إن مع “أهل الله” من الفطنة ما يعرفون به ويدركون حاجة الناس لوسائل العيش والحياة.

فيقول “نافع بن جبير”:

“إنك من أهل الدنيا ما دمت فيها .. ولا غنى لأهل الدنيا عما يصلحهم”..

بل لنطالع هذين النصين لقطب من أقطابهم هو “سعيد بن المسيب” رضي الله عنهم أجمعين.

يقول أولا:

“إن الدنيا نذلة، وهي إلى كل نذل أميل .. وأنذل منها من أخذها بغير حقها، وطلبها لغير وجهها، ووضعها في غير سبيلها”!!

ثم يقول مرة أخرى:

“لا خير فيمن لا يحب هذا المال ليصل به رحمه، ويؤدي أمانته .. ويستغني به عن الناس”.

كما كان يشير إلى أمواله ويقول:

“أصون بها ديني وحسبي”.

فالدنيا النذلة  كما وصفها سعيد  والتي هي إلى كل نذل أميل .. إنما تكون كذلك وفق الغرض الذي نتوخاه منها والحافز الذي يدفعنا ويسوقنا إليها، ووفق الوسيلة التي نتوسل بها.

وهكذا نراها في صورتها الأخرى ليست نذلة ولا إلى كل نذل أميل بل هي فرصة المؤمن الصالحة الطيبة إلى يوم معاذه وحسن مآبه. فما الذي غير الصورة؟. إنه نوع العلاقة التي تربط الإنسان بدنياه..

وهكذا لم يعد المال وسيلة تستخدمها في تأفف وضجر .. بل هو عون صالح يحب، شريطة أن يكون في مصادره، وفي مصارفه، وفي مسيرته كلها كما قال “أهل الله” مما فصلناه خلال الصفحات السالفة  من حلال طيب يجيء.. وفي حلال طيب ينفق .. لا نتهالك على جمعه .. ولا نبخل به أو نسرف فيه .. ثم نترك لغيرنا حقه فيه، فلا نأخذ منه فوق كفايتنا..

على أن “أهل الله” حين يكون الأمر متعلقا بهم، والمصير مصيرهم، فإنهم لا يريدون من الدنيا إلا مثل حسو* الطائر.

إن الدنيا  ذلك المسرح العريض لكل رغبات الناس وشهواتهم وطموحهم، واجتماعهم وانفضاضهم .. الدنيا بكل أسواقها الهائجة ومهرجاناتها المائجة، لا تعنيهم ولا ينبغي لهم أن يحسوا لها وجودا.

وهم يدفعون ثمن ذلك من زهدهم وجهادهم وإخباتهم، والعيش مع شظفها، والتدثر بالحرمان منها.

يقول “جعفر الصادق”:

“إنما الدنيا للعارفين كفيء الظلال”.

الدنيا كلها مهما يطل العمر فيها  كلحظات الظل التي يقضيها المسافر تحت أفنان شجرة ثم يقضي.. فلماذا يشغلون إذن بأموالها ومتاعها وفتنتها وأهوائها؟!

إنها فرصتهم لطاعة الله، ولتقديم الصالحات الباقيات التي سيحيون فيها إلى جوار الله، وفي فردوسه الأعلى خالدين مخلدين.

أما بعد ذلك، فلا تعرفهم الدنيا ولا يعرفونها.

يقول “إبراهيم التيمي”:

“تمثلت نفسي في النار، أعالج أغلالها وسعيرها وآكل من زقومها، وأشرب من غسلينها .. فقلت يا نفسي: أي شيء تشتهين؟ قالت: أرجع إلى الدنيا فأعمل عملا أنجو به من هذا العذاب..

“ثم تمثلتها في الجنة مع حورها  ألبس من سندسها، وإستبرقها، وحريرها، فقلت يا نفسي: أي شيء تشتهين؟ قالت: أرجع إلى الدنيا، فأعمل عملا أزداد به من هذا النعيم..

“فقلت لها: ها أنت ذي في الدنيا فاعملي”!!

إنهم يرفضون أن يكون للدنيا في قلوبهم مكان.. بل وفي إحساسهم  مجرد الإحساس ..

فسلامتهم من إغرائها لا تتمثل فقط في الزهد فيها والاستغناء عنها، بل وفي فقدان الشعور بوجودها.

يقول “أبو الأبيض”:

“اعلم أنك لن تسلم من الدنيا، حتى لا تبالي من أكلها من أحمر أو أسود”.

إنهم ليسوا أتقياء وحسب، بإبقائهم الدنيا بعيدا منهم، بل أذكياء أيضا..

فأمامهم آلاف من المشاهد والصور، لناس كانت الدنيا معهم بالأمس تضمخهم بعطرها، وتغرقهم بخيرها.. وفجأة تولت عنهم إلى غيرهم، وغدا إلى آخرين.. وبعد غد إلى سواهم.

يقول “محمد الباقر”:

“الدنيا مثل مال أصبته في منامك، فلما استيقظت لم تجد معك منه شيئا”..

فلماذا ينخدعون لها، ويعيشون متوقعين ضرباتها ومفاجآتها؟ حسبهم منها ما لا يخلف فقدانه الحسرة والعذاب.

وليضحكوا مع “جابر بن زيد” وهو يحكي غبطة روحه قائلا وكأنه يشمت في الدنيا التي لم تستطع اصطياده:

“ما أملك من دنياكم إلا نعلين قديمين وحمارا”!!

وليضحكوا كذلك في غبطة مع “الحجاج بن الفرافصة الباهلي” الذي يقف في السوق عند أصحاب الفاكهة، فيُسأل ما تصنع؟ فيقول مشيرا إلى الفاكهة:

“أنظر إلى هذه المقطوعة الممنوعة”

مشيرا بذلك إلى فاكهة الجنة التي أعدها الله للمتقين من عباده، والتي وصفها القرآن الكريم فقال: “لا مقطوعة ولا ممنوعة”.

———————————–

*حسا الطائر الماء حسوا ولا يقال شرب قال الأزهري: تقول العرب” نومه كحسو الطير” إذا نام نوما قليلا و”يوم كحسو الطير” إذا انقضى بسرعة.