إن المتتبع للمشهد المغربي، أصبح لا يبذل كبير عناء من أجل فهم الإخفاقات المتتالية والوضع المتردي العام الذي يعرفه المغرب، ناهيك عن حالة الجمود السياسي وهشاشته، خاصة وأن الحالة المغربية المركبة والمتدهورة أصبحت موضوعا للتقارير الدولية في شتى المجالات السياسية والحقوقية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها..

فالوضع السياسي تأثر بشكل غير مسبوق بهيمنة المخزن على القرار والمؤسسات، الشيء الذي أدى إلى إلغاء دور باقي الأطراف السياسية التي ارتضت طواعية الانخراط غير المشروط في اللعبة، مقابل امتيازات ومصالح شخصية وفئوية، المتضرر الأول منها ومن نتائجها الفئات العريضة للشعب المغربي المستضعف.

وهكذا استطاع المخزن أن يفرض سطوته ويكرس استئثاره بالقرار، بتحييده لكل الفاعلين الموجودين أو المحتملين، مع السماح بهامش باهت لإضفاء نوع من المشروعية على أفعاله وممارساته، هذا الهامش يبتغي من خلاله بالأساس الحفاظ على توازنين:

الأول: تحسين الواجهة الخارجية، من أجل تلميع بنيته والترويج لصورته، ولخطاب الانتقال الديمقراطي وشعارات العهد الجديد.. خاصة وأنه مطالب بحد أدنى من التجاوب مع مطالب الإصلاح الديمقراطي المرفوعة أمريكيا والمدعومة غربيا.

ثانيا: الحفاظ على منطق التوازنات، تجنبا لأي انفجار اجتماعي محتمل أو غير متوقع، خصوصا والتردي العام أصبح يشمل العديد من القطاعات الاستراتيجية والحيوية.

أما الوضع الاقتصادي، فحالته لا تختلف عن الوضع السياسي العام للبلاد، فالمغرب أصبح يصنف في التقارير الدولية في أواخر الدول، وذلك راجع بالأساس للسياسات الاقتصادية غير الرشيدة، وبفعل الطبيعة الريعية لهذا الاقتصاد، ناهيك عن مسلسل بيع المؤسسات الاقتصادية الحيوية لأية أمة في المزاد العلني، والذي لا يخفى على أحد من المستفيد منها من شركات عملاقة متعددة الجنسية مقربة من مراكز القرار، هذه الأبواب المشرعة على مصالح الاستكبار العالمي، كانت لها نتيجة مباشرة على الوضع الاجتماعي المتردي، والذي أصبح ينبئ بهزات اجتماعية غير مسبوقة- بحسب التقارير الدولية- نتيجة اتساع الفوارق الطبقية وارتفاع معدلات الفقر.. وتفشي الظواهر الاجتماعية المقيتة من أمية وأمراض وبطالة مقنعة وأخرى في صفوف حملة الشهادات العليا، ناهيك عن بروز ظواهر أخرى جديدة من أمثال “الحريك الجماعي” في اتجاه البلدان المجاورة شرقا وغربا.

كل هذه الأوضاع أثرت بشكل مباشر على جميع فئات المجتمع، إلا أن المتضرر منها بالأساس هم الشباب، خصوصا وأنهم يمثلون فئة واسعة، تعتبر أمل كل أمة ومخزونها الاستراتيجي الذي تراهن عليه في بناء مستقبلها، من خلال وضعها لسياسات ومخططات مستقبلية تقصد تنمية قدراتها وخبراتها حتى تكون دعائم للتنمية وركائز للرفاه المجتمعي.

الشباب: قضية ومشروعيعتبر الشباب قوة دافعة ومخزونا استراتيجيا لكل أمة تطمح للريادة وتبتغي القيادة بين الأمم، فعليهم يراهن لتحقيق التنمية والإقلاع الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي، ففيهم يستثمر لتأهيلهم وتكوينهم حتى يبرّزوا، فيكون ولاؤها لأوطانها وأمتها حافزا قويا لمزيد من العطاء والبذل، وتمسي ريادة أمتهم ومجتمعهم قضيتهم الأولى والمركزية.

على النقيض من ذلك نجد في كثير من البلاد العربية، تهميشا متعمدا لهذا الشباب الواعد، ولا أبالغ أو أجافي الحقيقة إن قلت تدبيرا وتخطيطا ممنهجا لإقصاء الشباب عن دوائر العلوم والمعارف ومواطن القرار والخبرة، خوفا من غد قد تقوى فيه سواعدهم وتتعمق معارفهم، فتكون لهم مطالب ومطامح يمكن أن تعصف بالجاثمين على الكراسي، الجاعلين ولائهم للغرب نحلة غالب ودين انقياد.

أمام هذا التكالب على خيرات بلاد الإسلام ممن بين ظهرانينا، الجاثمين على صدور الأحرار، المستبدين بالقرار، تتضاعف مسؤولية كل من له غيرة على دين الله- الذي حشره الاستبداد في زوايا مظلمة واختزله في طقوس تعبدية فردية بعيدا عن الحياة العامة للمسلمين- وخصوصا الشباب الذين جندت أجناد اللائكية وجيشت جيوش المارقة من بني جلدتنا، وجلبت بخيلها ورجلها لتحويلهم لنماذج غربية مستنسخة لا حول لها ولا قوة للاحتجاج والتغيير، ولا قدرة لها على القيام في وجه الباطل أو مناصرة قضايا أمتها، قد تتمرد مراهقة عندما تلوك خطابا مؤدلجا رخيصا متنكرا للفطرة والهوية والدين، ولكن لا يسمح لها أن تنقل بوصلتها ومركز إشعاعها وعمقها الإيماني لتصبح لها قضية، تعمل لها وتكرس حياتها وروحها لنصرتها.

لقد شنت الغارات تلو الغارات على شباب الأمة، فأولى قادها الاستعمار لما رسخ مناهجه وقيمه وحضارته ونموذجه، وثانيها لما ترك أذنابه من بني جلدتنا الذين تحمسوا منبهرين ومنتحلين لرسمه ومعناه للقيام بإكمال المهمة (فقد سماها عبد الرحمان بن خلدون نحلة غالب عندما يستسلم المهزوم ويجتهد في تقليد الغالب الباغي)، فتحالف السياسي والأكاديمي وغيرهما.. من أجل وأد كل ما يوحي بالدين أو الهوية أو الحضارة التي أظهرها الله على العالمين لما تشبثت بالعروة الوثقى.

وهكذا تصبح القضية والمشروع في حياة شبابنا مسألة مصيرية، نظرا لارتباطها بالمشروع التجديدي الذي يبغي إعادة السيادة لدين الله عز وجل في الحياة العامة للمسلمين، ويقصد تحقيق مهمة الاستخلاف في الأرض تحقيقا للعمران الأخوي.

قضية يعمل لها الشباب لتغيير ما علق بالأمة من رواسب الاستعمار وفتن الليل والنهار، يتدافعون بالمناكب مع من يعاديها ويطلب الأعادي ليستقوي بهم عليها، محاولا تكريس واقع القهر والاستبداد، حين تصادر الحقوق وتنهب الخيرات وتهدر الثروات، ولكن، هيهات هيهات والنصر آت وبشائر الصبح بدأت تطلع وطلائع النصر في الأفق لاحت بإذن الله القوي العزيز.

قضية يحمل لواء مشروعها شباب رحيم رفيق بالأمة صابر على الفتن التي ألمت بها، يصاحبها بالرحمة والرأفة واللين ليداوي جراحاتها، يأخذ بيدها ليعرفها الصادقين ويبصرها ما خفي عنها من حقائق الفطرة ومغزى الوجود التي هي بسببه وجدت، يكشف لها عن حقيقة سؤال الوجود المسكوت عنه ويحدثها عن مصيرها وآخرتها وتشوفها لربها، بعد أن يفتديها ويبذل من أجلها ومعها تحقيقا للعدل والكرامة والحرية نصرة للمستضعفين في الأرض، حقائق طوتها المعاناة اليومية واجتهد الاستبداد الجاثم الرابض على إخفائها مكرا بالليل والنهار.

فأي خطاب هو خطاب الشباب المقتحم من أجل الأمة ومعها، هل خطاب السياسة السياسوية، أم خطاب الحملات الانتخابية، وعود وأحلام زائفة ما تلبث أن تكشف الأيام تهاويها وتصدعها وكذبها، أم خطاب تيئيس واستقالة عاجز عن حمل هموم الأمة وجراحاتها، ما الذي يميز الخطاب الشبابي حاملي الرسالة في غد البعث الإسلامي وغد التمكين القريب.

1  خصائص الخطاب الشبابي:

ينبغي على كل خطاب تجديدي شبابي أن يخط لنفسه معالم يسير عليها، ومنارات يهتدي بها في سيره واقتحامه، حتى لا يتيه في الطريق ولا تجرفه الأحداث وردود الأفعال عن مشروعه وقضيته فهو أصيل وواقعي، وواضح وإجرائي ومستقبلي.

الأصالــة:

أسها ولبها خطاب قرآني له أصوله الربانية، يذكر الإنسان بأم الحقائق، حقيقة وجوده ومنتهى مصيره، يخاطب فيه فطرته التي فطره الله عليها سبحانه، فيعرفه وجهته ويخبره أن لحياته معنى ورسالة، ليجتمع ما تشتت منه ويأتلف شعته ويتوحد همه ويطمئن قلبه، خطاب مليح صريح، وحديث عن الآخرة والموت، حقائق طالما سكت عنها الكثيرون واستحيا من ذكرها بعض من يحسبون على الإسلام، خجلا من أن يوصموا بالرجعية والماضوية أو تقليدا لخطاب الآخرين.

الواقعــية:

يجسدها خطاب رصين له ارتباط بهموم الأمة وواقعها، يعرف آلمها وجراحها، فيسعى جاهدا للتخفيف عنها وحمل أمانة الدفاع على قضاياها والتخفيف من معاناتها، خطاب له فقه بالواقع ومعرفة دقيقة بتفاصيله حتى لا يتهم بالمثالية الحالمة، المنسحبة من الواقع المرير والمستقيلة من جراحات المستضعفين، فهو واقعي يدرك ضرورة المواءمة بين المثال المنشود والممكن المقدور.

الوضوح:

أن يكون القول قاصدا والسير راشدا، وضوح في الأهداف والمنطلقات حتى لا يتهمه الأعداء بالغموض والضبابية، يعبر الشباب عن نفسه بكل وضوح، يجهر بفكرته ويبين قضيته ولا يطلب رضا المخالفين باعتذار أو تبرير، غير أنه مطالب هنا بالحكمة والتماس ما يقتضيه المقام من مقال، فلا يكن ساذجا ويحمل قضيته ما لا يحتمل بدعوى الوضوح، ولا ينجر للمزايدات والجدالات العقيمة التي لا فائدة ترجى من ورائها.

الإجرائية:

خطاب إجرائي عملي له القدرة على تنزيل الأفكار والمشاريع على أرض الواقع، لا يسبح في مثالية عاجزة حالمة، وإنما له قوة اقتراحية قابلة للتفعيل والتطبيق على أرض الواقع متى هيأت لها الظروف، وفتحت الأبواب لتستقبل جهود الصادقين للعمل على إخراجها للناس مشاريع واعدة من شأنها أن تأسس لعمران أخوي يجمع الجهود ويدفع بها لوجهتها السديدة، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين موضحا مهام جند الله: ” الركب يتحرك إلى خير إن شاء الله، لكن العمل الميداني إن لم يدخل في خطة محكمة لها وجهة مدروسة وغاية معروفة، وأهداف مرحلية وقسمة للمهام بين فئات جند الله، لن يؤدي لتأليف قوة التغيير المرجوة، وإن انتهى إلى تكوين تكتل ذي حجم “.

المستقبلية:

يستشرفها خطاب له نظرة استراتيجية، لا يقف عند اللحظة والحدث، وإنما ينظر إلى المستقبل بتحدياته، ويقترح له الحلول المناسبة لكل مرحلة، حاديه في ذلك موعود الله عز وجل للمؤمنين بالتمكين في الأرض، وبشارته بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخلافة الثانية على منهاج النبوة، فالأحداث اليومية قدر من أقدار الله عز وجل، والمؤمن الكيس من ينظر ليومه ويتطلع لغده غذ التمكين، آخذا بالأسباب ومعدا للقوة علما وفهما وعملا.. دون أن يغفل عن آخرته ومصيره والزاد الذي أعده لهذه الإقامة الأزلية الدائمة.

إن أي خطاب يعتمده شباب الفتوة المقتحم في ممارسته اليومية، ينبغي أن يتحقق فيه التفرد والتميز، وذلك لاعتبارات وجيهة أساسية، فهم ابتداء وانتهاء دعاة إلى الله عز وجل، حملة رسالة إلى العالمين، وحملة مشروع مجتمعي تجديدي يقترحونه على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يضيرهم ما لدى القوم من عادات ومفاهيم اليوم – ما تلبث أن تخبو جذوتها- إن اختلفت مع مضامين ومقاصد ما يحملونه من قيم ومبادئ، ليشمر الشباب على السواعد للاجتهاد والإبداع في الممارسة والأشكال، أما وسائل الإدارة والتدبير الحديثة فهم أولى بها من غيرهم، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها وأهلها …

ويظل القصد المعول عليه لدى الشباب هو أن يعمل على تقديم القدوة قبل الدعوة في جميع حركاته وسكناته، حتى يكون مصابيح تنير العتمة للتائهين، وأن يعمل على تأليف القلوب قبل تعريف العقول، تهيئة لخطاب الحق وتحببا في تصديقه، وتشويقا لتطبيقه، فيكون الخطاب والعمل مشمولا بالرحمة والرأفة واللين، وأن يعمل على التعريف قبل التكليف وذلك بتوضيح أهمية الفهم ومنزلة العلم في الخطاب، وأن يراعي التدرج في التكاليف، وأن لا يبدأ الخطاب من حيث انتهى فهمه بل يخاطب الناس على قدر عقولهم ويرتقي بهم مدارج السالكين، وأن يفرق بين فقه الأصل وفقه الاستثناء، فالخطاب في حالة التمكين ليس كالخطاب في حال الاستضعاف، وأن ييسر ولا يعسر ويبسط ولا يعقد ويبشر ولا ينفر. والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.