“لا كرامة لملك لا يحرص على كرامة رعيته”.

شدني هذا القول وأنا أتابع حوارا شيقا بين “الحارث بن عباد” صاحب الكلام و”كُلَيْب بن ربيعة” ضمن حلقات المسلسل التاريخي القيم “الزير سالم: أبو ليلى المهلهل”. وهو إنتاج سوري ضخم يؤرخ لواقع القبائل العربية قبيل الإسلام وخاصة وقائع حرب البسوس الشهيرة، ويعرض لحقبة عرفت في الفكر الإسلامي بالجاهلية، وهي كذلك نعم لكن فيها من القيم والمعاني الإنسانية والمبادئ العربية الأصيلة ما يفتقده زماننا ويحن إليه واقعنا.

قلبت النظر في العبارة أعلاه فوجدتها حكمة، بل قاعدة سياسية ومرتكز دستوري وأساس تعاقدي يضبط علاقة الحاكم بالمحكوم ويؤطر اتجاهها حتى لا تنقلب هذه العلاقة وتنمسخ المعادلة.

1- فكرة ومضمون التعاقد

عندما تتأسس الدول والأنظمة السياسية تكون فكرة التعاقد الاجتماعي أرضية مثالية إن انبثق عنها هذا المولود “الدولة”، أو شكَّل  أي التعاقد- مرحلة تاريخية وطفرة سياسية هامة في تحول الدولة والمجتمع معا وارتقائهما.

وتتخذ فكرة التعاقد مضمونا سليما عندما يعلم الحاكم أنه مفوض من قبل محكوم، وحينما توقن السلطة أنها صادرة عن أمة هي صاحب السيادة، فتتوجه أجهزة الدولة للقيام بوظائفها الأساسية والتي يختصرها صون كرامة الإنسان من كل مساس بها.

“كليب بن ربيعة” هذا، أراد أن ينتقل بقبيلته من حالة البداوة إلى حالة “المُلك”، ومن وضع الفوضى إلى وضع “التَنَظُّم”، وابتغى بناء “سلطة” حاكمة وتأسيس “جيش” يدافع عن القبيلة بدل تطوع الأفراد لصد العدوان.

كان هذا هو مجمل “العقد الاجتماعي” بين الملك والقبيلة، يؤطره حرص حثيث من الحاكم على كرامة رعيته وحسن معاشهم واستقامة نظامهم الاجتماعي وازدهار تجارتهم، مقابل تعاون وانخراط جماعي ورقابة كبار القبيلة وعقلائها للوجهة التي يقود إليها الملك حتى لا تناقض المبادئ والقيم الأصيلة.

ورغم بساطة النموذج إلا أنه يشكل حالة جدية من حالات بناء الوضع المجتمعي العام، وتجربة تسترعي التأمل لولا أن الملك كليب استعجل الانتقال إلى “مملكته الجديدة” ولم يراع سلطان العرف القبلي السائد من جهة، ولولا أنه نحى اتجاه هيبة المَلك ومكانة المَلك وخصوصية المَلك ووضع المَلك وبروتوكول التعامل مع المَلك، من جهة ثانية، مما جعله ينحرف إلى التسلط على أبناء قبيلته فأصبح في وضع الحاكم المستبد وإن كان سليم المنطلق والقصد.

2- مَساسُ الكرامة فسخٌ للتعاقد

انحرف الملك عن الوجهة فكانت آلية فسخ العقد ليس للردع فحسب بل إجراءً حقيقيا خرج بموجبه عن “حمى الملك”- السيادة- رجلا حكيما وكبيرا من كبراء القبيلة هو الحارث بن عباد.

وهنا نرجع لنقف عند الحوار الذي ذكرنا منه القولة أعلاه، إن أول ما يشد الانتباه فيه هو الخلوص إلى اعتبار الكرامة محددا جوهريا وبوصلة موجهة لمعرفة طبيعة الوضع السياسي السائد.

وهو محدد أساسي دفع القبيلة، ويفترض أن يدفع الشعوب والمجتمعات، إلى اتخاذ موقف الطاعة أو المعارضة أو العصيان بناء على مؤشر الكرامة هذا. فلا طاعة للحاكم بلا حياة كريمة للمحكوم، ولا حياة كريمة بغير عدل وحرية، ولا عدل إن كان الحاكم “إنسانا” متعال عن باقي الناس و”بشرا” فوق جميع البشر، ولا حرية إن كانت الثقافة السائدة تفرض ما يقال وما لا يقال وما يفعل وما لا يفعل إزاء شخص الحاكم “المقدس”، لأنه لا كرامة منقوصة.

ثاني ما يستوجب الانتباه هو ترابط الكرامة وتراتبيتها وفق سلم واضح: “لا كرامة لملك لا يحرص على كرامة رعيته”، فعندما تنتفي كرامة الرعية أو يتم انتقاصها تنتفي كرامة الملك وتنتقص.

وهو مبدأ يستتبع، في حال خرقه وتجاوزه، موقفا سياسيا واضحا وسلوكا ميدانيا مؤثرا، إنه العصيان ضد القواعد الحاكمة غير العادلة وغير الضامنة لكرامة الرعية، أو في أقل الأحوال إنها المعارضة القوية التي لا ترتضي المذلة والمساس بالكرامة والفصل بين كرامة “ملكية” مصانة وكرامة “شعبية” منتهكة.

ثالث أمر يشد الانتباه هو انتهاء الحوار بإعلان أحد “الرعايا” عن خروجه من الحمى وفسخه للتعاقد الذي يجمعه بالملك، وهو إن كان يفيد حجم الوعي الذي يميز “الحارث”، الذي يرمز هنا إلى الرعية والأمة والشعب والمجتمع، وإدراكه التام أنه صاحب حق ومصدر سيادة، فإنه يمدنا بدلالة أخرى هامة وهي حجم الحرية السياسية السائدة في مملكة القبيلة إلى الحد الذي يعلن فيه “المجتمع” خروجه عن سلطات الملك لأنه استبد وتسلط.

إنه من الأهمية بمكان القول أنه بقدر وضوح وظيفة الحاكم ينبغي جلاء مكانة الرعية، فهي المالكة الحقيقية للأمر ومصدر السلطات ومانحة الصلاحيات، وبالتالي لها الأحقية الكاملة في فسخ التعاقد في حال الإخلال بأركانها أو أحدها، إذ العقد شريعة المتعاقدين.

3- “كُلَيْب” وحكامنا

دفعني ناتج الحوار ومجمل القصة إلى المقارنة بين كليب وحكام الدول العربية رؤساءً وملوكا.

إن كليبًا الملك يجسد نظرية “المستبد العادل”، التي طالما روج لها جزء من الفكر الإسلامي لتبرير انحراف حكام سُمُّو “خلفاء”، فهو استبد وتسلط واجترح منهجا ممزوجا لا يؤسس لمملكة عادلة تصون كرامة رعاياها، منهجا ضخَّم فيه من حضور الذاتية وعظَّم “الأنا الملكية” وقدَّسها على حساب وضع رعيته. وهو مستوى كاف من الانحراف ليدفع القبيلة إلى التمرد، وبعض فاعليها إلى إعلان موقف الرفض والعصيان، وأحد شبابها إلى حد قتل الملك.

ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن انحراف الملك “كليب” لم يحصل على مستوى المنطلق والقصد بل كان على مستوى المنهج والأسلوب فقط، وهو انحراف قد تتمناه الشعوب العربية التي عَظُم انحراف حكامها لينعكس منطلقا مُغَرَّبا ومقصدا مشوها ومنهجا ديكتاتوريا.

أستذكر أن “كليب” اتخذ عددا من الإجراءات، منها أن لا توقد نار ولا يطهى طعام إلا في قصر الملك لكن مقابل أن يتكفل هو بإطعام كل القبيلة وتلبية حاجاتها الغذائية. وهو إجراء، رغم أنه غير منطقي وغير مقبول، فإنه على كل حال أخف “مأساوية” من واقعنا حيث بإمكان الجميع أن يوقد النار لكن في بيوت كثيرة لا طعام فيها يطهى. وهو إجراء يحقق المساواة حتى بين أفقر أفراد القبيلة وبين الملك نفسه، وفي واقعنا ثمة من يتخطف أبناؤه اللقمة وهو يحملق من قلة ذات يده مقابل من يعد له الخدم والحشم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.

من إجراءات كليب أيضا أن أصبح مجلسه “نخبويا”، غير أنه ضم خيرة رجال القبيلة وكبرائها وعقلائها. في واقعنا البئيس أصبح الوطن كله مجلسا للحاكم، لا ينبغي أن يحضر فيه ولا يتنظم ولا يتحرك ولا يتشكل ولا ينشط إلا من أذن له الحاكم، ويا ليت حكامنا نحو منحى كليب وقربوا عقلاء البلاد وكبرائها ورجالها، بل قربوا كل صاغر متملق ممالئ ضد مصالح شعبه.

ومن خطوات كليب أيضا أن منع في مرحلة لاحقة موارد المياه على أبناء عمومته بعد أن منع الصيد على الجميع. في حاضرنا، لا يمنع الجميع ولا يفتح الباب للجميع، بل تمنع القوى الحية والفعاليات الصادقة من موارد الحياة السياسية ومصادر القوة المادية والرمزية، فلا تمويل كما لغيرها ولا مقرات ولا دعم ولا مجال سياسي مفتوح، بل إنها ممنوعة حتى من ابتكار الوسائل والأساليب الذاتية للتمويل والتوسع وتقديم المقترحات والمشاريع.

ورغم أن “كليب” كان عادلا في استبداده إلا أنه سيُقتل، سيَقتله ابن عمه “جساس بن مرة” الشاب “المتهور” الذي ثارت حميته على الكرامة التي انتقصت.

على الأكثر انحرف “كليب” أسلوبا ومنهجا أما حكامنا فانحرفوا منطلقا ومقصدا ومنهجا.

وعلى الأقل “كليب” كان مستبدا عادلا أما حكامنا فمستبدون..، مستبدون وفقط.

فيا ليت حكامنا اقتدوا بكليب !!.