برقم معاملات يتراوح بين 300 و 500 مليار دولار تأتي تجارة المخدرات في المرتبة الثانية في السوق العالمية بعد تجارة الأسلحة وقبل تجارة البترول. وتشكل تجارة القنب الهندي ومشتقاته نصف رقم تعاملات هذه السوق، أي من 150 إلى 250 مليار دولار، والأرباح خيالية.

هناك اختلاف في الروايات التاريخية حول بداية زراعة القنب الهندي في المغرب, فهناك من يرجعها للقرن 12 الميلادي، في حين يرجح آخرون بدايتها في القرن 15. ولقد كانت زراعة هذه الآفة المدمرة تغطي احتياجات السوق الداخلية فقط. ومع بداية الستينات من القرن العشرين، نقل بعض الشباب الأوربي المعروف بالهيبي Hippies تقنية استخراج الشيرا من هذا النبات المخدر إلى المغرب، وهي تقنية تعلّموها من خلال زياراتهم للدول الآسيوية.

في أواخر العام 1994 أنجز المرصد الجيوسياسي للمخدرات l”Observatoire géopolitique des drogues تقريرا سريا سلمه للاتحاد الأوربي أكد فيه أن المغرب أصبح منذ بداية التسعينات من القرن الماضي أول مصدر لمخدّر الشيرا في العالم. وفي 3 نونبر 1995 نشرت لومند le Monde مقالا عن التقرير سبّب إحراجا كبيرا للمسؤولين المغاربة.

منذ ذاك الحين والمغرب لا يزال محتلا للمرتبة الأولى في عالم الشيرا، حيث أنه يغطي ما بين 80% إلى 90% من احتياجات السوق الأوربية، وأكثر من 40% من احتياجات السوق العالمية.

وهي حقيقة تؤكّدها أغلب التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية التي ترصد انتشار المخدّر:

-l”Observatoire Européen des drogues

l”Office des Nation unies contre la drogue et le crime

l”Organe international de contrôle des stupéfiants

l”Observatoire Français des drogues et des toxicomanies

………

هذا النزول للحضيض الذي يشرف عليه المخزن المغربي، يقابله نفاق دول الاستكبار العالمي والسبب هو أن هذه الدول خاصة الأوربية منها تستفيد من 90% من أرباح المخدر مقابل 10% فقط للمسؤولين على هذه التجارة في المغرب، زد على ذلك أن هؤلاء يضعون جلّ هذه الأموال والتي تترواح بين 2 و3 مليار دولار في البنوك الأوربية.

عائدات القنب الهندي تعد ثاني مداخيل البلاد بعد تحويلات المغاربة القاطنين في الخارج وقبل أموال الفوسفاط. أما مزارع المخدر فقد كانت تغطي في بداية التسعينات 70 ألف هكتار، أمّا الآن فقد تجاوزت 150 ألف هكتار، حيث انتشرت بشكل سرطاني في جميع أقاليم الشمال: تطوان طنجة شفشاون العرائش الناضور الحسيمة سيدي قاسم…( 70% من أراضي الحسيمة مزروعة بالمخدر)، كما عرفت السنوات الأخيرة بداية انتشار المخدر جنوب وشرق المغرب. والآن هناك 300 ألف عائلة مغربية تعيش على هذه الزراعة أي ما يعادل مليون نسمة.

أما محاصيل هذه النبتة فتبلغ 130 ألف طن سنويا، يستخرج منها لأجل التصدير أكثر من 3 آلاف طن من الشيرا، تنقل للخارج عن طريق القوارب بحرا، وعن طريق الشاحنات برا، وعن طريق طائرات الهيليكوبتر جوا، ولو استطاعوا لحفروا الأنفاق تحت الأرض من أجل ذلك. أغلب الشحنات تصل للأهداف المحددة لها ما عدا بعض الكميات البسيطة التي تحجز على الحدود من أجل التغطيات الإعلامية الرسمية ( في النصف الأول من العام 2006 مثلا صادرت الجمارك ما مجموعه 8 طن من الشيرا فقط، رقم يذكرنا بالحملة التي قادتها الحكومة سنة 2005 والتي أسمتها ” أقاليم بدون مخدر” وقد كانت نتيجتها القضاء على 4 آلاف هكتار من القنب الهندي فقط لا غير).

تلحق هذه الزراعة بالبيئة أضرارا خطيرة، ننقلها عن استجواب لفاضل أوربي هو عالم الإجتماعAlain Labrouse أحد مؤسسي المرصد الجيوسياسي للمخدرات و مديره بين 1990 و2000، وهو رجل كرّس حياته لفضح الدول التي ترعى المخدرات في جميع أنحاء العالم، وقد كان وراء تقرير 1994 الذي أحدث طفرة نوعية في تاريخ التقارير التي تتطرق لانتشار المخدر بالمغرب، كما نجد اسمه في مجموعة من التقارير جاءت من بعد. يلخص Labrouse في استجواب أدلى به لجريدة لبيراسيون Libération (عدد 6477) هذه الأضرار في ثلاث نقاط:

“1- يؤدي انتشار هذه الزراعة إلى التهام أكثر من ألف هكتار من الغابات سنويا.

2- كما يؤدي لاستغلال مفرط للمياه الجوفية مما يؤثر على الثروة المائية للمناطق الشمالية.

3- ويؤدي أيضا لاستعمال كثيف للأسمدة والمبيدات الحشرية وغيرها من المواد الكيماوية بمعدل طن واحد للهكتار…”

كل هذه المعطيات السابقة وضعت ولازالت تضع المخزن في حرج كبير، فكان أن تفتّقت “عبقريته” عن وضع خطة لذر الرماد في العيون وذلك بتقديم بعض أكباش الفداء للمحاكمة، بدأت هذه الخطة بما سمي “حملة التطهير” للعام 1996، واستمرّ هذا التقليد إلى يومنا هذا (قضية الجبلية  قضية الرماش  قضية بين الويدان…). داخل السجون المغربية تخصّص أجنحة لهؤلاء، يتوفّرون فيها على جميع وسائل الرفاهية، أشهر هذه الأجنحة على الإطلاق جناح سجن طنجة والذي يعد فندقا فوق الخمس نجوم، يتوفّرون فيه على الخدم والحشم ويحكى عنه الغرائب والعجائب والطرائف. أما غيرهم من السجناء فلا بأس أن يموتوا احتراقا أو بسبب انعدام الرعاية الطبية…

هذه القضايا لا يمكن أن تخفي الحقيقة، والحقيقة أن المخزن يعتمد على المخدّر في تحريك اقتصاد البلاد وتشغيل اليد العاملة وإطعام البطون الجائعة، كما أن مسؤولي الدولة كوّنوا منه ثروات هائلة طيلة العشرين سنة الماضية وهم يسعون لتحويل البلاد إلى مزرعة كبيرة للمخدرات.

بفعل هذه السياسة المخزنية “الحكيمة” أصبح المغرب إلى جانب مرتبته “المتألّقة” في عالم الشيرا، معبرا أساسيا للكوكايين والهروين اللذين تصدّرهما أمريكا الجنوبية لأوربا، وقبلة لتبييض الأموال (70 ألف دولار يوميا)، ومرتعا لعصابات المخدرات تصول وتجول بلا رقيب ولا حسيب.

نظام كهذا مصيره إلى مزبلة التاريخ، مع الدول الفاسدة المفسدة التي ذهبت إلى غير رجعة.