سؤال:

ما هو سياق رحلتك الأخيرة إلى مصر؟

جواب:

سفري إلى القاهرة كان بدعوة من الأستاذ نصير شمة، الموسيقار العراقي المعروف، بعد أن أخبرني بأن مجال القاهرة أرحب للالتقاء بالفنانين وإيجاد العروض المقدمة من طرف الشركات أو المؤسسات الثقافية الموجودة هناك. وكان من المفترض أن يكون لي معه حفل “ليالي العشق الإلهي” في أواخر رمضان الأخير. لم يقع ذلك بسبب سفريات الأستاذ نصير، فالتقيت المايسترو سليم سحاب وشاركت معه في سهرة بأوبرا الإسكندرية ومنها مباشرة عرضت علي الدكتورة رتيبة الحفني أن أشارك في مهرجان ومؤتمر الأغنية العربية الدولي بالقاهرة، فكانت المشاركة وتم بثها كما تابعتم ذلك على القنوات الفضائية.

سؤال:

كيف تم استقبالك من طرف الجمهور المصري وأيضا المؤسسات الفنية هناك؟

جواب:

استقبلتني المؤسسات المصرية الفنية الرسمية بحفاوة كبيرة لأنهم اعتبروا أن شكل رشيد غلام وقدراته وصوته من الأشياء التي افتقدت في الساحة الفنية عموما، حتى صنفت من “الفقي” أي بمعنى “الفقيه” أي الشيخ، مثل النقشبندي وطه الفشني وعلي محمود وعلي القصبجي وزكرياء أحمد. إذن اعتبرت من الأصوات والقدرات التي يمكن أن تتحمل مسؤولية المحافظة على التراث الغنائي العربي الجميل. الأوبرا هي معقل الفن والتراث الجميل في مقابل القنوات الفضائية التي تبث المسخ الثقافي وما إلى ذلك من فنون التغريب ومسخ الهوية والذوق العربي.

سؤال:

وكيف تلقاك الجمهور؟

جواب:

كانت البروفات عبارة عن سهرات والناس كانوا يدخلون من الصالات الأخرى، حتى الموسيقيون كانوا يشتغلون بحماس لأنهم يفرحون إذا وجدوا صوتا من الأصوات القديمة المقتدرة. استقبلتني الصحافة بحفاوة أيضا، سجلت مع عشرات القنوات والصحف والإذاعات. الجمهور كان مستغربا جدا لأن واحدا من المغرب يظهر أول مرة في المهرجان ويكون بهذه القيمة. والجمهور المصري للإشارة هو جمهور مقتدر خصوصا جمهور الأوبرا، وهو جمهور نخبوي ومثقف وراق جدا.

سؤال:

هل قدمت لك عروض من شركات الإنتاج والتوزيع؟

جواب:

قدمت لي عروض كثيرة لكنها بطريقة التعامل المقترحة لا أحبذها، لأنهم يطلبون احتكار الصوت لمدة 15 سنة. لا يريدون إلا الخامة الصوتية، ليس الأسلوب الغنائي أو الشكل، أي تعاقدا لا يأخذ بالاعتبار إلا الصوت ويتصرف في الأغاني والكلمات والألحان لكن مقابل رافد مالي ضخم. فهناك عقود تصل إلى 300 ألف دولار، ولكن أرفض هذه الأشياء.

سؤال:

لم توقع أي عقد؟

جواب:

لم أوقع أي عقد وأتمنى ألا أوقعه، وألا أضطر لأن أتقيد بشركة معينة تحتكرني.

سؤال:

أنت وقفت الآن على موضوع هجرة الفنانين إلى مصر كيف يبدو لك الأمر الآن؟

جواب:

هجرتي الفنية هي من نوع آخر، أولا أنا لم تفتح لي الأبواب هنا في المغرب وبالقصد رشيد غلام، فقد غلقت في وجهي كل الأبواب، سهراتي تحاصر بالبوليس والجمهور المغربي تابع أن سهرة تلفزيونية منعت في آخر لحظة، وقرارات من وزارة الداخلية ووزارة الأوقاف قدمت لشركات التسجيل والتلفزة المغربية وحتى الصحافة التي لا تذكر اسمي ولا أغاني ولا سهراتي بل حتى كثير من الجرائد تتعامل مع موضوع منعي بطريقة غريبة جدا.

سفري كان لأكسر هذا الأمر ثم إن كثيرا من الفنانين نصحوني بالقاهرة منذ مدة من قبيل صباح فخري ولطفي بوشناق ووديع الصافي وغيرهم، لأنها بوابة الفن العربي ثم لأنهم يعتبرون أن صنفي مفقود في الساحة الفنية وأنا كنت أتمنى أن تكون البداية من بلدي. فقد حاولت كثيرا والله يشهد كم من أموال أنفقت في هذا الباب.

سؤال:

هل ستعود مرة أخرى إلى مصر؟

جواب:

طبعا سأعود إلى القاهرة، لدي الآن برنامج في القاهرة فقد رجعت إلى المغرب فقط لأرى العائلة وسأعود قريبا جدا. لدي برنامج يتضمن 10 سهرات.

سؤال:

لم تجد أي مشكل في الغناء أمام فرقة موسيقية عصرية متكاملة بآلات مختلفة وكورال نسائي وأيضا رجالي؟

جواب:

هل تتساءل من الناحية الفقهية.

سؤال:

لا لم أقصد ذلك تحديدا بل فقط بخطك المعروف الذي يبدو أنه عرف تحولا جذريا.

جواب:

بتاتا. فالسهرات التي كنت أود أن أحييها هنا بالمغرب من هذا النوع أيضا. السهرة التي منعت بالمعاريف فيها فرقة بمجموعة من الآلات الموسيقية.

سؤال:

لكن كورالا نسائيا ردد أغانيك بالقاهرة.

جواب:

ليس لدي حساسية من هذا الموضوع. أنا لا أرغب في الدخول إلى المبحث الفقهي. أريد أن تكون الصورة التي أمثلها جزءا من النظرة الجمالية الفنية التي توجد في مشروع جماعة العدل والإحسان أو في المشروع الإسلامي عموما. لذلك فإحدى الصحف كتبت بالفرنسية: الفنان رشيد غلام مع وضع كلمة الفنان بين مزدوجتين، يعني أن الصحفي شح علي حتى بكلمة “فنان”.

هم يضعون كل الإسلاميين في سلة واحدة حتى إنهم يضعوننا في زمرة الوهابيين المتشددين. نحن نحارب تصور النزعة الإسلامية المتشددة أيضا كما نحارب الميوعة والسفور.أقول نحارب ولا نقاتل حتى لا يفهم من كلامي شيء آخر، يتصورون أن ما نعرضه لا يرقى أولا أن يكون فنا. أنا أتصور أنه لا تعارض بين القيم الإسلامية وهذا الميراث الحضاري الإنساني الفني الموجود، والدليل أنهم يصفون فننا بالأصيل ولا يقصدون به الفيديو كليب ولا عارضات الأزياء والراقصات بل يقصدون فنا لا أستغرب كما أرى وكما يرى مجموعة من الفقهاء أن تغني فيه المرأة أو لا تغني أو تعزف، كما عزفت ورائي في القاهرة نساء على الكمان والقانون وغير ذلك.

سؤال:

غنيت في مصر أمام فرقة موسيقية عصرية ألا تتصور أن يفك هذا عنك بعض الحصار في المغرب؟

جواب:

الحصار هنا بسبب رمزيتي أي انتمائي لجماعة العدل والإحسان، ولا علاقة له بفني. مهرجان فاس للموسيقى الروحية استدعاني مرتين في 2004 وفي 2006 ومهرجان الرباط ومهرجان لمريسة، كما تعامل معي متعهدون لاعتباري أحسن منتوج يمكن أن يقدم في هذا الصدد.

سؤال:

لكن ألا يضعك هذا رهينة تصور أن الدولة تحاصرك، ألم تبادر لتسويق نفسك بشكل آخر بالغناء بشكل آخر مثلا وبعد ذلك قد يكون سماع الجمهور لك مطلبا جماهيريا؟

جواب:

السهرات التي كنت أود أن أقيمها في المغرب هي من شاكلة السهرات التي نظمت في القاهرة وغيرها. لدي الآن سهرة في القاهرة كنت سأقدمها هنا أسميتها “في حضرة وجد” بنفس الريبرتوار ونفس البرنامج. سأغني في أكبر صالة ثقافية في القاهرة تنظمها أكبر شبكة ثقافية هناك. وهو نفس الفن الذي قدمته في قرطاج، ففني يخلو من السياسة ومن الخطاب الإيديولوجي، والفن أرقى من المتغيرات السياسية ويرتبط بصيرورة البشرية عموما. أنا أتكلم فقط في الحب الإلهي والحب النبوي…

سؤال:

أتيحت لك الفرصة في إحدى الإذاعات المغربية وغنيت ورددت كلمة عبد السلام أو سيدي عبد السلام.

جواب:

هذا فقط بسبب بث قرص مدمج “سي دي” لي بهذه الإذاعة.

سؤال:

وهذا موقف سياسي؟

جواب:

بالنسبة لي هذا موقف وجداني، لا أتكلم بشعار إسلامي. وأعطي مثالا لماذا حتى وقت قريب كان الكل يغني عن الحاكم وكان من الضروري أن يغني كل فنان ثلاث أغنيات في السنة، فلماذا استعمل الفنان كبيدق أو بوق سياسي، لماذا لم تتحدث عنه الجرائد بأنه يردد كلاما سياسيا ويمزج الفن بالسياسة. مع العلم أن هؤلاء كانوا يتغنون بالظلم والعدوان لأن الناس في ذلك الوقت كانوا يموتون بتازمامارت ويتحدثون في المقابل عن البناء والنماء .. أنا فني فن سامي ويمكن أن أغني عن حبي ويمكن أن أعتبر خاطئا إذا قمت بذلك في كل المنتديات أما إذا رددت ذلك في مكان يقاسمني نفس الحب فلا أرى مانعا في ذلك. يتصور الناس للفنان دورا مسليا ليس له موقف من وضع سياسي اقتصادي اجتماعي أو وضع تغييري وغير ذلك. إذا لم يكن الفنان يحمل مشروعا إنسانيا حضاريا بغض النظر عن خلفيته الثقافية التي ينتمي إليها فلا يعدو أن يكون مهرجا.

سؤال:

غنيت في مصر أغاني أم كلثوم وابتعدت عن الريبرتوار الإنشادي الخاص بك.

جواب:

هذا كان اختياري ثم إنني أخبرت بالمهرجان بشكل متأخر ولم أعد أوراقي. ثانيا لا أريد أن أعرض على الجمهور ثلاثة أشياء جديدة أفاجئه بها، هي المغني، المعزوفة والأداء، فأنا غنيت شيئا قريبا من الجمهور تواطأ على أنه شيء راق وجميل، وتركت له الحكم على الأداء والخامة الصوتية. هذا من جهة ومن جهة ثانية أردت أن أكسر تصور أن الإسلاميين ضد الفن، لسنا ضد أم كلثوم ولا رياض السنباطي وغيرهما، نحن ضد التفسخ عموما. أنا غنيت “القلب يعشق” وهي أغنية روحية وأغنية أخرى لرابعة العدوية وهي روحية أيضا، ولا مانع أن يتغنى الإنسان بالحب العذري الطاهر وهو من الشعر العربي وهو شيء جميل، فقد غنيت رباعيات الخيام ولا مشكلة إن غنيت المتنبي وغيره.

سؤال:

ألم يكن هذا فقط حنينا لبداياتك الفنية، أنت الذي كنت معروفا برشيد الموتشو المولع بترديد أغاني أم كلثوم؟

جواب:

لا، فتح المجال لي قبل سنوات وكنت منذ عمر 13 سنة من نجوم الغناء بالمغرب ولو رغبت في الذهاب إلى القاهرة في ذلك الوقت لكنت من نجوم الغناء العربي. هذا لم يكن حنينا، بل فقط هو السعي لإعطاء فن جميل راق وأن أقول إن هذا التراث الإنساني الموجود عندنا ومن بينه أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب وغيرهما من الفنانين الكبار فيه كثير من الأشياء المشتركة التي يمكن غناؤها في أي وقت وفيه أشياء أخرى يمكن أن يتورع بعض الناس عن ترديدها.

سؤال:

هل ستسجل أشرطة أو ألبومات جديدة؟

جواب:

لدي مجموعة من المشاريع وهناك ألبومات سجلتها لم تخرج إلى السوق، بسبب مشاكل القرصنة ودعم الإنتاج وغيرها وأنا صرت ممنوعا الآن وكل شركات طبع الكاسيط وال”سي دي” لا تستطيع التعامل معي.

سؤال:

أثناء مغادرتك المغرب والعودة إليه ألم تقابلك مشاكل أمنية؟

جواب:

في العودة فتشت ملابسي بدقة حتى غلاف الحقيبة فتحوه. كانت صورة استقبال “جميلة” جدا و”بحفاوة” كبيرة.