نشرنا في موقع جماعة العدل والإحسان المقموعة ظلما وعدوانا www.aljamaa.net بتاريخ 7/11/2006 مقالا تحت عنوان “لكم الله يا أهل تنغير” تضامنا مع ضحايا الفياضانات التاريخية التي اجتاحت واحة تودغة في الأسبوع الأخير من أكتوبر 2006، وفي المقال استنكار لإهمال السلطات لواجبها تجاه هؤلاء المتضررين، واستهزائها بهم من خلال زيارة وفدها وإعلامها الرسميين اللذين لم يكلفا نفسيهما عناء الوقوف على حجم الكارثة وبث حقائقها، وتذكير بالتهميش التاريخي لمنطقة تنغير التي تعتبر واسطة العقد فيما سماه الجنيرال ليوطي بالمغرب غير النافع le Maroc inutile.

ونعود لهذا الموضوع لندق ناقوس الخطر ثانية، منبهين إلى الظروف المأساوية التي يعيش فيها اللاجئون في خيام حارة المرابطين المدمرة عن آخرها، وتفاقم أوضاعهم مع موجة البرد التي تعرفها المنطقة، وأحوال المنسيين في مداشير أمزاورو وأيت امحمد وباقي الدواوير المحادية للوادي على امتداد الواحة، ممن جرفت السيول متاجرهم وممتلكاتهم ومنازلهم وماشيتهم… وتركتهم عرضة للضياع والتشرد. كما أن استصلاح الأراضي الزراعية التي غمرتها الفياضانات، أو جرفتها، أو غطتها بجبال من الترسبات…أمر فوق طاقة فلاحين بسطاء لا يملكون سوى فؤوسهم العتيقة، وإمكانيتهم المحدودة.

وإذا كانت القبائل، والجمعيات المحلية قد برهنت، مشكورة، من خلال تحركها عن روح التضامن، وقيم التكافل الاجتماعي المعتاد عند أهل هذه المناطق، فإنه على كل حال جهد المقل أمام هول الكارثة، لكنه يفضح تمادي المخزن في استخفافه بالآلاف من المواطنين في المغرب المنسي. فلحد الآن لم تقم السلطات بجرد للخسائر، وإحصاء للمتضررين، لمعرفة حجم الضرر. ولم تتدخل تدخلا جديا لجبر الكسر حتى في جانبه المستعجل، ولم تشرع في برنامج لتفادي تكرار نفس الكارثة…

بل الأدهى من ذلك والأمر أن الضحايا وجدوا أنفسهم مطالبين بالمساهمة في تغذية جحافيل الجيوش والقوات التي تم إنزالها عقب الكارثة، منعا لأي احتجاج أو مظاهرة، “ماقدو فيل زيدو فيلة”.

في مثل هذه الكارثة يتوقع الناس قدوم طاقم طبي متخصص لإسعاف الجرحى والمعطوبين، وطاقم الوقاية المدنية لإنقاذ الغرقى، ومؤونة كافية للمتضررين، ونقل من هدمت منازلهم إلى آماكن آمنة في انتظار أن تبنى لهم منازل تحفظ كرامتهم،إن كانت الدولة جادة فعلا في محاربة مدن الصفيح، وهجرة بؤساء القرى إلى هوامش المدن الكبرى… ولا بأس في تدخل الجيش لسد الفراغ، واستعماله لما يملك من طائرات مروحية، وعتاد…وهو ما لم يتعود عليه الناس إلا إن بلغ إلى علم السلطات أن سائحا أجنبيا من بين من تحاصرهم المياه…

إن تكلفة جبر الضرر لن تتجاوز ميزانية المهرجانات الصاخبة التي ينقل لنا إعلام المخزن وقائعها، ويبلغنا عبر بعض الجرائد خبر عشرات الملايير التي تنفق بسخاء من أجلها… أيها الضاحكون في بيت العزاء، إن ما تسلمته نانسي عجرم في زياراتها للمغرب يكفي لتحسين أوضاع قبيلة من قبائل تنغير، فلماذا هذا التنكر؟ أليس لهؤلاء المشردين من حق على هذه الدولة التي تستحضرهم في الغرم دون الغنم؟ ما أقوى تجاوبكم مع رقصات “الفن” الساقط، وما أصم آذانكم عن سماع بكائنا وصراخنا وأنيننا وآلامنا…ولعل لأهل الرباط العاصمة، مركز القرار، عذر بعد المسافة وحاجز الجبال التي ترد إلينا صدى صراخنا، وقوة مكبرات الصوت في مهرجاناتهم وراء الجبال، وعجز شيوخنا الأمازيغ عن تبليغ حجم الكوارث إلى القواد، أما العمال فهم بعيدون عنا، ولم يخطر على البال يوما أن تنغير تستحق بحجم سكانها وموقعها وتاريخها ومناجمها التي أضحت في ملك “أونا” … أن تكون مركزا لجهة وليس للعمالة فقط.

…تناقلت وسائل الإعلام منذ سنوات صورة لطفل إفريقي يموت جوعا، وإلى جنبه نسر ينتظر اللحظة المناسبة لينقض عليه…لقد وقع أثناء فيضانات تنغير من الوقائع أهول من ذلك ممالا ينقصه سوى آلة التصوير في الوقت المناسب، امرأة تصارع الأمواج لانتشال رضيعها ، وأخرى لإنقاذ بقرتها، وأخريات يجمعن بعض الأثاث والسلع من منزل على وشك الانهيار، أو متجر هو كل ما تملكه العائلة …

أيها الروائيون والأدباء والشعراء، أيها السنيمائيون والفنانون…كفاكم نسجا من خيال فهذه حقائق تفوق الخيال، هذه عمورية تبكي ولا معتصم يجيبها…أيها السياسيون والحقوقيون والإعلاميون أين شعاراتكم؟ أين تضامنكم؟ أيها المغاربة من يرفع عن تنغير جور المكوس والضرائب، ويقف معها في هذه النوائب، ويفك عنها طوق التهميش؟ إنها تريد لقمة عيش، ومنصب شغل، أو تأشيرة إلى أرض الخلاص… ولترحل عنها الجيوش فلم يعد فيها محارب، وقد بلغ السيل الزبى…