فلسطين قضية القضايا في عصرنا الحالي وفي مستقبلنا القريب، هي المرآة الكاشفة لمعاناة الإنسانية من طاغوت النظام الاستكباري الدولي الذي يرفض الإختلاف والتعايش والحوار وحسن الجوار. نظام استعلائي بسط سلطانه الماكر على العالم عبر وسائله العسكرية المتوحشة وشركاته العملاقة، ومجموعاته المالية والصناعية، وثورات التكنولوجيا والمعلومات. نظام تطفيفي يستضعف الناس ويبخسهم حقوقهم، و خاصة إذا كانوا مسلمين. المسلمون اليوم هم الذين يذبح أبناؤهم ويرمل نساؤهم وتهدم بيوتهم ومدارسهم ومساجدهم ومشفياتهم وتجرف أراضيهم وتتلف مزارعهم؛ في فلسطين، و في العراق والبوسنة والهرسك والشيشان وأفغانستان…والعالم يتفرج!القضية الفلسطينية، قضية إنسان وأمة وإيمان وتاريخ ومستقبلقضية إنسان: قضية الإنسان المظلوم، المستضعف، المضلل، المغلوب، الذي أخرج من داره عسفا بالعنف والترهيب، قضيته في مواجهة الإنسان الظالم، المستكبر، الضال، الغالب، وعدم الاستسلام له {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون}، …

قضية كل إنسان حر ينشد العدل والكرامة والحرية، يرفض الظلم والطغيان والإهانة ولا يرضى بالذل والهوان ولا يعطي الدنية في دينه، ولا يخشى في الله إلا الله، قال الله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج39/40)، وتلك هي سنة الله في التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل.

قضية أمة: ليست القضية الفلسطينية من حجم صدام دولة مع دولة، وإنما هي من حجم صراع أمة مع أمة، مصداقا لقوله تعالى: “وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون” و “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”. وقوله عز وجل: “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون”.

يتوجه لنا الخطاب القرآني أمة فيها الخير، بل خير الأمم، لذلك واجب علينا أن نستجيب أمة واحدة؛ نفسيا ووجدانيا وفكريا وماديا وعسكريا واقتصاديا وسياسيا، بالدعوة إلى كل خير والأمر بكل معروف والنهي عن أي منكر، ولا دعوة للخير إلا برفض الشر، ولا أمر بالمعروف إلا بالنهي عن المنكر، ومن المنكر الكبير غطرسة وظلم وتجبر وطغيان اليهود ومن والاهم. ليكون المعروف الكبير هو مقاومة هذا المنكر وشل تمدده وعناده بما أوتينا من قوة وحيلة ووسيلة. قضية فلسطين قضية كل الأمة، ومن اعتبرها تخص الفلسطينيين وحدهم فليس من الأمة ولا يمثل هذه الأمة. كيف لا وهم يقاتلوننا كافة؟ وابحث إن شئت في القرآن الكريم لتعرف العقلية اليهودية، والنفسية اليهودية، والطباع السلوكية اليهودية وانظرفي التجربة النبوية التي هي امتداد لتجارب الأنبياء السابقين (سيدنا زكرياء وسيدنا يحيى وسيدنا داود وسيدنا موسى وسيدنا عيسى عليهم السلام). إن شهادة القرآن هي شهادة الخالق سبحانه على مخلوقاته(1)، قال جل وعلا: “لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبيس ما كانوا يفعلون. ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا، لبيس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يومنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء، ولكن كثيرا منهم فاسقون. لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون” (سورة المائدة، الآيات: 78-82). عليهم اللعنة على لسان خير الخلق وهم الرسل عليهم السلام، وذلك بعصيانهم واعتدائهم وتماديهم في المنكرات، وكتمانهم للحق، وخيانتهم للعهود، وافترائهم على الله (عبثوا بمعنى اللفظين العبريين القريبين من العربية “إسر” و”إيل”، وأوَّلُوهما ليصبح معناهما “المنتصر على الرب” بعد أن كان “خادم الرب”)، قالوا: “إن الله فقير ونحن أغنياء”، وقالوا: “يد الله مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا” (المائدة66) و “عزير بن الله”، تعالى وتقدس في نور جلاله وكبريائه وعزته ، فقتلوا أطهر الناس وأشرفهم وأحسنهم أخلاقا (الأنبياء)، وحرفوا شرائعهم، وكذبوا على ربهم زاعمين أنهم أحباءه وأصفياءه من خلقه، اخترعوا الأباطيل وزوروا الحقائق، وأكلوا الربا وأباحوا الزنا “لا يتناهون عن منكر فعلوه”، يسارعون في الآثام والعدوان، ويوقدون نيران الحروب والفتن وينشرون العداوة والبغضاء. لكل هذا لازمهم غضب الله ومقته “كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله”.

قضية إيمان: لكن لا أمة بلا إيمان، لأن الإيمان هو الزاد الأغلى والكنز الأبقى الذي على العبد أن يحيى به ويجاهد من أجله، ويحب به، ويبغض لأجله، ويلقى به ربه. بالإيمان نخشى الله ولا نخشى سواه، نتوحد ولا نتفرق، نتعاون ولا نتهاون، نجاهد ولا نسوف، نقبل على الله ولا ندبر، نحتسب ولا ننسحب.

يحدثنا القرآن الكريم عن إفساد اليهود واستعلائهم في سورة الإسراء: “وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَ كَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً” (الإسراء5) ، اختلف المفسرون في الفساد الأول لكثرة إفساد اليهود، أما الإفساد الثاني فهو بلا شك ما يقع اليوم في زماننا، على مرأى ومسمع من إنس العالم وجنه. لضعف إيماننا وانتكاس إرادتنا وسفاهة حكامنا وهرولة مثقفينا و تبدير ثروات أمتنا في اللهو والعبث. ولما يصلح حالنا يبعث الله عبادا مؤمنين محسنين مجاهدين في قلوبهم الإيمان الجديد وفي أيديهم البأس الشديد ” فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَ كَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً”.

حتى اليهود يعتبرونها قضية إيمان، انطلاقا من أسطورة “أرض الميعاد” المسترجعة التي يعتبرونها فقط مرحلة انتقالية نحو “إسرائيل الكبرى” التي ترسمها الخرائط الصهيونية والتي تضم جزءا كبيرا من المشرق العربي؛ الأردن وسوريا والعراق ومصر، وكأن المسلمين انقرضوا من على وجه البسيطة، فهم في نظر اليهود “أمميون” مصيرهم  حسب التأويل المتطرف للتوراة الإبادة، إن هم امتنعوا عن خدمة الشعب المختار. “ليس علينا في الأميين سبيل”…فاعتبر يا من يوهم الناس بمفاوضات مدريد (1991) أوسلو(1993) وشرم الشيخ…..واللجنة الرباعية والخيانة الخماسية!

“بالإيمان والإيمان وحده” كما كان يردد بطل الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله تتحقق المعجزات، وبالإيمان اليوم تقف مواكب الشهادة غصة في حلوق الظالمين، وسهما في أعناقهم…لا يضرهم من خذلهم، ومن لم يحدث نفسه بالجهاد لتحرير فلسطين ومات فقد مات على شعبة من نفاق، و”من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”.

قضية تاريخ: أرض فلسطين، نموذج صارخ للصراع بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر، بين دعوة الأنبياء و جهالة أقوامهم، بين الذين يأمرون بالقسط من الناس وبين الملأ المستكبر. سنة الله في خلقه: التدافع؛ يوم لنا ويوم غيره حتى يأتي أمر الله، حسنة النصر أو حسنة الشهادة. “ولا تظلمون فتيلا”.

أكثر الأنبياء قتلوا في فلسطين، وأكثر المجاهدين استشهدوا في فلسطين، وأكبر صمود اليوم هو صمود أهل فلسطين. بارك الله في أبناء فلسطين وفي أبناء كل المسلمين.

إن الاستكبار والغدر متجذران في الشخصية اليهودية التي تُلقَّن منذ نعومة أظافرها مبادئ العنصرية والسفك والقتل، وتجعل من بني إسرائيل شعب الله المتفوق خلقة على كل الشعوب (خاصة العرب). وذلك ما سطر في توراتهم: “ففي ذلك اليوم، فتح يوشع ماقدة وأباحها وملِكها للسيف. لم يدع فيها حيا “. وتحكي قصة المدن التي أبيحت وأبيد أهلوها عن آخرهم: ليفرا، لاقش، غزة، عجلون، حبرون (الخليل)…

علينا فهم التاريخ لمعرفة قوانينه الإلهية والاستعداد لموعود الله بالشرط الثابت في كتابه الكريم: “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله. وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين” (آل عمران، 139/140). تداول الأيام بين الناس، بين الأمم، بين الحضارات، سنة الله في سير الأحداث؛ تسخيره واستدراجه، إيجاده وإمداده، أخذه وعطاؤه، رفعه وخفضه، تأييده وانتقامه، نصره ومكره، خلقه وأمره…

يعيش شعب فلسطين اليوم -في عصر المشاريع الحداثية الديمقراطية- معاناة دائمة، دشنت رسميا من مصيبة 1948، و بلية 1956، مرورا بطامة 1967، ثم كارثة 1973 إلى مذابح صبرا وشاتيلا و جنين وبيت حانون و يوميات غزة والبقية تأتي.

قضية مستقبل: ستظل إسرائيل الابتلاء مؤقتا، ريثما يدرك المليار ونصف المليار مسلم المتشرذمون الذين يعيشون الغثائية في أجلى صورها هويتهم الحقيقية، أنهم حملة رسالة تفرض التبليغ، وعليهم أمانة توجب الأداء. إن الابتلاء قاعدة معيارية مركزية في ديننا يميز الله بها الذين آمنوا وعملوا الصالحات من المنافقين والمرتابين. وعد الله بالنصر جلي في كتابه المجيد، لكن تنزيله في أرض الواقع رهين بإعداد شروط القوة؛ قوة الإيمان والإيقان، قوة التخطيط والتدبير، قوة الحديد والبأس الشديد، قوة الصبر الحازم واليقين الجازم، إلى أن يأتي “وعد الآخرة”، وعد المواجهة المصيرية الكبرى، التي سنسوء فيها وجوه الغاصبين ونردهم على أدبارهم مدحورين مخذولين ملعونين، وعد الشراكة بين البشر والحجر والشجر، فيعز الله فيه جنده، وينصر عبده. وشرط النصر الاستحقاق. بيننا وذلك اليوم زمن وكيان وقوة وحكمة.