تحلق الأطفال حول زعيمهم الجريء ذي الثالثة عشرة وهو يشير بسبابته إلى رمانة أوشكت أن تسقط من الغصن، فقال لهم بصوت مرتفع وقد اتجهت أعينهم المترقبة في لحظة واحدة نحو أعلى الشجرة الموجودة خلف سور المزرعة التي يملكها حاكم البلدة:

– « انظروا إلى تلك الرمانة الكبيرة في الأعلى، انظروا كيف تشققت قشرتها وتورّدت.»

فصاح أطولهم قامة بعد هنيهات في تحدي وغضب، تاركا رفقاءه يحاولون النظر من خلال الأوراق الخضراء الخارجة من الشباك الحديدي المغروس في سور المزرعة من فوق:

– « اليوم نأكل الرمان! »

وتبعه آخرون ساخطين:

– « اليوم نأكل الرمان!»

ثم تعالت أصوات أخرى أكثر سخطا:

– « لماذا لا نأكل من المزرعة كما يأكل الكثيرون؟»

– « منذ عرفت الدنيا وأنا أحلم بمضغ حبة رمان واحدة !»

– « الويل لمن منعنا دخول المزرعة !»

ثم قال آخر يعمل أبوه شرطيا، بشكل آلي وبنبرة أقل سخطا وحدة:

– « إن السيد حاكم البلدة رجل كريم جواد، يعطي ما يشاء، وقتما يشاء، لمن يشاء.»

وأضاف طفل آخر مصححا:

– « فقط لمن يشيد بعبقريته ومنجزاته، ولمن يتقن الركوع أمام باب مزرعته وعند مرور موكبه. لقد سمعت أبي يقول هذا لأمي في إحدى ثوراته، وكانت تلك المرة بسبب مطالبتها إياه إحضار نصف دجاجة مذبوحة. »

وتبادل الأطفال ما تُغمْغِم به ألسنة آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم من حكايات ونوادر وأسرار حول حاكم البلدة ومزرعته المترامية الأطراف. فقيل إن الحاكم يكره الأتقياء والأذكياء على حد سواء، وأنه يأكل بملاعق من ذهب، وأنه ينام أحيانا مع عشرة نساء على سرير واحد، وأن ما يُنفَق لتحضير وجبة واحدة له كاف لإطعام أهل البلدة لسنة كاملة، وأنه قد يأمر في غضبه ببتر ساق أو قطع كف، أو بخطف آدمي أو فصل رأس، فينفذ أمره كأنه قدر صاعق، وأن رمان المزرعة له قدرة عجيبة على معالجة أمراض النحول الشديد والحكّة والاضطرابات النفسية، وأن من أكل من بعض الأشجار صار غنيا وبات الناس يفرون منه كأنه ليث. لكن الأطفال أجمعوا على أنه يحب من يركع له ولمزرعته. وساق أحدهم مثالا على ذلك فقال إنه سمع أباه يذكر لجليسه في المقهى أن أحدا كان يطيل الركوع قبالة أحد أبواب المزرعة ويخشع في ركوعه كأنه تمثال من صخر، فطار الخبر إلى السيد الحاكم فأمر بإحضاره فورا، وجعله من خدمه، وأعطاه حق التصرف في ثلاثة أشجار من مزرعته الخالدة.

فقال طويل القامة بفرح كأنه عثر على كنز:

– « لنذهب إلى أحد أبواب المزرعة ونركع أمامه لساعات، فيبلغ ذلك إلى السيد حاكم البلدة فيأمر لنا بشيء من رمان مزرعته.»

وهمّ الأطفال بالذهاب لكنهم تراجعوا لمّا نطق أصغرهم سنا بلهجة صارمة مشمئزة مفعمة بالصدق، وكان طفلا قليل الكلام كثير التأمل:

– « أفّ لكم ولما تعتزمون فعله، لن أذهب معكم ولن أركع لمخلوق!»

فتبادل الأطفال في صمت نظرات الحزن والمهانة وشعروا أنهم وقعوا في خطأ عظيم.

وفجأة صاح كبيرهم باعتزاز:

– « لن نركع لمخلوق! لن نركع لغير الله!»

وردّد الأطفال بصوت واحد:

– « لن نركع لغير الله!»

وأطبق الصمت من جديد. إذ لم تكن ثمة وسيلة للتسلل إلى المزرعة المحروسة ليلا ونهارا من طرف الأشخاص المرابطين أمام الأبواب الصغيرة، ومن طرف الجنود المتمركزين ببنادقهم في أمكنة استراتيجية خلف الجدار السميك.

وبغتة قال طفل آخر بنزق:

– « لماذا لا نذهب إلى حارس الباب الرئيسي ونعرض عليه رغبتنا مقابل ما نملك من دراهم؟ لقد قال جدي يوما إنه لم ير في حياته أجشع منه، وأنه رجل يتحلب ريقه لرؤية درهم واحد، فكيف بدراهم؟»

لكن صبيا قاطعه مشككا:

– « لا فائدة من ذلك، لقد سمعت أمي تطلب من أبي أن يدفع مالا إلى حارس المزرعة الرئيسي ليسمح له بالدخول إليها والأكل من ثمرها فيصبح لنا بيتا واسعا، وماء، وكهرباء، لكنه نهرها قائلا أن حارس المزرعة لن يلتفت إلى الفتات الذي نملكه، فخرست أمي منذ ذلك اليوم كأنها قبر، واستراح أبي من طلباتها.»

وتعالت أصوات مؤيدة لتقديم النقود وأخرى معارضة. وفي الأخير حُسِم الخلاف لصالح المؤيدين إذ رأوا أنهم صغار لا يريدون إلا ملء بطونهم، وأن بصرهم لن يمتد إلى أكثر من شجرة، وأن حارس الباب الرئيسي المعروف بجشعه لن يرفض عرضهم. فجمع الأطفال الدراهم عند كبيرهم وانطلقوا في اتجاه الباب الرئيسي للمزرعة، تحدوهم رغبة جامحة للظفر بالرمان.

وبعد ساعتين وصلوا إلى باب حديدي عريض صقيل تزخرفه نقوش وآيات قرآنية، على يساره يجلس فوق كرسي جلدي أسود فاخر رجل سمين حسن الهيئة، مشدود إلى حزامه هاتف لاسلكي.

كان المكان خاليا رهيبا لا يجرؤ أحد من سكان البلدة على الدنو منه. فتردد الأطفال في التقدم نحو الرجل السمين، وكادوا يعودون أدراجهم لولا أن أحدهم لاحظ أن الحارس يغط في نوم عميق، وأن الباب الحديدي غير مغلق.

وتقدم كبير الأطفال نحو الباب بخطى سريعة غير مسموعة كأنه شبح، ورمق الرجل النائم في أقصى اليسار، ثم التفت إلى أصحابه بوجه ماكر وأسارير منفرجة، ودلف إلى الداخل كالبرق. فتبعه الآخرون على التو.

واضطرب الأطفال قليلا لما وقع بصرهم على جندي بعيد شيئا ما ينظر إليهم بلا مبالاة كأنه يفكر في أمر ما، لكنهم استعادوا هدوءهم لما قال لهم كبيرهم بنبرة واثقة أن الجنود لا يقدرون على تحريك ساكن ولا إسكان متحرك دون إذن الحراس بالزي المدني، وخاصة الحارس الرئيسي، وأنهم الآن مأذونون ماداموا قد دخلوا من الباب الكبير.

آنذاك انهالت الأيادي الجائعة على الأشجار المنظمة بعناية فائقة. وقطف زعيم الأطفال أول رمانة، وفتحها دونما جهد، لكنه قذفها بعيدا بحركة مشمئزة لأنها فاسدة. ثم نزع أخرى فإذا هي مفككة الأجزاء، متباعدة الحبات، ينخرها الدود. فألقاها أرضا متقززا ثم نظر إلى أصحابه باستغراب، فوجدهم يفتحون الرمان ويطرحونه أرضا بتقزز أكبر.

وتبادل الأطفال نظرات الذهول والتقزز. وتوقفوا برهة عن القطف، وقد اجتاحتهم نوبة عارمة من الحنق. ودونما كلمة، ساروا نحو أشجار أخرى يقطفون الرمان بأنامل نزقة متوترة بحثا عن ثمرة سليمة. إلا أنه كان كلما فتح أحدهم رمانة وجدها عفنة، يسكنها الدود. وتيقن الأطفال خائبين من فساد المزرعة. وانسحبوا إلى الخارج غير مكترثين بخطر أو تهديد، وقد أخذ منهم الجهد، وأخرستهم الصدمة. وتوقفوا لحظة والتفتوا إلى الرجل السمين، فألفوه جثة شبه هامدة. فنظروا إلى بعضهم البعض نظرات ذات مغزى، وتابعوا سيرهم قافلين نحو صخب البلدة وهم يتساءلون في ذهول واشمئزاز:

– « لماذا يحرس الجند مزرعة فاسدة؟!»