5- الخطابة وإعلان البراءة من دم عثمان: كانت الخطابة أنجع وسيلة لإعلان علي كرم الله وجهه براءته التامة من دم عثمان، والحقيقة أن استحضار تفاصيل الحدث / الجريمة، واستحضار المواقف الجليلة المتميزة التي تبناها علي، تجعلنا نفهم بعمق سر الحرقة التي كان بشعر بها وهو يعلن براءته من التهمة التي ألصقت به، هذه الحرقة التي وسمت خطبه بحرارة فياضة، وصدق شفاف، ملمح من ملامح عظمة رجل جسد كل معاني الرجولة منذ صباه لأنه ترعرع في أحضان النبوة فكان طبيعيا جدا أن تنصهر في شخصيته كل معالم الإيمان والتقوى والورع و النضج والحكمة والكمال والشجاعة والقوة وسداد الرأي…

وجهت إليه أصابع اتهام آثمة، تومئ إليه بأنه تآمر لمقتل عثمان، فلم يكن بوسعه إلا أن يصعد المنبر، ويخطب في الناس قائلا بكل يقين، وبكل ثقة: ” والله لئن لم يدخل الجنة إلا من قتل عثمان لا دخلتها أبدا، ولئن لم يدخل النار إلا من قتل عثمان لا دخلتها أبدا.”(21) ما الذي يضطره للقسم، ولاستحضار الجنة والنار في هذا المقام بالذات؟ هل كان مطلوبا منه أن يقسم؟ أبدا، إنها الصدمة التي غمرته، والتي جعلته يستغرب تماما مادامت الأصابع قد وجهت إليه، والأكيد الواضح أن معاوية لم يكن ليلصق به هذه التهمة البغيضة لو لم يتول منصب الخلافة، ” وإنما كان سيتجه باتهامه إلى الخليفة الآخر، إلا إذا كان ممن يرضى عنهم معاوية ويطمع في طيهم تحت جناحه.”(22)، فقد كان إدراكه لحقيقة نوايا معاوية سبب الحرقة التي كانت نغمة حاضرة في كل كلمة قالها بخصوص هذه القضية الشائكة، فقد ” أشرف من قصر له بالكوفة، فنظر إلى سفينة في دجلة فقال: والذي أرسلها في بحره مسخرة بأمره ما بدأت في أمر عثمان بشيء، ولئن شاءت بنو أمية لأباهلنهم عند الكعبة خمسين يمينا ما بدأت في حق عثمان بشيء.”(23)، والواضح أنه يجب أن ننتبه إلى خطورة القسم في هذا السياق، إنه قسم متكرر من رجل تشهد سيرته بأنه كان مضرب المثل في التقوى والإيمان والزهد والورع واستحضار الموت وما بعده في كل حركاته وسكناته.

وهناك في الشام كان معاوية يخطب في الناس تحت قميص عثمان المخضب بدمه، محرضا إياهم على الانتقام من قتلته، ومحملا عليا مسؤولية التستر والتواطؤ مع مرتكبي الجريمة الشنيعة، وهكذا لم يتورع من أن يعلن رفضه مبايعته عليا بن أبي طالب الذي ارتضاه المسلمون وبايعوه خليفة عليهم، فبعث إليه برسالة ” ورقة طويلة وعريضة، ليس فيها من كلام مسطور سوى هذا السطر الواحد: (من معاوية بن أبي سفيان، إلى علي بن أبي طالب… وارتسمت على شفتي “الخليفة” ابتسامة مريرة، والتفت صوب مبعوث معاوية الذي قد نهض وراح يتكلم قائلا:

_ أيها الناس، اسمعوا مني، وافهموا عني…

“إني قد خلفت بالشام خمسين ألفا، خاضبي لحاهم بدموع أعينهم تحت قميص عثمان، رافعيه على أطراف الرماح، قد عاهدوا الله ألا يشيموا سيوفهم حتى يقتلوا قتلته أو تلحق أرواحهم بالله…”(24).

عندما احتدم النقاش، وبلغ الصراع ذروته، لم يجد علي إلا الخطبة ملاذا يعرض عبرها القضية عرضا واضحا مفصلا ودقيقا، لا مغالطة فيه ولا تعتيم ولا تعمية ولا تلميح، فقد وقف في العراق يخطب الوفود الزائرة ملخصا الفتنة كلها في كلمات معدودة غير أنها بلغت منتهى الصدق والشفافية والوضوح: “أما بعد، فإن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم، فأنقذ به من الضلالة، وحفظ به من الهلكة، وجمع به بعد الفرقة، ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه..

ثم استخلف الناس أبا بكر.. ثم استخلف أبو بكر عمر.. ولقد أحسنا السيرة، وعدلا في الأمة.. وقد وجدنا عليهما أن توليا الأمر دوننا ونحن آل الرسول وأحق بالأمر، ولكنا غفرنا ذلك لهما.. ثم ولي أمر الناس عثمان، فعمل بأشياء عابها الناس عليه، فسار إليه ناس فقتلوه، ثم جاءني الناس وأنا معتزل أمرهم، فقالوا لي: بايع، فأبيت عليهم.. ثم عادوا فقالوا لي: بايع، فإن الأمة لا ترضى إلا بك، وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس، فبايعتهم.. فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني _ يقصد طلحة والزبير _، وخلاف معاوية إياي.. هذا الذي لم يجعل الله سابقة في الدين، ولا سلف صدق في الإسلام.. طليق ابن طليق.. دخلا في الإسلام كارهَين مُكرهَين _ يعني معاوية وأبا سفيان _ إني أدعوكم إلى كتاب الله، وسنة نبيكم.. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.”(25)

وتتعدد المقامات الخطابية التي يعبر علي بن أبي طالب من خلالها عن براءته التامة من تهمة دم عثمان رضي الله عنه، يقول في إحدى خطبه: “لو أمرت به لكنت قاتلا. أو نهيت عنه لكنت ناصرا”(26)، فهو ” لم يأمر بقتل عثمان، وإلا كان قاتلا له مع أنه بريء من قتله، ولم ينه عن قتله أي لم يدافع عنه بسيفه ولم يقاتل دونه، وإلا كان ناصرا له، أما نهيه عن قتله بلسانه فهو ثابت، وهو الذي أمر الحسن والحسين أن يذابا الناس عنه.”(27)، ويقول بعد ذلك: “غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول خذله من أنا خير منه، ومن خذله لا يستطيع أن يقول نصره من هو خير مني”(28)، وبكل جرأة، وكل صدق، وكل ثقة يحدث مخاطبيه عن سبب مقتل عثمان بن عفان، فيقول: “وأنا جامع لكم أمره: استأثر فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع.”(29)، فقد صرح علانية بأن عثمان أخطأ في تسيير شؤون الدولة، بحيث أسند مهام تدبير أمور الولايات لأفراد من قبيلته بني أمية، استغلوا مناصبهم استغلالا بشعا، وأساءوا معاملة الرعية، وهو بذلك خالف ما رسخه الخليفتان السابقان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب اللذان دأبا على اعتماد معايير الإيمان والورع والتقوى أساسا في اختيار الولاة المسؤولين، وقد كان رد فعل الرعية عنيفا للغاية بحيث حاصروه وقتلوه.

ويقول في مقام آخر ردا على بني أمية الذين اتهموه بالمشاركة في دم عثمان: “أو لم ينه أمية علمها بي عَنْ قًرْفي. أَوَ مَا وَزَعَ الجُهّالَ سَابِقَتِي عَنْ تُهْمَتِي. وَلَمَا وَعَظَهُمُ اللهُ بِهِ أَبْلَغُ من لساني. أَنَا حَجِيجُ المَارِقِينَ وَخَصِيمُ المُرْتَابِينَ، وعلى كتاب الله تعرض الأمثال ـ وبما في الصدور تجازى العباد.”(30)، فقد نبه متهميه كرم الله وجهه إلى أن ما عرف به من استقامة وورع وتقوى يعتبر أكبر دليل على أنه بريء من الاشتراك في دم عثمان، خصوصا وأنه كان له ولم يكن ضده أو عليه، كما أنه كان من أحسن الناس قولا فيه، فتهمتهم إياه بهذه التهمة باطلة بكل المقاييس، كما أن حججهم داحضة وواهية، وهذا ما تؤكده كل الملابسات والحيثيات التي سبقت ورافقت وأعقبت مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه.

ويعبر بشكل صريح عن موقفه من بني أمية، فيقول في خطبة ألقاها بعد انتصاره على الخوارج في معركة النهراوان: “… ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية، فإنها فتنة عمياء مظلمة عمت خطّتها وخصت بليتها، وأصاب البلاء من أبصر فيها، وأخطأ البلاء من عمي عنها. وأيم الله لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي كالناب الضروس تعذم بفيها وتخبط بيدها، وتزبن برجلها، وتمنع درها. لا يزالون بكم حتى لا يتركوا بكم منكم إلا نافعا لهم أو غيرضائر بهم. ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا كانتصار العبد من ربه، والصاحب من مستصحبه , ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية وقطعا جاهلية…” (31)

وقد كان هاجس الخصوم (معاوية وأنصاره) حاضرا بقوة في خطب الإمام علي كرم الله وجهه، إذ كان لا يفتأ يقارن بينهم وبين أتباعه حاثا هؤلاء على التشبت بحقهم المشروع، وعلى الاستماتة لنصرته والدفاع عنه، يقول: “… أما والذي نفسي بيده ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنهم أولى بالحق منكم، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم وإبطائكم عن حقي. ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها. وأصبحت أخاف ظلم رعيتي.”(32)، وكان إعراض أتباعه عن الجهاد، و تخليهم عن القيام بواجب النصرة، سبب نفوره واشمئزازه منهم، يقول: “استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تسمعوا، ودعوتكم سرا وجهرا فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا. أشهود كغياب وعبيد كأرباب؟ أتلو عليكم الحكم فتنفروا منها.

وأعظكم بالموعظة البالغة فتنفرون عنها. وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر القول حتى أراكم متفرقين أيادي سبأ ترجعون إلى مجالسكم وتتخادعون عن مواعظكم. وأقومكم غدوة وترجعون إلي عشية كظهر الحية، عجز المقَوّمُ وَأَعِْظَلَ المقَوّمُ.”(33)، ويستمر في ذم أصحابه، وفي تعداد نقائصهم مقارنا بينهم وبين أتباع معاوية قائلا: “أيها الشاهدة أبدانهم. الغائبة عقولهم. المختلفة أهواؤهم. المبتلى بهم أمراؤهم. صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه. وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه. لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم فأخذ مني عشرة وأعطاني رجلا منهم.” (34)

ويتحدث عن الظلم الذي سيحدثه بنو أمية، وعن الخروقات التي سيرتكبونها بعد استيلائهم على مقاليد السلطة والحكم، يقول: “والله لا يزالون حتى لا يدعوا محرّمًا إلا استحلوه، ولا عقدا إلا حَلّوه، وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا دخله ظلمهم ونبا به سوء رعبهم، وحتى يقوم الباكيان يبكيان باك يبكي لدينه وباك يبكي لدنياه. وحتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيده…”(35)

ويعرض صراحة بمعاوية كاشفا عيوبه ونقائصه، وموضحا أنه أصل الفتنة ومنبعها، يقول: “… ولكأني أنظر إلى ضِلّيل قد نعق بالشام، وفحص براياته في ضواحي كوفان. فإذا فغرت فاغرته، واشتدت شكيمته، وثقلت في الأرض وطأته غضت الفتنة أبناءها بأنيابها، وماجت الحرب بأمواجها، وبدا من الأيام كلوحها، ومن الليالي كدوحها، فإذا أينع زرعه، وقام على ينعه، وهدرت شقائقه، وبرقت بوارقه، عقدت رايات الفتن المعضلة، وأقبلن كالليل المظلم، والبحر الملتطم… “(36)، وفي مقابل ذلك نجده في بداية هذه الخطبة يحث الناس على طاعته، ويوصيهم بعدم عصيانه، يقول: “… أيها الناس لا يجرمنكم شقاقي، ولا يستهوينكم عصياني، ولا تتراموا بالأبصار عندما تسمعونه مني، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة إن الذي أنبئكم به عن النبي الأمي صلى الله عليه وآله، ما كذب المبلغ ولا جهل السامع…”(37).

الهوامش:

(21) _ ( العقد الفريد ) 4/278 .

(22) _ ( في رحاب علي ) ضمن : ( خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ) 290 _ 291 .

(23) _ ( العقد الفريد ) 4/278 .

(24) _ ( في رحاب علي ) ضمن : ( خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ) 276 _ 277 .

(25) _ ( في رحاب علي ) ضمن : ( خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ) 288 _ 289 .

(26) _ ( نهج البلاغة ) 1/75 .

(27) _ تعليق شارح الخطبة الشيخ محمد عبده : ( نهج البلاغة ) 1/75 .

(28) _ ( نهج البلاغة ) 1/75 .

(29) _ ( نهج البلاغة ) 1/76 .

(30) _ ( نهج البلاغة ) 1/125 .

(31) _ ( نهج البلاغة ) 1/ 183 _ 184 .

(32) _ ( نهج البلاغة ) 1/187 _ 188 .

(33) _ ( نهج البلاغة ) 1/188 .

(34) _ ( نهج البلاغة ) 1/188 .

(35) _ ( نهج البلاغة ) 190 _ 191 .

(36) _ ( نهج البلاغة ) 1/194 _ 195 .

(37) _ ( نهج البلاغة ) 1/194 .