كان قد مر على انسحاب “العدو الإسرائيلي” من جنوب لبنان ست سنوات ونيف، وهي فترة شهدت تحولات عميقة غيرت وجه الخريطة السياسية بلبنان والمنطقة عموما، بدءا من اغتيال الحريري وما واكبه من بلقنة القضية اللبنانية استجابة لحملة ضغوطات دولية تولى كبرها أمريكا وفرنسا اللتين على اختلاف مصالحهما ودوافعهما في لبنان فقد توحدا على القضاء على المقاومة ونزع سلاحها تأمينا لحدود العدو الإسرائيلي الشمالية. فكانت النتيجة استصدار القرار 1559 الذي مهد لانسحاب سوري مفاجئ وغير منتظر زاد من خلط الأوراق وتأزيم الأوضاع أكثر أمنيا وسياسيا، مما هدد الوحدة الوطنية الهشة المبنية على اتفاق الطائف الغامض والعام في بنوده القائم أساسا على توافقات أملتها آنذاك ضرورة وقف نزيف الحرب الأهلية التي سرعان ما أطلت برأسها على خلفية هذه الأحداث. على أية حال صار الانسحاب الإسرائيلي نصرا ليس للبنانيين وحسب بل عيدا لكل الشرفاء والأحرار في العالم وعلى رأسهم المسلمين الذين حاول بعض المطبعين أن يفسدوا عليهم فرحة النصر مدعين أن هذا الانسحاب كان نتيجة تسويات دبلوماسية واستجابة إسرائيل لقرارات الشرعية الدولية وليس فرارا من ضربات حزب الله والمقاومة الموجعة، ولا داعي للرد إذ أنه متى استجابت إسرائيل لقرارات الأمم المتحدة؟ ولا متى اهتمت بالشرعية الدولية؟ لكن الفرحة لم تدم ولم يكن لها أن تدوم لأن كل الدارسين لتاريخ بني إسرائيل وعقليتهم وطبيعة تركيبتهم النفسية العدوانية المفسدة توجسوا من الانسحاب الإسرائيلي خيفة واعتبروا الانسحاب رغم أنه كان اضطرارا لا اختيارا فهو تكتيكي لا غير، وهذا ما يفسر حجم الاستعداد والجاهزية لدى مقاتلي حزب الله الذين خبروا طبيعة العدو لأسباب عديدة أولا القرب الجغرافي والميداني، ثانيا التجارب التاريخية القريبة والبعيدة محليا وإقليميا، وأخيرا وهو الأهم هو إدراكهم لطبيعة وحقيقة الصراع الوجودية وليس الحدودية بينهم وبين العدو فالصراع ذو طبيعة عقائدية دينية وإن كان ذو مظاهر سياسية ووطنية.

ولم يطل انتظار المراقبين، فبعد أن فشل العدو في تفجير الوضع اللبناني داخليا بتحريك قوى محلية، سرعان ما اختلقت إسرائيل الذرائع لتشن عدوانها على لبنان بعد أن مهدت لذلك بحملات دبلوماسية دوليا وإقليميا أفرزت دعما أمريكيا بريطانيا فرنسيا لا مشروطا وضمنت تحييد أنظمة عربية وازنة في المنطقة وضمنت مباركة أنظمة أخرى للحرب. أي أنه كان الإجماع منعقدا على الحرب. حرب كان لكل طرف فيها حساباته ومصالحه الخاصة به سياسيا واستراتيجيا لكن النتيجة لم تكن متوقعة، فبعد مرور ثلاثة أيام اختلطت الأوراق من جديد واستمر العدوان ببشاعته ليغطي هزيمته فصارت الهزيمة هزيمتين وتحول النصر إلى نصرين وأصبح العيد عيدين، ولئن كان هذا الانتصار عيدا رغم كل التضحيات والدماء فهو مناسبة أيضا لاستخلاص العبر من تجربة جهادية مشرقة ورائدة في العالم الإسلامي:

1- طريق التحرر: لعلّ النموذج الذي قدمه حزب الله فند كل مقولات المهرولين إلى الارتماء في أحضان الكيان الصهيوني تطبيعا وتفاوضا واستسلاما، وأكد حقيقة واحدة أن الطريق إلى استرداد الحقوق والأرض المغتصبة هو المقاومة والجهاد جهاد البناء والإعداد والتخطيط والإعلام والسياسة. فحزب الله لم ينتصر انتصارا استخباريا عريضا، ولم يكبد العدو خسائر كبرى عسكريا واقتصاديا وحسب، بل انتصر سياسيا ودبلوماسيا بعزل إسرائيل دوليا وإقليميا، رغم المحاولات الأمريكو-بريطانية لإنقاذ الموقف باستصدار القرار 1710. حيث تنامى الشعور بالاشمئزاز والغضب من العدوان الذي بدا غير مبرر وغير منطقي حتى داخل الكيان الصهيوني نفسه.

وزاد العزلة حدة الأداء الإعلامي المميز للأداة الإعلامية للمقاومة التي كشفت حجم الوحشية الإسرائيلية وهول الكارثة الإنسانية التي خلفها العدوان الصهيوني.

ونجح أيضا سياسيا بتعبئة أغلب الأطراف على خيار المقاومة وتحييد المخالفين أثناء الحرب أو تقزيم تأثيرهم وفاعليتهم في الساحة.

كل هذه العوامل جعلت من النصر اللبناني نصرا استراتيجيا لأسباب عديدة،

لعل أولها التوقيت ففي هذه المرحلة الأمة عموما والمنطقة على مشارف تحول تاريخي كبير، بشّر به الوحي وأقرته الدراسات الاستراتيجية.

ثانيها النفسي: لحساسية المرحلة كان لابد من نموذج جهادي يعبأ الأمة على المقاومة ويرفع من جاهزية ويقظة الجماهير، ولا يخفى ما لعبته الثورة الإسلامية في إيران والجهاد الأفغاني من دور طليعي في التعبئة على المشروع الإسلامي حتى في صفوف النخب المثقفة المؤدلجة.

ثالثها أسهمت الحرب على لبنان في إسقاط القناع عن الأنظمة العربية الرسمية وكشفت حجم الهوة بين الشارع والحكام مما فاقم الغضب الجماهيري الذي هو وقود التحركات والتحولات السياسية والاجتماعية الكبرى المقبلة قريبا إن شاء الله.

رابعها حددت الحرب العدو بشكل واضح وحصرته في اليهود باعتبارهم “روح الجاهلية ” و في حلفائهم الأمريكان والأوروبيين باعتبارهم “جسم الجاهلية ومظهرها المادي”، وكشفت حجم التماهي بين اليمين المتصهين الصليبي ذو المرجعية التوراتية وشقيقه التلمودي.

خامسها أكدت الحرب إن التوحيد بين شقي الأمة السني والشيعي ممكن، رغم بعض الخلافات المذهبية والمبالغات العقائدية والثارات التاريخية التي يحاول البعض النفخ فيها، حيث أبانت الحرب على نضج شعبي كبير ومسؤولية كبرى في صفوف العلماء ووعي دقيق بسلم الأولويات اللهم بعض الفتاوى السلطانية “البترو دولارية” التي بدأت تدق ناقوس الخطر من مد شيعي يهدد الخليج والعالم العربي وتلوك الموروث الصراعي الملوكي القديم دون وعي بخطورة المرحلة ودقتها، وما تتطلبه من توحد ووحدة.

2- الإيمان أولا: حجة كل المستسلمين والمهرولين للتطبيع مع الكيان الصهيوني تتلخص في القول: إن ميزان القوى عسكريا وسياسيا ليس في صالح العرب والمسلمين ولذا لابد من التحلي بالواقعية السياسية والخضوع لمنطق التوازنات الاستراتيجية إقليميا ودوليا. وهذا ما فنده حزب الله والمقاومة إذ أنه لا مجال لمقارنة “الكاتيوشا” و”رعد” و”فجر” مع الترسانة العسكرية النووية الإسرائيلية، ولا مجال لمقارنته سياسيا وإعلاميا مع إسرائيل التي تمتلك الآلة الإعلامية العالمية وتوجهها وتسيطر شبكاتها ولوبياتها على مراكز القرار الاقتصادي والإعلامي والسياسي، إذ أنه بقليل من الامكانات العسكرية وقليل من الدعم العربي والإسلامي، وبكثير من الإيمان بالله وبنصره للمؤمنين المخلصين وبعدالة القضية، أجبر حزب الله ومعه المقاومة العدو على الانسحاب وهو يجر أذيال الهزيمة وهوت “أسطورة الجيش الذي لا يهزم” تحت أقدام المجاهدين على قلة العدد والعدة في سابقة أخجلت نياشين “جنرالات وعقيدات” الجيوش العربية التي تتآكل معدّاتهم بفعل الشمس والصدأ، وقد انفق على شرائها المليارات من دماء الشعوب وأقواتها في صفقات مشبوهة، بعد أن تآكلت كرامتهم ورجولتهم نتيجة الانبطاح المخزي والمذل.

3- وضوح الهدف: قدم تحالف حزب الله مع سائر فصائل المقاومة والدولة وتمترسهم خلف “خيار المقاومة” قبيل التحرير وأثناء الحرب -كان من أكبر نقط القوة التي تنبهت إليها الصهيونية فيما بعد وحاولت أن تفتتها- للعالم الإسلامي والعربي نموذجا راقيا جدا على أن الحركة الإسلامية حتى المسلحة منها ليست مصدر خطر ولا تهديد بل هي شريك بناء وعنصر استقرار وعزة. فحزب الله لم يطرح نفسه بديلا عن الدولة في لبنان ولا ندا لها حتى في الجنوب وهو سلوك يدحض كل الادعاءات القائلة: إن الإسلاميين هواة سلطة وطلاب حكم يقتنصون الفرص للقفز إلى كراسي السلطة.

إلى جانب هذا الدرس درس أبلغ ووجه مشرق من وجوه “حزب الله” تجلى في تعامله مع باقي الفصائل والأحزاب والأقليات باعتبارهم شركاء ورفاق قضية وسلاح، ولم يجعل نصره ورقة ضغط لتحقيق مكاسب أو امتيازات وهو أمر أكده الأمين العام للحزب في مناسبات كثيرة: “حزب الله فصيل من فصائل المقاومة وليس هو المقاومة وأن الجميع شركاء في الوطن والدم” وأن النصر ليس نصرا للمقاومة وحسب بل نصر لكل لبنان ولكل الشرفاء في العالم.

4- الخونة إلى مزبلة التاريخ: وضع الانسحاب الإسرائيلي في الماضي وحرب 2006 فيما بعد أمام كل المستسلمين والمطبعين والمهرولين نموذجا لمصير كل العملاء، متمثلا في عناصر ميليشيات “أنطوان لحد” الذين تنكرت لهم إسرائيل بعد الانسحاب وتخلت عنهم وعن عائلاتهم ليلقوا مصيرهم على يد القضاء اللبناني وهم حلفاءها بالأمس، ليتأكد العالم أن بني إسرائيل قتلة الأنبياء لا عهد ولا ميثاق لهم “كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم” وإنهم إن حالفوا أو هادنوا أو”حتى سالموا” فإما ضعفا أو اضطرار أو مصلحة، فان زال السبب خانوا الوعود والعهود و تاريخهم شاهد على ذلك. فهل يدرك دعاة التطبيع و”المارينز المثقف” عندنا كل هذا؟ ويقتنعوا بأن انتصار خيار المقاومة دشن مرحلة جديدة من مراحل تاريخ الأمة الإسلامية، مرحلة الانتصارات المتتالية ونهاية علو بني إسرائيل في الأرض وأن تحرير الجنوب طريق إلى تحرير القدس وشعاع من أشعة شمس الخلافة الثانية التي ستعم الآفاق فلا تذر بيت حجر ولا مدر إلا دخلته بعز عزيز أو ذل ذليل “ألا إن حزب الله هم الغالبون”. فتحية إكبار إلى المقاومة في كل مكان وفاتحة إلى أرواح الشهداء في كل زمان.