بعد مرور أكثر من سنة على انطلاقها أسدل الستار عن محاكمة صدام حسين بما واكبها من إثارة وتشويق، وترقب وانتظار، ودفاع وهجوم، وأسف وتبرير.

وكغيري من ملايين المشاهدين شاهدت الصور التي تناقلتها القنوات التلفزية لحظة النطق بالحكم على صدام حسين، فتملكني شعور بالفرح ممزوج بخيبة ومرارة. فرح ينتاب كل مواطن عربي يشاهد نهاية حاكم عربي علا في الأرض واستكبر، وقتل ودمر، وذبح واعتقل، وأباد وأفسد؛ نهاية تعيد الأمل للأمة بأن الله جلت قدرته يمهل ولا يهمل؛ وخيبة مردها أن نهاية صدام كانت على يد احتلال غاشم فاق استبداده العهد الصدامي بمئات الأضعاف، احتلال يبدو صدام أمام مجازره أعدل حكام الأرض عبر التاريخ.

أما المرارة فانتابتني من هذا الهوان الذي ينزل بالأمة العربية في فلسطين والعراق ولبنان والصومال والسودان رغم أعدادنا الغفيرة وثرواتنا الوفيرة وحضارتنا المجيدة.

لم أنشغل بتقاسيم وجه صدام ولا الكلمات الخارجة من فيه بتثاقل وتردد فهذا تعودناه، ولم تشكل تلك اللحظة إلا السقوط الثالث لأسطورة صدام حسين بعد سقوط تمثاله حين اجتياح العدوان الأمريكي لبغداد وصدام وأعوانه وقتها غائبون عن الميدان، وبعد الصور التي تناقلتها القنوات التلفزية لحظة القبض عليه بثيابه الرثة وحالته المتردية فحينها مات صدام الذي ملأ أسماع العالم يوما ما وبقي صدام العبد الخاضع الفقير المحتاج كما يموت الأغنياء والحكام ويصلى عليهم فينطق الإمام “الصلاة على الجنازة جنازة رجل”. يسقط الجبروت وتنزع الألقاب ويلف في ثوب بسيط موحد بين كل العباد وينادى بنفس اللقب الذي ينادى به سائر العباد لا فضل لهذا على ذاك إلا ما وقر في القلب وصدقه العمل.

ليس الأمر تشفيا في صدام، حاشا لله، فلم أكن يوما أتمنى أن تكون نهاية حاكم ظالم بهذه الطريقة على يد محتل غاصب، ويتقاسم معي هذا الشعور ملايين المواطنين الذين تمنوا الوصول إلى هذا الهدف ولكن بدون هذه الوسيلة. وملاءمة الوسيلة للهدف مسألة في غاية الأهمية لا يجب أن تنسينا الواحدة عن الأخرى.

لكن المهم أن الرسالة وصلت، ولكم أن تخمنوا معي كيف يمكن أن تكون ردة فعل حكامنا وهم يشاهدون تلك الصور أو يسمعون هذا الحكم!. سيكونون حتما في وضع لا يحسدون عليه، منهم الذي لن ينام إلا بالأقراص المهدئة، ومنهم من سيغمض عينيه ويغلق أذنيه حتى لا يعكر صفو عيشه ما يراه أو يسمعه، ومنهم من سيبحث عن مبررات ليقنع نفسه بأنه ليس على شاكلة صدام، ومنهم من سيعتبر ويقسم أن لا يعصي بعد اليوم للأمريكان أمرا، ومنهم من سيمضي ليلة حمراء تنسيه هذا الهم والغم، ومنهم ومنهم … وحتما سيذكرون أن ما يحاكم من أجله صدام (قتل 200 مواطن عراقي) هين مقابل ما يقوم به أفضلهم وأعدلهم، ولذلك فمن السهل فتح ملف لأي منهم. ولن يكون منهم حتما من سيبحث في الأسباب الحقيقية التي وضعت صدام في هذا الموقف لأن حالة صدام ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، ولو كان لهم عيون يبصرون بها أوآذان يسمعون بها أو قلوب يفقهون بها لاتعظوا بقصة فرعون ونهايته. ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

كل ما سبق لن ينسينا أن محاكمة صدام لم تكن عادلة، ولم تتحكم فيها الضوابط القانونية بالقدر الذي خضعت فيه للاعتبارات السياسية، وخلافنا مع صدام وعدم رضانا بأسلوبه في الحكم واستنكارنا لجرائمه البشعة لا يجب أن يجعلنا نسكت عن حقه في المحاكمة العادلة وفي معاملة تليق بإنسانيته ومركزه فما أدراك إن كان مصدر الإهانة من هو أكثر منه وحشية وظلما.

لذلك قلت في البداية بأن الفرح بالحكم على صدام مملوء بالخيبة والمرارة فلا يمكن أن نتجاهل تلك الخروقات القانونية التي شابت المحاكمة طيلة كل مراحلها، وهذه بعضها:

1. عدم شرعية المحاكمة لأن المحكمة التي تنظر فيها من صنع المحتل وتخضع لتوجيه المحتل، ولذلك لا استقلالية لها.

2. إعاقة عمل الدفاع حيث منع محامون من دخول العراق مرات عديدة، وتم طرد بعضهم من القاعة، وتعرض آخرون لمضايقات، واغتيل البعض منهم، وتعرض آخرون للتهديد.

3. عدم حياد هيئة الحكم وتحاملها على المتهمين وهيئة الدفاع وترهيبها لهذا الدفاع أحيانا كثيرة.

4. إرجاع العمل بعقوبة الإعدام بعيد اعتقال صدام بعد أن كانت ألغيت من القانون العراقي الجديد بعد الاحتلال يؤكد أن الحكم بالإعدام كان ينتظره مسبقا.

لذلك فكل الملابسات المحيطة بالمحاكمة تثبت بطلانها، وتؤكد أن الحكم كان سياسيا وليس قضائيا وهذا ما تؤكده الدلائل التالية:

1. توقيت النطق بالحكم أمريكي هدفه رفع شعبية بوش وحزبه في الانتخابات النصفية الأمريكية سيما أن الحكم صدر يوم 05 نونبر وهو آخر يوم في الحملة الانتخابية، وأجمع كل المراقبين أن الحرب على العراق ستكون حاسمة في توجيه الناخب الأمريكي.

2. دعوة رئيس الوزراء العراقي المالكي إلى الاحتفال والتعبير الهادئ عن الفرح ليلة النطق بالحكم تؤكد علمه المسبق بالنتيجة مما يبرز تدخل الساسة العراقيين في مجريات المحاكمة.

3. اختيار قضيتي الدجيل والأنفال لمحاكمة صدام ليس بريئا، بل كان الغرض منه إثارة الخلافات الطائفية وتوسيع الشرخ بين مكونات المجتمع العراقي، فالدجيل مجزرة في منطقة شيعية راح ضحيتها حوالي 180 شيعيا سنة 1980، والأنفال مجزرة في منطقة كردية راح ضحيتها آلاف الأكراد سنة 1988 والتعزيزات الأمنية بعد صدور الحكم طالت الأراضي السنية! هذه ليست مصادفات.

لذلك تغلب السياسي على القضائي في هذه المحاكمة سواء من حيث اختيار قضاتها وتوقيتها وأطرافها وموضوعها وحكمها لخدمة أهداف عديدة منها:

1. اللعب على نفسية الشعب الأمريكي وإقناعه بأن ثمة تطورات تحققها إدارته وقواته في الميدان.

2. إلهاء العراقيين عن جوهر المشكل في بلادهم وهو الاحتلال الذي لا تشكل جرائم صدام أمام جرائمه إلا نقطة في بحر علما أن جرائم صدام أصبحت جزءا من الماضي بينما جرائم الاحتلال تتزايد وحشيتها ورقعتها يوما بعد آخر، وحتى وجود الاحتلال في العراق ما زال غامضا بسبب رفض الأمريكان جدولة انتخابهم فيه.

3. الحكم على صدام بهذه السرعة قد يكون ضغطا تفاوضيا على بقايا البعث في العراق ورسالة مشفرة يقرأ منها رغبة في الاستفادة من خدماتهم لضبط الساحة العراقية المستعصية والتي يتكبد فيها الأمريكان الخسارة تلو الخسارة في العتاد والأرواح والأموال وتدهور شعبية الولايات المتحدة الأمريكية ونفسية مواطنيها. وهناك سابقة أمريكية في كمبوديا حين أطاحت الولايات المتحدة الأمريكية بنورادم سيهانوك ونفته عشر سنوات فثارت ثائرة الخمير الحمر طيلة عقد من الزمن حصدت الحرب خلالها ثلاثة ملايين نسمة فاضطرت لإعادته للحكم. وما يؤكد هذا هو المطالبات الأخيرة بإعادة البعثيين الذين طردوا من وظائفهم، والحديث عن الأخطاء القاتلة لبول بريمر مثل حل الجيش العراقي واجتثاث البعثيين…

4. توسيع الهوة بين مكونات المجتمع العراقي وإحياء الأحقاد الطائفية وتشجيع الروح الانتقامية لإفشال كل المساعي الرامية لحقن الدماء وردم الهوة بين العراقيين وآخرها مبادرة منظمة المؤتمر الإسلامي التي صدرت عنها وثيقة مكة، وجهود الجامعة العربية لعقد مؤتمر المصالحة.

إن ما سبق يبرر أن الأمر أكبر من إصدار حكم في حق شخص ولكنه مصير بلد ظل طيلة التاريخ يحتل موقعا مركزيا في العالم العربي، ورسالة لأكثر من طرف. ولذلك فرفض الحكم على صدام حسين ليس دفاعا عنه لأن جرائمه تفضحه ولن يحجب الغربال نور الشمس كما لن يحجب جرائم صدام هيئة دفاع مكونة من محاميي الجن والإنس، ولكنه دفاع عن عراق جريح يسقط يوما بعد يوم، تنتهك حرماته وتسرق ثرواته ويقتل أبناؤه وتطمس هويته.

لكن الحكم على صدام عبرة لغيره من الحكام ليتذكروا النهاية التي تنتظرهم إن لم يسارعوا إلى المصالحة مع شعوبهم والاستقواء بها على العدو الخارجي الذي لن يدوم لهم كما لم يدم لصدام الذي كان أداة لهم يوما ما في حربه على إيران.

من عليه الدور بعد صدام ليشرب من الكأس التي شرب منها.