ملايين الفلسطينيين اللاجئين في دول الشتات.

خـاتـمـة:

تعتبر الدارسون للسيرة وتاريخ الدعوة الإسلامية أن صلح الحديبية أسس لمرحلة التمكين والظهور،فخلال الإثني وعشرين شهرا ـ عمر الهدنة قبل أن تخل بها قريش ـ دخلت في الإسلام قبائل شتى وخلق كثير،بل وبعد سنة من الصلح ،أي في العام السابع للهجرة،اعتنق الإسلام أبرز قادة مكة،وهم :عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة،الذين رآهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال:” إن مكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها.”

جاء صلح الحديبية معلمة في فن إدارة الدعوة سلميا،وتحقيق المكاسب التي قد لا تتيسر بالمواجهة العسكرية،فصلح الحديبية يمثل الوجه الحقيقي للدعوة،بما هي ـ في الأصل ـ تبليغ بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة،ومن يتأمل السيرة النبوية يقف على أن الخيار العسكري كان يفرض على المسلمين فرضا في الأغلب الأعم.

ــــــــــــــــــــ

الهوامـش:

1.سورة الأحزاب،الآية:(21)

2.فقه السيرة النبوية للبوطي،ص:16

3. سورة الأحزاب،الآيات:(12،10)

4. سورة الأحزاب، الآيات:(24،22)

5. سورة الأحزاب الآية:(9)

6. سورة الأحزاب الآية:(25)

7. سورة الأحزاب الآيتان:(27،26)

8. الرحيق المختوم،ص:308

9.سورة الفتح،الآية:27

10. الرحيق المختوم،ص:312،311

11. سورة الفتح،الآية:18

12. التحالف السياسي لمنير الغضبان،ص:148

13. الرحيق المختوم،ص:317،316

14. التحالف السياسي ،ص:149

15. الرحيق المختوم،ص:313

16. الرحيق المختوم،ص:310

17. الرحيق المختوم،ص:312

18. الرحيق المختوم،ص:314