طالعنا عند نهاية الموسم الجامعي الماضي (2005/2006) وزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، السيد الحبيب المالكي يوم 24 يوليوز 2006 بمدينة الصخيرات، بخطاب يفهم منه من ليس له دراية بهذا البلد الحبيب أن الجامعة المغربية قد فاقت جامعة “هارفرد” الأمريكية بأشواط كبيرة!! أما من يعرف حال المغرب وواقعه فإنه سيطرح احتمالين اثنين، إما أن يكون هذا الخطاب من باب الضحك على الذقون، وإما أن السيد الوزير المحترم يعيش في برجه العالي لا يصله عن الجامعة إلا “العام زين”، وإن صح الاحتمال الثاني فتلك طامة الكبرى.

كانت مناسبة هذا الخطاب هو الاحتفاء بأول فوج تخرج من النظام الجديد حيث ادعى السيد الوزير المحترم أن: “هذه اللحظة تشكل مرحلة متميزة في تطور منظومة التعليم العالي لما تمثله من رمزية متعددة الأبعاد” وأن “هذا الحفل يهم، أولا، فوجا تاريخيا، باعتباره أول فوج يُسجل في النظام الجديد وأول فوج يتخرج منه. فنحن اليوم نحتفي بفوج يجسد بالملموس القفزة النوعية التي تتحقق، بمغربنا العزيز، وتتأسس مع الإصلاح وبواسطة الإصلاح.”1 ومن خلال هذا الكلام يحق لنا أن نتساءل عن المعايير التي استند إليها السيد الوزير حتى خلص إلى اعتبار اللحظة هي لحظة تاريخية، وأنها قفزة نوعية تتحقق بالمغرب.

” ففي سياق كلامه تحدث السيد الوزير عن أن “نسبة الحاصلين على شهادة الإجازة في مدتها القانونية قد ارتفعت من % 14 في النظام القديم إلى %22 في النظام الجدبد، وستتحسن هذه النسبة بكثير لأن %51 من الطلبة بقي لهم استيفاء بعض الوحدات فقط للحصول على الإجازة”2 ومن خلال هذا الكلام يبدو لي أن السيد الوزير يعتبر أن نسبة % 8 مقنعة للإصلاح الجامعي لتحقيق قفزة نوعية، وأما نسبة % 40 و % 50 فربما سيعتبرها تحليق وطيران، كما أنه يعتبر حصيلة % 22 حصيلة مشرفة للبلد ويفتخر بها، وفي نظره أن نسبة % 78 من الطلبة الذين لم يحصلوا على شهادة الإجازة في مدتها القانونية ليست بمشكلة، ولست أدري كيف ستتحسن هذه النسبة وغالبية هؤلاء الطلبة لم يحصلوا بعد على شهادة DEUG (شهادة الدراسات الجامعية العامة).

” كما تحدث عن من غادروا الجامعة دون الحصول على شهادة فقد “غادروها و في حوزتهم رصيدا من الوحدات يمكن استثمارها سواء في حياتهم العملية أو عند عودتهم للتكوين مما يكرس مبدأ التكوين مدى الحياة الذي جاء به الإصلاح.”3 وتعليقا على هذا الكلام أسوق للقارئ الكريم كلام من يمارس ويخوض فعلا داخل الساحة الجامعية ويتهمم بمشاكل الطلبة، فالسيد الوزير يتحدث عن مبدأ “التكوين مدى الحياة” وها هي ذي الكتابة العامة للجنة التنسيق الوطني للإتحاد الوطني لطلبة المغرب تتحدث في تقرير للدخول الجامعي الجديد (2006/2007) عن”منع الطلبة الموظفين والطلبة الحاصلين على بكالوريا 2004 و2005 من التسجيل، والاقتصار فقط على الحاصلين على بكالوريا 2005/2006 : كما وقع في كل من: القنيطرة، تطوان ، طنجة ، البيضاء…. ووضع شروط تعجيزية لولوج الطلبة إلى الأسدس الثالث و الخامس كما وقع بكلية الحقوق بجامعة الحسن الثاني عين الشق، وطرد تصفوي لآلاف الطلاب الذين استوفوا سنواتهم الثلاث دون أن يستوفوا كل وحداتهم المبرمجة.”4 وأسوق لكم هنا شهادة للأستاذ عبد الوهاب إيد الحاج وهو أستاذ بكلية العلوم/تطوان الذي يعتقد أنه “كان من الواجب بعد الإصلاح الجامعي بالخصوص بعد تخرج الوفد الأول من الإجازات المهنية أن تمد الجامعة المغربية سوق العمل بالأطر ذات الكفاءة العالية التي يتطلبها عالم الشغل والاحتراف. فيما يرشد السوق هو أيضا إلى الحاجة الميدانية سواء الآنية أو البعيدة المدى التي يجب أن تركز عليها الإستراتيجية الأكادمية للاستجابة للمجتمع والعصر وترفع وتيرة الأداء والتنمية وتحافظ عليها. لكن لاشيء من هذا حصل ، فأغلبية خريجي الفوج الأول من الإجازات المهنية هم الآن عاطلون عن العمل وبدون رؤية مستقبلية واضحة.”5 إن أستاذنا المحترم يتحدث عن الإجازة المهنية فما بالك بالإجازة العامة؟ وأستاذنا الكريم يتحدث عن من حصلوا على شهادة الإجازة المهنية فما بالك بمن حصل فقط على بعض الوحدات في الإجازة العامة؟

” جاء في كلام السيد الوزيركذلك: أن”هذه النتائج جد مشجعة، سيما وأن الإصلاح لا زال في مراحله الأولى”6، وإني لأتساءل عن مدى تكوين هذا “الفوج التاريخي” في نظام لازال جنينيا؟ في نظام لازال في مراحله الأولى التي تجاوزت الثلاث سنوات!! ويبدو أن هذا النظام قد لائم الجامعة المغربية، وهذه الأخيرة قد استطاعت أن تساير هذا الإصلاح، بدليل أن كل موسم دراسي يتم الإعداد له وإعداد مقرراته في الموسم الذي قبله (فمثلا نظام الماستر الذي ابتدأ هذا الموسم 2006/2007 تم إعداده في الموسم الماضي 2005/2006)!!! مما يجعلني أعتقد أن السيد الوزير قد اعتبر أن هذا الفوج تاريخي من حيث كونه فأرا للتجارب!!

” كما لم يفت السيد الوزير التذكير ب”الآفاق المفتوحة” أمام الطالب والطالبة وذلك بإمكانية التسجيل في الماستر وذلك باستقبال 10000 طالب مجاز7، وفعلا فقد عاينت شخصيا هذه الآفاق حين كنت في أحد الأيام واقفا مع زملائي داخل مبنى شعبة الفيزياء بكلية العلوم/ تطوان وإذا بطالبة لم تستطع أن تتمالك نفسها فخرت مغشيا عليها، وفيما بعد تبين لنا أنها إحدى طالبات “الفوج التاريخي” طالعت إحدى لوائح “الآفاق المفتوحة” (لائحة إحدى مسالك الماستر بشعبة الفيزياء) فلم تعثر على اسمها ضمن اللائحة، أي أنها ليست ضمن العشرة آلاف طالب التي ذكرها الوزير بل هي ضمن لائحة الطلبة الذين سيرمى بهم إلى قوارب الموت أو إلى الشارع في أحسن الأحوال.

” ويبدو لي أن السيد الوزير قد نسي أن يذكر أيضا بالوضعية الاجتماعية “الراقية” التي يعيشها الطالب المغربي، ولا أظن أنه كان سيخجل من القول أن الأحياء الجامعية (بروعتها) تستوعب نسبة % 10 من الطلبة الآفاقيين أي المقيمين خارج مدنهم الأصلية والباقي يلجئون إلى سماسرة الكراء8 ليقيموا في مسكن (إن وجد) تنعدم فيه ظروف العيش الملائم بسعر باهظ. هل يعتبر السيد الوزير (نسبة % 10) مؤشر للفشل والتأخر فسكت عن الكلام المباح؟

في الأخير، أقول: إن كلام السيد الوزير لا يستند إلى أي معطى واقعي يجعل منه حقيقة، بل هو ضرب من التعمية والتغطية على الفشل الذريع الذي مني به. ولا يليق بنا في السنة السادسة من الإصلاح أن نروج لمثل هذا الخطاب الدعائي السياسوي الذي لن يزيد الطين إلا بلة، عذرا سيدي الوزير…لا زالت دار لقمان على حالها.

المراجع:

1. خطاب السيد الوزير بمناسبة الإحتفاء بأول فوج يتخرج من النظام الجديد: http://www.dfc.gov.ma/arabe/Ministere/DiscoursdeMrleMinistredu24juillet2006.pdf

2. نفسه.

3. نفسه.

4. موقع الإتحاد الوطني لطلبة المغرب: www.unem.net

5. ذ. عبد الوهاب إيد الحاج: جريدة “الوطن”. العدد 215 السبت 14 أكتوبر 2006.

6. الخطاب نفسه.

7. نفسه.

8. ملف تواصلي أصدرته الكتابة للجنة التنسيق الوطني الموسم الماضي: www.unem.net