تفتقت “عبقرية القائمين” على أمر هذا البلد المبتلى بحكامه، فأبدعت شعارا جامعا مانعا بمناسبة جليلة وهي الدخول المدرسي الجديد، شعار يؤطر رؤيتهم للتعليم، ولأهم الأطراف المتداخلة فيه، وللمقاصد الكبرى من قطاع يعتبر بحق قاطرة نحو تنمية بشرية حقيقية.

فكان “الإبداع” في مستوى المناسبة، وفي مستوى المخزن الذي أبدعه، وهو أن “تتظافر الجهود” لتحقيق مطلب يقاس به التقدم والتخلف وهو مطلب الجودة، فكان شعار الدخول المدرسي هذه السنة هو: “الأسرة والمدرسة معا من أجل الجودة”.

فتعال  عزيزي القارئ- لتعينني على فك طلاسم هذا الشعار الذي “دوخني” وأنا أتأمله مكتوبا على اللافتات، ومعلقا على أبواب المؤسسات التعليمية، خاصة حينما أقارنه بواقع يدرك تلامذة الابتدائي قبل غيرهم أنه واقع كئيب!!!

وأنا أتأمل هذه الهوة السحيقة بين الشعار والواقع، بين الخطاب الرسمي والمعاناة اليومية لكل من الأسر ورجال التعليم والإداريين والتلاميذ.. وأنا أتأمل هذه المفارقة العجيبة الغريبة راودتني مجموعة من الاستفهامات:

1- متى حرص المخزن وأزلامه على عمل جامع، إلا أن يكون جوقة مهرجة تهرف بما لا تعرف، أو تقلب معاني الكلم فتصف الصقور بالحمام والذئاب بالأنعام.

وأي مصداقية لهذا الاستبداد الجاثم على صدور المغاربة حتى يتحدث عن “المعية” بين الأسرة والمدرسة “الأسرة والمدرسة معا..”، وهو الذي حال بيننا وبين كل معنى فيه “م” المعية، وفتح المجال واسعا في المقابل أمام كل ما فيه “م” الإمعية، فلا تسمع إلا أنه: صادر أو أغلق، أو منع أو دجن: المساجد، والمدارس والمصاحف والمحابر والمقرات والمنتديات والملتقيات والمؤتمرات… وفي المقابل شجع أو فتح أو سهل أو زين الملاهي والمقاهي والمراقص والملاعب والمصائب والمؤتمرات والمخافر والمباحث…

2- عن أي أسرة يتحدث الخطاب الرسمي وهو الذي يسلط عليها كل عوامل التعرية ليمعن في ضرب تماسكها المهزوز أصلا نظرا لما تنشره الأجهزة الرسمية من تفسخ وميوعة، ناهيك عما تعانيه الأسرة من تفقير وأمية وعدم استقرار وغلاء في المعيشة، وما شئت من أنواع البلاء الذي يجعلها غير مهيأة ولا مؤهلة لتكون شريكا حقيقيا في موضوع بالغ الخطورة مثل موضوع التربية والتعليم.

فمن يتحدث عن إسهام الأسرة، في ظروفها الحالية، في جودة التعليم كمن يطلب من سكان أحياء الصفيح أن يكون لكل واحد منهم مسبح خاص بكل “برَّاكة”.

3- عن أي مدرسة يدور الحديث، وهي التي أفرغت من كل مضمون حتى سخرت منها السخرية، فخارت مبنىً ومعنىً، وازداد طينها بلة عندما جعل لها “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” يوما سماه “عيد المدرسة”، يوم لا أثر فيه لمظاهر العيد، فكان الأولى أن يكون يوم حداد على المدرسة التي فقدت حرمتها وضاعت هيبتها.

فالمدرسة إن تأملتها مبنى تأسف لحال جدرانها، وتآكل قاعاتها، وتقادم مرافقها، واكتظاظ أقسامها، وقلة حجراتها، وقبح منظرها.. وإن تأملتها معنى لا تملك إلا أن تتساءل عما بقي لها من وظيفة بعد أن أصبح إصلاح التعليم تنزيلا لإملاءات مؤسسات استعمارية جديدة كالبنك العالمي وصندوق النقد الدولي، وما “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” إلا نفخة من كير هذه المؤسسات وإن تمسح بمسوح الوطنية.

ولك  عزيزي القارئ- إن شئت واحدة فقط من تجليات تخلف المدرسة المغربية وهي طغيان الكم على الكيف، الكم في المواد المدرسية، والكم في المقررات، والكم في الدروس المقررة في كل مادة… في وقت ما أحوجنا فيه لكَيْف يستر عيوب التلقين المهيمن على مناهجنا، فلا نعطي ناشئتنا السمك بل نعلمها كيف تصطاده، لا نعطيها كمًّا معرفيا، بل نعلمها الكيف الإجرائي لاكتساب المعرفة.

4- وأما عن ثالثة الأثافي: الجودة، فالأمر أدهى وأمر، وكل من يعرف واقع التعليم بالمغرب، لا يملك إلا أن يقول عندما يسمع حديث أي مسؤول عن الجودة: “إذا لم تستحي فاصنع ما شئت”.

ولذلك قال لي أحد الظرفاء من زملائي الأعزاء عندما حدثته عن الشعار المرفوع عن الجودة، قال: “الأحرى أن يتحدثوا عن “الخُرْدة” بدل الحديث عن الجودة”.

فالجودة بيئة للاشتغال تتوفر فيها كل شروط نجاح العملية التربوية من امتلاك لمشروع مجتمعي واضح، وفلسفة تربوية واضحة، وسياسة تعليمية جريئة ومستقلة في قرارها، ومناهج وبرامج منسجمة، ووسائل تربوية مناسبة، وهيئة تربوية وإدارية مستقرة اجتماعيا، وأسرة واعية ومتماسكة ومصونة الكرامة بما يتوفر لها من كفاية العيش، ومجتمع ينعم بحرية مسؤولة تشجع على الإبداع وتكرم المبدعين، ودولة عادلة تحفظ الحقوق وتحرس المصلحة العامة…

فلمن يُسَوِِّقُ “المسؤولون” أوهامهم إذن، وهم يدركون أن شروط الجودة في تعليمنا تكاد تكون منعدمة، فلِمَ الاستخفاف والأمر كما يعرفون، أم أن من شروط الدخول إلى مربع المخزن والانتساب إلى “المنعم عليهم”، ألا تعير من تلمس فيه النباهة أيَّ اهتمام، وتوجه الخطاب لمن تراه غارقا في الاستحمار! ؟.

معشر الفضلاء، هذا هو المخزن، وهذه طبيعته، شعاراته طلاسم، ومشاريعه أوهام، وأوراشه الكبرى ضرب من الأحلام.. ورحم الله الأسرة والمدرسة والجودة إلا أن يتداركنا القدر في هذا العام، وفي كل عام، ولمن فقه الكَلِمَ مني ألف سلام.