انتهاكات جسيمة باسم “المقدسات”!!

مواطنون كثيرون ظُلموا وانتُهِكت حرماتهم وسُلبت حرياتُهم وحقوقُهم، وسِيقوا إلى مراكز التعذيب والاستنطاق، ولُفقت عليهم المحاضر وزُجّ بهم في المعتقلات السرية والعلنية، ومنهم من أُزهقت روحه في هذه المعتقلات بغير حق…والتهمةُ اللاقانونية كانت دائما هي “المس بالمقدسات”.

كان هذا فيما يُنعت بالعهد القديم، “عهد تازمامرت”، ولا شيء الآن، بعد مرور أكثر من سبع سنوات على تولية الملك محمد السادس، يؤكد أن هذا الظلم وما يتفرع عنه من بشاعات لن يتكرر فيما يُوصف بالعهد الجديد، لأن الأساس ما يزال قائما لمّا يُنقضْ، وما تزال العقلية التي أنجبت تلك الفظاعات في حق مواطنين أبرياء هي السائدة مع بعض “الروتوشات” التي لم تتجاوز حدّ الأشكال والأصباغ. ولعل من أبرز تجليات هذه العقلية الاستبدادية متابعةَ الناس بتهمة “المس بالمقدسات” وسجنَهم وتقييدَ حرياتهم وسلبَ حقهم في الرأي والنقد والتعبير والتنظيم، لأنهم، ببساطة، ضد الدولة المخزنية ومع دولة العدل والحقوق والحريات والمؤسسات المسؤولة.

وما تزال تهمة “المس بالمقدسات” مرجعا للكثير من التجاوزات والانتهاكات والخروقات، مع أننا لا نجد لهذه التهمة سندا من نص دستوري أو قانوني، لأن الأصل، في القاموس الحقوقي، أنْ لا جريمة إلا بنص. فمن أين اكتسبت عبارة “المقدسات” هذه الشحنة الإرهابية القمعية؟ وكيف وقع السياسيون والإعلاميون والمفكرون وسائر المثقفين، إلا من رحم ربك، فضلا عن عامة المواطنين، في هذه الأحبولة اللاقانونية القاتلة؟

“المقدسات”، بصيغة الجمع، بدعةٌ مخزنية خالصة

المغاربة متوسطو التعليم، عموما، يعرفون، إلى حدّ ما- وهُمْ أهلُ مكة- ما تعنيه عبارة “مخزن” في واقعنا المعيش. ومع ذلك، ولأنني أستعمل هذه الكلمة ومشتقاتها في كلامي كثيرا، فإني أريد هنا أن أذكر عموم القراء، في عبارات موجزة، بمفهوم هذه الكلمة في الاصطلاح السياسي المغربي، حتى يكون حبلُ التواصل فيما بيننا أقوى وعُرى التفاهم أوثق.

المقصود بالمخزن، في الاصطلاح المغربي السائر، نظامٌ سياسي قوامُه ملكية وراثية، يستبد الملك فيها بمطلق السلطات، لا فصل فيه بين سلطة تشريعية وأخرى تنفيذية وثالثة قضائية، وما الحكومة والوزراءُ والبرلمانُ والمجالس العليا وسائر مفردات “الدولة المخزنية” الرسمية إلا أعوانٌ وتوابعُ يأتمرون بأمر الملك، ينفذون تعليماته، ويتبعون توجيهاته، ويهتدون بسياساته. ومع هذه السلطات المطلقة، تشريعيا وتنفيذيا وقضائيا، فالملك، بنص الدستور، مقدسٌ لا تناقش خطاباته وقراراته، فهو فوق المناقشة والمراجعة والتقويم والمحاسبة. وإلى هذا كله، فالملك، بنص الدستور دائماــ وهو دستور ممنوح في أصله، لأن الملك “صنعه بيده”، حسب عبارة الملك الراحل، غفر الله لنا وله ــ هو “أمير المؤمنين”، وهو ما يعني، في التفسير الرسمي، أن الكلمة الفصل في شؤون الناس الدينية ترجع إليه وحده، لأنه هو الوحيد الذي يجتمع في يديه أمْرَا الدين والسياسة. فهل وراء هذا الاستبداد من استبداد، يا عباد الله؟َ

وأنبه أن استعمال كلمة “استبداد” هنا هو استعمال لغوي بريء، ليس يُقصد منه سبّ ولا قذف ولا إهانة ولا تجريح؛ في لسان العرب: استبدّ فلان بالأمر إذا انفرد به دون غيره…إذن، أليست مؤسسة الملك تنفرد بجميع السلطات دون غيرها من المؤسسات؟ ألم يخاطب الحسن الثاني، غفر الله لنا وله، أعضاء مجلس النواب، سنة1963، قائلا: “…إن الوزراء هم أعواني، وأنتم[يقصد النواب] كذلك أعواني…”؟ أليس هو القائل: “إن الدستور لم يمنح الممثلين سلطات، بل منحهم التزامات…”؟ ألم يؤكد الحسن الثاني استبداد الملك بجميع السلطات حين قال: “إذا كان هناك فصل للسلطات، فإنه لا ينطبق على مستوانا، بل على المستوى الأدنى”؟

وأرجع، بعد هذا التوضيح، إلى السياق الذي كنت فيه.

التقديس، في اللغة، معناه التنزيه. والمُقَدّس هو الطاهر من النقائص والعيوب، الكامل الصافي من شبهات النقص والضعف والافتقار. وهذه المعاني لا تنفك تدور على ما له رسوخ في العقيدة الدينية التي لا يفيد معها غير الإيمان والتسليم. و”القُدّوس” من أسماء الله، تعالى، وهو الطاهر أو المُبَارك، كما في “القاموس المحيط”. وفي “مقاييس اللغة” لابن فارس: “القاف والدال والسين أصل صحيح، وأظنه من الكلام الشرعي الإسلامي، وهو يدل على الطهر…وفي صفة الله تعالى: “القدّوسُ”…لأنه منزه عن الأضداد والأنداد، والصاحبة والولد، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا”.

هذا، باختصار، ما تقوله اللغة التي بها نتواصل، وما تبينه دلالات الألفاظ التي بها نتفاهم.

فما علاقةُ عالم الطهر والكمال والتنزه عن العيوب بالسياسة وما يدور في عالمها مما مرجعه إلى اختيار الإنسان واجتهاده وترجيحه، وهي أفعال لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن تنفصل عن النقص والضعف، بل والخطأ والظلم في كثير من الأحيان. وهذه حقيقة لا تحتاج إلى إثبات، لأنها من المسلمات الواضحات، وما سمعنا رجلا سياسيا، في يوم من الأيام، مهما بلغ من السطوة والاستبداد، يصرح بأن رأيه ونظرته وسياسته تمثل الكمال الذي ما بعده زيادة، والطهرَ الذي لا يناله عيب أو دنس، إلا أن يتأله على طريقة فرعون، الذي خاطب ملأه محاولا إقناعهم بأن موسى، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ليس نبيا مُرسلا، وأن دعوته التوحيدية إنما هي باطل وافتراء: (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إلاه غيري…الآية38 من سورة القصص) و(ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد(غافر/29))؛ وقد خبّرنا القرآن ماذا كانت عاقبة فرعون وجنوده: لعنةٌ في الدنيا، (ويوم القيامة هم من المقبوحين).

في جملة، السياسيون هم أقرب الناس إلى الدنس والضلال، ولذلك كانوا أحوج الناس، في كل وقت، إلى من ينصحهم ويذكرهم ويقومهم ويوجههم، والطامة كل الطامة، بل العبث كل العبث، أن يصبح السياسيون، بقرار من أهوائهم، مقدَّسين مسلوكين في المقدسات الدينية التي يجب بها الإيمان والتسليم.

إن “المقدسات”، في الخطاب السائد، كما ذكرت قبل قليل، لا تستند إلى نص قانوني يبين ماهيتها وحدودها وعددها، وكل ما هنالك هو اجتهادات وتأويلات تكمن وراءها مشارب متباينة وأغراض متعددة، فضلا عن الدعاية المخزنية المكشوفة والمغَلَّفة، التي تسعى من خلال توسيع مجال استعمال هذه الكلمة إلى ترسيخ قداسة النظام السياسي وكل ما يتصل به ويصدر عنه.

أما في واقع النصوص الموجودة، فليس عندنا إلا الفصل الثالث والعشرون من الدستور الذي ينص على أن “شخص الملك مقدس لا تنتهك حرمته”. وفي رأيي أن هناك شيئا من التعمد في استعمال وصف “مقدس” في هذا التعبير، وذلك لترك الباب مفتوحا للتأويلات والتخمينات والتفسيرات، على عادة المخزن في صياغة كثير من القوانين.

وترد لفظة “مقدسات”، بالجمع، في الخطب الرسمية كثيرا، من أعلى هرم السلطة إلى أسفلها، وفي الصحافة، وفي كتابات بعض المثقفين، وخاصة من كتاب المخزن، ويكون المقصود بها، في الغالب، معنى مقومات الدولة وثوابت نظامها. لكن التسوية، في الاستعمال، بين مفهومي “المقدس” و”الثابت” أو “المقوم” فيه كثير من الخلط والمغالطة والتعمية، سواء عن قصد أو عن غير قصد.

فما معنى كون الملك مقدسا في هذه العبارة الدستورية؟

هل الملك منزه عن العيوب والأخطاء، مسلوك في أهل الطهر والكمال؟ لا، أبدا، لأنه شخصية سياسية تمسك بزمام كثير من المسؤوليات التنفيذية، فضلا عن كونه من بني آدم الخطّائين. والقول بأنه منزه عن الخطأ لا يقول به عاقل، وإنما هو قول من صناعة الآلة المخزنية الدعائية التي لا تستسيغ أن يُخاطب الملك بما ينبغي أن يُخاطب به كل مسؤول يسير في منعرجات السياسة ويخوض في أوحالها.

أما إن كان المقصود من هذا الوصف الدستوري هو إثبات أن للملك حرمة وحقوقا تجب لها الرعاية والاحترام، فذلك شيء طبيعي، بل هو من تحصيل الحاصل، لكن غير الطبيعي هو لماذا لفظة “مقدس” التي تحيل، في المفهوم الراسخ الشائع، على المجال الديني الإيماني؟ لماذا استعارة المعجم الديني المقدس وإقحامه فيما هو سياسي لا ينفك عن احتمال الخطأ والانحراف والوهم وغير ذلك مما قد يتلبس بالأفعال البشرية من نقائص وعيوب؟

وفي اعتقادي أن الخلط بين المقومات والمقدسات، واعتبارا لما نعيشه في الواقع ونكتوي بناره وإن كابر المكابرون المعاندون وزوّر المخزنيون المأجورون، إنما القصد منه أساسا هو إضفاء العصمة على سياسة البشر، وآراء البشر، وأوهام البشر، وضلالات البشر، وانحرافات البشر، وأخطاء البشر، وجرائم البشر، وسائر ما هو من طينة البشر من تفكير واجتهاد وتخطيط وتدبير.

إن الأصل في أفعال البشر أنها ليست منزهة عن النقد والتقويم، لأنها تحتمل الصحة والتوفيق وتحتمل الزيغ والخطأ. أما تنزيهها ورفعها إلى مرتبة الفعل المعصوم وفرض التسليم والتقديس في حقها، فذلك هو العبث في أبشع صوره، وذلك هو الداء السياسي العضال الذي ما يزال يمثل معدن المصائب التي تسحق حرية الإنسان وكرامته سحقا، وما يزال يمثل الحاجز الأساس دون قيام دولة الحقوق والشورى والمؤسسات المسؤولة.

“مقدسات”، بالجمع، والمقصود مفرد

في الاستعمال السائد اليوم، المقصودُ بالمقدسات هو النظام الملكي والإسلام والوحدة الترابية. وتضيف بعض الاجتهادات عنصري “العروبة” و”المذهب المالكي”، لكن الثلاثة الأولى هي المشهور الذي تكرسه كثير من النصوص القانونية، وخاصة في الدستور وقانون الأحزاب وقانون الصحافة.

والمقصود بهذا الجمع هو المفرد المتمثل في النظام الملكي، لأن أصل “المقدسات” إنما جاء من الدستور الذي نص على أن الملك مقدس. وبفعل الدعاية والتكرار والترويج الواسع والإشاعات وقصص الترهيب المخزني وغير ذلك من الأساليب ترسخ في الوعي الجماعي أن “المقدسات”، بالجمع، إذا ذُكرت إنما المقصود بها الملك ومتعلقاته، حتى وجدنا القانون يجرم إهانة الملك ولا يجرم سب الدين وإهانة مقدساته.

ولـْنفحصْ المسألة من خلال بعض الأمثلة؛ فالشائع الذي يعرفه كل المغاربة أن تهمة “المس بالمقدسات” التي أدت بكثير من المظلومين إلى السجن والتعذيب والموت، هي تهمة كانت دائما لصيقة بواقع النظام السياسي الذي تشكل الملكية عموده الفقري، بل روحه الذي بها حياته وقوامه. وقد يكون الإسلام هو موضوع الاتهام، لكنه الإسلام من وجهة نظر النظام، وكذلك “الوحدة الترابية” تكون تهمة لكن من زاوية نظر المخزن، وهكذا في كل تهمة نجد أن الحاضر الأساس هو النظام الملكي.

ولْننظر إلى الإسلام اليوم كيف تدوس مقدساته وتستهزئ بشريعته وأحكامه وتدنس طهارته ألسنةُ اللادينين وأقلامُ الحداثيين( ) ، ويتبع هؤلاء كثيرٌ من المثقفين الجاهلين والمتعالمين الغافلين، فأين هو القانون الذي يحمي المقدسات الحقيقية للشعب المسلم؟ وها هي ذي المحرمات تسرح وتمرح في كل مكان، فمن يردعها ويدينها؟

وفيما يتعلق بالوحدة الترابية، فقد رأينا الناس تُساق إلى مراكز الاعتقال والتعذيب، ومنهم من اختطف، ومنهم من حوكم، والتهمة هي معارضة الطريقة التي يعالج بها النظام المخزني ملفَ القضية. ألم يكن عبد الرحيم بوعبيد، رحمه الله وغفر لنا وله، وهو رأس الاتحاد الاشتراكي التاريخي يومئذ، من أنصار مغربية الصحراء حتى النخاع؟ ولكن، لأنه عارض الملك في مسألة قبول الاستفتاء، وهي مسألة سياسية اجتهادية مائة في المائة، فقد اعتقل هو وبعض أصحابه، وحكم عليه، سنة1981، بسنة سجنا نافذة، لأن رأي الملك مقدس لا يُعارض ولا يناقش. فالتهمة، في ظاهرها، متعلقة بقضية الصحراء، لكنها، في العمق، متعلقة بالمس بقداسة الملك، أي عدم الامتثال لرأيه بالطاعة والتسليم، لأن الأصل في أدبيات الدولة المخزنية تقديس ما يصدر عن الملك ولو كان خاطئا. وها هي ذي الدولة المخزنية اليوم قد تخلت عن اختيار الاستفتاء، وتسعى جاهدة من أجل إقناع المجتمع الدولي باختيار الحكم الذاتي. والله وحده يعلم بما سيكون عليه الأمر في نهاية المطاف، لأن القضية سياسة في سياسة، واختيار من بين اختيارات، واجتهاد من بين اجتهادات.

إذن، لم يبق من الجمع إلا واحد مفرد، وهو النظام الملكي الذي ربط وجوده بالدين، ورفع نفسه إلى مرتبة الطهر والقداسة، فكان ما كان، وما يزال، من الظلم والعبث وتحكم دولة الجبر والتعليمات التي ما من شاذة ولا فاذة فيها إلا وهي مغموسة في قداسة الملك مطبوعةٌ برشدها وأنوارها.

نعم، لكل أمة ثوابتها واختياراتها وما به يكون قوامها وتمتاز هويتها. لكن التناقض كل التناقض، والعسف كل العسف، هو أن يصبح الفعل البشري مقدسا، والاختيار الفكري منزها، والاجتهاد السياسي حقيقة نهائية، وحينئذ تتحول الدولة، بفعل هذا المسخ، إلى آلة قمع كل همّها تأمينُ الطاعة والتسليم والخضوع للحاكم المقدس.

وإلى اللقاء، إن شاء الله، في مقالة جديدة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مراكش في يوم: 08 نونبر 2006