ويقول “يونس بن عبيد”:

“إنما هما درهمان:

– درهم أمسكت عنه حتى طاب فأخذته.

– ودرهم وجب فيه حق الله، فأديته”.

إن حرصهم لشديد على أن يجيء المال من حلال، فلا انتهاب ولا اختلاس، ولا سرقة، ولا غش، ولا احتيال .. ثم يُنفَق في حلال بادئا بحقوق الله فيه التي لن ينال الله منها شيئا، إنما يذهب نفعها للمحتاجين ويبقى ثوابها للمنفقين.

ثم لا تكون  أي الأموال- أداة للسرف والترف، لأن الله لا يحب المسرفين ولا المترفين .. كما لا يكون محرضا على الشح، لأن الله يمقت البخلاء والأشحاء..

يقول “ميمون بن مهران”:

“في المال ثلاثة حقوق، إن نجا صاحبه من واحد، خيف عليه من اثنين، وإن نجا من اثنين، خيف عليه من الثالث..

– “أن يكون طيبا. فأيكم الذي يسلم كسبه من حرام أو شبهة؟

– “وأن يؤدى حق الله فيه ..

– “وأن ينفق في قصد، فلا سرف ولا تقتير”!!..

ولكي تبقى “إنسانية الإنسان” لابد أن يكون سعينا للمال  كما قلنا  سعيا رفيقا، وأن تكون وسائلنا كريمة شريفة.

وذلك لا يتيسر إلا لمن راض نفسه على القناعة، وزانها بالورع وأدرك  كما سمعنا  لأهل الله من قبل أن كل كثرة في المال وزيادة في الدنيا، إنما تحمل معها كثرة في الهموم، وزيادة في المخاطر.

هذا في دنيا الناس الفانية .. أما يوم القيامة فالحساب شديد والعقبة كئود.

من أجل هذا يرفض “أهل الله” أن يكونوا ضحايا الكثير.

يقول “يزيد التيمي”:

“قدمت البصرة، فربحت فيها عشرين ألفا فما اكترثت بها .. وما أريد أن أعود إليها، بعد أن سمعت أبا ذر يقول: إن صاحب الدرهم يوم القيامة، أخف حسابا من صاحب الدرهمين”!!

هذا مثال اخترناه من بين عشرات الأمثلة والمواقف، لأن صاحبه لم يكن فقيرا، فهو يتعزى عن فقره .. بل هو تاجر ناجح، كسب في رحلة عشرين ألفا، فما اكترث لها، ولا بطر بها.

بل لقد أثارت في نفسه الحنين إلى الربح القليل المتواضع..

لأن صاحب الدرهم، أخف حسابا يوم القيامة من صاحب الدرهمين.. وصاحب الدرهمين، أخف حسابا من صاحب الثلاثة..

من أجل هذا، كان أشد ما يأخذون على الناس تهالكهم على المال. يقول “شميط بن عجلان”.

“قد أعطيت ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك”!

و”أهل الله” لا يكترثون بالمال، لأنهم لا يخشون الفاقة..

أولا: لأن إيمانهم بالله الخالق الرزاق يملأ أفئدتهم باليقين..

وثانيا: لأن حاجاتهم في الحياة يغطيها أقل شيء.

سئل “حسان بن أبي سنان”:

“أما تحدثك نفسك بخوف الفاقة؟..

فقال: نعم..

قيل: فبأي شيء تردها؟

قال: أقول لها: لو أصابتك الفاقة غدا، فستأخذين المسحاة، وتعملين مع الفعلة، فتكسبين *دانقا أو دانقين تعيشين بهما .. ثم تعملين وتعيشين .. وتعملين وتعيشين .. فتسكن وتهدأ”.

هذا “معلم” يعلمنا ألا نفتح على أنفسنا أبواب الحياة فلا نجد بعد ذلك مهما يزد ثراؤنا، ما يُشبع طمعنا وطموحنا.. يعلمنا ألا نستسلم لهلع النفس الجائعة المسعورة التي تحملق دائما لا في الكفاية بل في المزيد، تلو المزيد..

و”أهل الله” بهذا لا يكرهون للناس الثراء المشروع ولا الرفاهية الشاكرة.

يقول “عمرو القارئ”:

“كانوا يعدون الغنى والسعة عونا على الدين”.

ويقول “إبراهيم النخعي”:

“من حسن الله صورته، ووسع رزقه، وبوأه منصبا صالحا .. ثم أدى حق الله في كل هذا وتواضع، كان من خاصة أهل الله”.

أرأيتم؟..

هنا هيئة جميلة، ورزق واسع، ومنصب مبوأ .. ومع ذلك فإن صاحب هذا كله ليس مقبولا فحسب، بل ومن خاصة أهل الله.. لأنه عرف كيف يشكر ربه ويتواضع لعباده..

وهكذا يقول “أبو قلابة”:

“لن تضرك دنيا، أديت شكرها لله عز وجل”.

بل لننظر هذه الواقعة المعبرة:

رأى أبو قلابة أحد أصحابه يشتري تمرا رديئا، فقال له:

– “لقد كنت أظن أن الله نفعك بمجالسنا .. أما علمت أن الله نزع من كل رديء بركته”؟!

أهناك أذكى وأبهى من هذه الكمالات في هذا المقام، يقولها رجل متصوف زاهد؟!

هاهم أولاء في زهدهم وورعهم، يرفضون الرديء، لأن المؤمن طيب وهو أحق الناس بالطيبات!

المشكلة  إذن- هي في علاقتنا بالمال وبالدنيا..

و بتلون هذه العلاقات وخضوعها لتيارات كثيرة متناقضة تتغير نظرة “أهل الله” إلى الموضوع وتتعدد آراؤهم وتوجيهاتهم.

وإنا لنراهم في نظرتهم الواقعية للمال يذهبون في حسن الانتفاع به مذهبا بعيدا.

فهذا “محمد بن كعب القرظي” يقول:

“التدبير نصف المعيشة والتودد نصف العقل”.

إذن فهم يباركون حتى الادخار والقصد..

*الدانق: اسم يوناني معرب وهو سدس درهم إسلامي