رغم أن الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات النصفية بالولايات المتحدة الأمريكية لن يتم إلا بعد أيام فإنه تأكد فوز الديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ. لم تكن هذه النتائج مفاجئة، على الأقل في مجلس النواب، وذلك بالنظر إلى الأخطاء العديدة التي ارتكبها الجمهوريون في إدارتهم للولايات المتحدة الأمريكية. فحرب العراق حسب الأمريكيين بددت أموالا من الخزينة العامة، و كان ضحيتها العديد من الجنود بين جريح وقتيل، دون تحقيق أي أهداف واضحة. والفساد بمختلف أنواعه انتشر في الآونة الأخيرة انتشار النار في الهشيم، وكان أبطاله سياسيين في الكونغرس والبيت الأبيض. وظهرت انقسامات في صفوف القيادات الجمهورية بمجلس الشيوخ حول ما يسمى بالحرب على الإرهاب، خاصة بعد ما لوحظ من نتائج محدودة لتلك الحرب، لا أدل على ذلك مما يقع في أفغانستان والعراق وباكستان. وحدثت تراجعات في مجال الحرية وحقوق الإنسان، بل وتم تقنين تلك التراجعات الخطيرة، لتصدق مقولة “حنة أرنت” في كتابها: “في العنف”، حيث اعتبرت أن أرقى شكل من أشكال العنف يتمثل في الممارسة البيروقراطية التي تقنن القهر والإكراه، دون أن تترك أي مجال للمساءلة. وكانت فضائح أبو غريب وغونتانامو. وكان التشدد ضد المهاجرين إلى درجة المطالبة ببناء أسوار لمنع تدفقهم…

هذه الأخطاء وغيرها ساهمت في خسارة الجمهوريين، عقابا لهم، وليس اقتناعا بما يحمله الديمقراطيين. ولا شك أن لانتقال الأغلبية في الكونغرس إلى الديمقراطيين أثر في الواقع السياسي الأمريكي، خاصة وقد تحقق ذلك الفوز بعد سيطرة كاملة للجمهوريين على صناعة القرار الأمريكي خلال السنوات الأخيرة، إذ ظلت لهم الأغلبية بمجلس النواب منذ عام 1994، وأحكموا قبضتهم على البيت الأبيض منذ عام2000، كما كانت لهم الأغلبية في مجلس الشيوخ، وكانت لهم السيطرة على ولايات هامة، ولعل هذه الهيمنة على المؤسسات السياسية هي التي زادت من غرور الجمهوريين ودفعتهم إلى الإفراط في استخدام القوة.

وأول أثر للانتخابات النصفية تجلى في التخلي عن “دونالد رامسفيلد”، حيث أوضح بوش أنه بصفته قائدا أعلى للقوات المسلحة تفاهم مع وزيره للدفاع وأخبره بأن الوقت قد حان لتعيين قيادة جديدة على رأس وزارة الدفاع. كما أعلن بوش رغبته في التفاهم والتعاون مع الديمقراطيين… إلى هنا لا أرى أن هناك مفاجئات في انتخابات 7 نونبر 2006 بالولايات المتحدة الأمريكية. فهي انتخابات ككل انتخابات لها سياق ونتائج وأثر سياسي. وإذا كان هناك من وجه للاستغراب فهو لا يهم الانتخابات بقدر ما يهم ما أنتج وينتج حولها من خطاب.

هناك إسهاب في الكلام، ونقاش وسجال، ووجهات نظر مؤيدة وأخرى معارضة، وتحليلات من زوايا نظر مختلفة. وشبكة التساؤلات التي نسج حولها كل ذلك هي: هل ستغير هذه الانتخابات من الواقع في العراق وفلسطين؟ هل ستضع حدا للتراجع في مجال الحريات وحقوق الإنسان؟ هل سيكون لضغط اللجان التشريعية الجديدة أثر جذري على السياسة الأمريكية؟ هل سيكون من تغيير في السياسة الخارجية؟ هل ستحد هذه الانتخابات من دعم البيت الأبيض لإسرائيل؟…

وجه الاستغراب أن هذا النقاش يعيد نفسه عند كل محطة انتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية مع أن الواقع أثبت ويثبت أن ما يحدث من تغيير مؤسساتي في ذلك البلد هو تغيير في الأدوار وليس تغييرا في التوجهات، ألم يستنتج “ماركيوز” في تحليله للواقع السياسي الأمريكي، منذ سنة 1964، أن برامج الأحزاب الأمريكية بلغت درجة من التماثل تبدو غريبة ومضحكة، وأن كل معارضة حقيقية في الولايات المتحدة الأمريكية تبدو مستحيلة. أجل هناك مطالب عند الديمقراطيين كمطلب الانسحاب من العراق، إلا أن الجمهوريين هم الآخرون أعلنوا منذ البداية أن إقامة القوات الأمريكية بالعراق ليست أبدية إذ أنهم سينسحبون في الوقت المناسب. قد يكون هناك اختلاف بخصوص الوقت المناسب بين الديمقراطيين والجمهوريين. وهو اختلاف لا تحركه مصلحة الشعب العراقي بقدر ما يحركه الفشل الذريع للقوات الأمريكية، فقد اعترف “رامسفيلد” بعد استقالته أن القوات الأمريكية حسمت الموقف في بداية التدخل في العراق، ولكن مواصلة المهمة بعد ذلك شابتها عدة عراقيل، وأن القضاء على مصادر “الإرهاب” في العراق وغيره يتطلب تنسيقا بين مختلف المؤسسات والوكالات الأمريكية، كما يتطلب تعاونا دوليا…

الانتخابات النصفية الأخيرة لاشك سيكون لها أثر محدود على الواقع السياسي الأمريكي وذلك من منطلق برغماتي محض تحركه مصلحة المواطن الأمريكي، أو بالأحرى مصلحة القوى واللوبيات المتنفذة، إذ سيعمل كل من الديمقراطيين والجمهوريين على تلميع صورتهما أمام الرأي العام وجلب المزيد من دعم تلك القوى واللوبيات، خاصة والانتخابات الرئاسية ستكون بعد سنتين، إلا أن اللعبة الديمقراطية الأمريكية لها مدى محدد لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزه، إنها تضمن الإدارة السلمية للصراع والتنافس، وهذه ميزة نشيد بها، ولكنها لا تضمن تغييرا في الاختيارات والرؤى. والذي يغيب عن بعض المراهنين على تغييرات جوهرية من خلال هذه الانتخابات أنه حتى إذا ما فكر الكونغرس في تمرير قرارات جذرية -وإن كان مجرد التفكير في ذلك مستبعدا- فإن ذلك لن يتأتى لأن الرئيس يملك حق الاعتراض..

لقد سبق للسوسيولوجي الفرنسي “ألكسيس دو توكفيل” (1805-1859) أن تحدث بإعجاب شديد عن الديمقراطية في أمريكا، وأعزى نجاح التجربة إلى عدة عوامل، أولها: خلو الولايات المتحدة من الطبقة الارستقراطية الإقطاعية، لأن وجود هذه الطبقة يرتبط بندرة الأرض، الأمر الذي لم ينطبق على الولايات المتحدة بسبب شساعة الأرض وقلة السكان، ثانيها: الأفكار التي حملها المهاجرون إلى أمريكا والتي كانت تقوم على اعتبار الحرية قيمة أساسية بسبب معاناتهم الشديدة من الاضطهاد الكنسي. ثالثها: النظام الفدرالي بحيث يجمع بين قلة السكان في الفدراليات مما يتيح فرص أكثر للسعادة والرفاه، وبين قوة الكثافة السكانية واتساع المساحة على مستوى الدولة ككل الأمر الذي يجعل من الولايات المتحدة الأمريكية دولة قوية محصنة ضد الأطماع الدولية، ورابعها: قيام التعددية الحزبية على الاهتمام بقضايا عملية بدل الإغراق في نقاش الخلافات النظرية، وخامسها: دعم الدين للتجربة الليبرالية بينما عجزت دول غربية أخرى كفرنسا عن ذلك بسبب تصارع المؤسسة الدينية مع المؤسسة السياسية.

ولا نريد الخوض في هذه المميزات بقدر ما نريد لفت الانتباه إلى أن التجربة الديمقراطية الأمريكية في تآكل متوال. والولايات المتحدة اليوم أكثر تجسيدا لما سبق أن حذر منه “توكفيل” نفسه، حيث اعتبر أن الفردانية والسقوط في الاستبداد وانتفاء الحرية محاذير تهدد المستقبل الأمريكي.

الديمقراطية الأمريكية اليوم تعاني عدة أزمات تحدث عنها مفكرون وكتاب من أبناء جلدة الأمريكيين ك “هربرت ماركيوز” و”روبرت دال” و”نعوم تشومسكي” و”حنة أرندت” و”بات بوكنان” و”جاكوب هاكر” و”بول بيرسون” هذان الأخيران اللذان كتبا كتابا مشتركا سنة 2005 بعنوان: “بعيدا عن المركز: الثورة الجمهورية وتآكل الديمقراطية الأميركية”.

ولعل أفصح تعبير عن أزمة الديمقراطية الأمريكية هي تلك المفارقة بين مشاهد افتخار الأمريكيين في بلدهم بإجراء انتخابات ديمقراطية، ومشاهد محاصرة الولايات المتحدة الأمريكية للديمقراطية في فلسطين. يفتخرون بالتداول السلمي على السلطة في الوقت الذي يشعلون فيه، بشكل مباشر أو غير مباشر، فتيل الصراع والطائفية في العراق ولبنان وغيرهما. يتبجحون باحترامهم لمؤسسات بلدهم في الوقت الذي يتجاوزون فيه مؤسسات الشرعية الدولية. يتحدثون عن حربهم المقدسة ضد الإرهاب في الوقت الذي يقدمون فيه “الفيتو” ََضد إدانة إرهاب الصهاينة في بيت حانون..

إن لب أزمة الديمقراطية في أمريكا يكمن في إطارها الفكري وتوجهها الذي سمته أنانية ضيقة على حساب قيم دينية وإنسانية كبرى.