عبثية “الإيقاع” في النقد الحداثي

إن من مميزات النظرية الحداثية الشعرية، وخاصة في صورتها الإديولوجية العنفية، كما تمثلها المدرسة الأدونيسية- نسبة إلى أدونيس، علي أحمد سعيد، الحداثي المشهور والمرشح العربي لجائزة نوبل للآداب- أنها تعتبر الوزن، بمفهومه العمودي، من مخلفات الماضي التي لم يعد لها وجود إلا في معتقدات “الإرثيين”، الذين لا وجهة لزمانهم إلا الماضي بكل أصوله، وقواعده، ونماذجه، ومحفوظاته، وأشيائه المقدسة.

فعند هؤلاء الحداثيين “أنه ليس من جوهر الشعر، في المفهوم الحديث، أن يحفظ أو يطرب، أو أن يكون موجزا أو موزونا، أو محددا بالأنواع الشعرية القديمة& “(الشعر العربي ومشكلة التجديد، لأدونيس، في مجلة “شعر”،(م.س)، ص96)

فالشعر، عندهم، لا يمكن تمييزه، لا بوزن ولا بغيره من الخصائص والصفات والحدود. “ليس هناك وجود قائم بذاته نسميه الشعر، ونستمد منه المقاييس والقيمة الشعرية الثابتة المطلقة. ليس هناك، بالتالي، خصائص أو قواعد تحدد الشعر، ماهية وشكلا، تحديدا ثابت مطلقا.”(مقدمة للشعر العربي، لأدونيس، ص107)

“إن تحديد الشعر بالوزن تحديد خارجي، سطحي، قد يناقض الشعر.”(نفسه، ص112) فَـ”لا يجوز إذن أن يكون التمييز بين الشعر والنثر خاضعا للوزن والقافية، فمثل هذا التمييز شكلي لا جوهري.”(نفسه، ص113)

وإذا كان الوزن الشعري، بخاصيته العددية الكمية، كما مر بنا في مقالة سابقة، ركنا في مفهوم الشعر- وليس هو كلّ الشعر- عبر قرون وأجيال، فإن “الإيقاع”، والإيقاع وحده، هو المعتبر وحده في موسيقى الشعر، عند الحداثيين.

وبناء على مفهومهم هم للإيقاع، أمكنهم أن يسلكوا التجارب النثرية في عداد التجارب الشعرية، وأن يكسروا الفوراق التي ظلت منذ عدة قرون تميز الشعر من النثر، وعلى رأسها فارق الوزن.

وترجع حجتهم، دائما، فيما يصنعون ويخترعون ويكسرون، أن الأمر حداثة، والحداثة من مميزاتها الأساس القطع مع الماضي، بلغته ومفاهيمه واصطلاحاته.

فالإيقاع في المفهوم الموسيقي الشعري عند أهل الصنعة والاختصاص، لا ينفك عن التساوي، والحساب، والكم، والطول، وغيرها من القواعد والضوابط التي هي ضرورية في كل فن له شأن واعتبار.

قال أبو نصر الفارابي في كتاب الموسيقى الكبير: “الإيقاع هو النقلة على النغم في أزمنة محدودة المقادير والنسب.”(ج2/ص436)

“الإيقاع هو نظم أزمنة الانتقال على النغم في أجناس وطرائق موزونة تربط أجزاء اللحن، ويتعين بها مواضع الضغط واللين في مقاطع الأصوات.”(نفسه، هامش رقم1)

فالإيقاع، في مفهومه الموسيقي الاصطلاحي، كما نلاحظ، لا ينفك عن قاعدة الحساب والتناسب، أي لا ينفك عن الوزن. بل إن الإيقاع والوزن شيئان متلازمان، ينتميان معا إلى صناعة الأصوات والألحان، وهي صناعة تقوم على قواعد الكم والطول وحساب الأجزاء، أنغاما في صنعة الموسيقى، ومتحركاتٍ وسواكنَ في صنعة الشعر.

وقد سئل ابن(خرداذبه)-وكان من أشهر علماء عصره في تاريخ الغناء- عن منزلة الإيقاع من الغناء، فأجاب بحكاية قول المتقدمين: “إن منزلة الإيقاع من الغناء بمنزلة العروض من الشعر”، إلى أن قال: “والإيقاع هو الوزن، ومعنى أوقع: وزن، ولم يوقع: خرج من الوزن، والخروج إبطاء عن الوزن أو سرعة& “(عن كتاب “أبو الفرج الأ صبهاني وكتابه الأغاني”، لمحمد عبد الجوّاد الأصمعي).

فهذه شهادة من عالم مختص تؤكد ارتباط الإيقاع بالوزن إلى حدّ التطابق. فأين الحداثيون من كل هذه التعريفات والمفاهيم الاصطلاحية؟

أولا- كل هذه المفاهيم والتعريفات، عندهم، تراث، لا يعتد به في فهم الشعر وتقويمه، ولذلك فهم يستعملون لفظة إيقاع مجردة عن كل معانيها الموسيقية التي تفيد الوزن، أي الكم والحساب.

وثانيا- لا جامع بينهم، في استعمال هذه اللفظة(الإيقاع)، إلا جامع رفض الوزن العمودي، الكمي العددي. وما عدا هذا الجامع، فهم طرائق شتى، ليس بينهم أي نوع من الاتفاق فيما يخص مفهوم الكلمة وحدود معناها الاصطلاحي. ولذلك، يغلب في السياقات التي يرد فيها استعمال كلمة “إيقاع” في كتاباتهم طابع التعبير الذاتي الانطباعي العاطفي الحماسي. وتبرز حدة هذا الطابع عند حديثهم عن “الإيقاع الداخلي”، حيث يصبح مفهوم الإيقاع متعددا بتعدد الأشخاص والأذواق والانطباعات، وهو ما يعني غياب أي شكل من أشكال التعريف، أو التحديد، أو التمييز، أي تكريس مبدأ “اللاتحدد”، و”اللاتعريف”، عمادِ الفلسفة الحداثية الإديولوجية الرفضية العبثية. فـ”الإيقاع الداخلي” عبارة مبهمة وعامة، يبقى تفسيرها لدى الشعراء والنقاد الحداثيين مرهونا بالرؤى الفردية الذاتية، وكذلك الأذواق التي تتغير من شخص لآخر.(انظر “حركية الحداثة في الشعر العربي المعاصر”، للدكتور ما خير بك، ص296، هامش رقم(44))

وهذه بعض الأمثلة من هذه العبارات الإنشائية الذاتية “الإديولوجية” الهاربة، في موضوع الإيقاع. وسأضع سطرا تحت العبارات المغرقة في الرومانسية الإنشائية الهروبية.

تقول خالدة سعيد: “الإيقاع، بالمعنى العميق، لغة ثانية لا تفهمها الأذن وحدها، وإنما يفهمها، قبل الأذن والحواس، الوعي الحاضر والغائب(& )

“الإيقاع لغة، بل هو سابق للغة المصطلح على تسميتها كذلك. إنه ما قبل المصطلحات& “(حركية الإبداع، ص111)

“إن فكرة حصر الإيقاعات خاطئة من أساسها، وتنطلق من فهم في غاية التحديد لطبيعة الإيقاع. فهو ليس سواكن ومتحركات معدودة(& ) لكنه كالحياة الواسعة بكل ما فيها من صخب، وزخم، وحركة، وألوان، وأصوات& “(“القصيدة الحرّة ، معضلاتها الفنية وشرعيتها التراثية”، لمحيي الدين اللاذقاني، في مجلة “فصول”، العدد الخاص بِـ”الأفق الأدونيسي”، المجلد16، العدد1، صيف1997، ص43.)

“إن الوزن ليس إلا مجرد هيكل، أما الإيقاع فروح تسري في النص، وتعتمد على النشاط النفسي للمبدع والمتلقي على السواء.”(نفسه، ص44)

“الوزن تشكيل واحد له طول محدد، وأنغام محفوظة، أما الإيقاع فمجموعة من التشكيلات المتداخلة التي تتغير بتغير المناخ النفسي& “(نفسه، ص45)

“الإيقاع الداخلي& يشبه الصدى البعيد& فهو ينبع من النفس، ويصطدم بالعالم الخارجي، فيعود محملا بشحنة إضافية تحمل صفاته الأولى بتركيب جديد.”(نفسه)

“الإيقاع فطرة، حركة غير محدودة. حياة لا تتناهى.”(زمن الشعر، لأدونيس، ص164)

“في قصيدة النثر& موسيقى، لكنها ليست موسيقى الخضوع للإيقاعات القديمة. بل هي موسيقى لإيقاع تجاربنا وحياتنا الجديدة، وهو إيقاع يتجدد كل لحظة.”(مقدمة للشعر العربي، لأدونيس، ص116)

الملاحظ، من هذه الأمثلة، أن مفهوم الإيقاع عند الحداثيين لا علاقة له بالوزن، في صميم خاصيته العددية الكمية، فضلا عن كونه مفهوما لا يني يسبح في الكلام الفضفاض، والتصورات الإنشائية العامة، وهو الأمر الذي انتهى بالتجربة الشعرية الحداثية عموما، إلى نوع من الفوضى واختلاط الحدود وكثرة النثر الذي ينشر باسم الشعر. وليس مطلبنا في هذه المقالة التحقيق في هذا الموضوع، وإلا لسقت الأمثلة الكثيرة التي يضيق عنه الإحصاء.

هذا، وليس صحيحا أن القدامى لم يكن لهم اعتناء بالإيقاع، كما يزعم بعض الدارسين، كالدكتور عز الدين إسماعيل، في “الشعر العربي المعاصر”(ص52-53)، بل إن الإيقاع كان عندهم جزءا لا يتجزأ من الوزن، ولذلك كانت عناية النقاد الواسعة بجرس الكلمات وأثره في النفس، ودراسة خصائص الأصوات وفصاحتها، وحلاوتها، وسلاستها، والنظر إلى أسباب تآلفها وتنافرها في الكلام، إلى غير ذلك من الموضوعات المتعلقة بإيقاع المفردات اللغوية، سواء في الشعر أو في النثر، كالجناس، والطباق، والرنين، والتكرار، والسجع، والتقسيم، والترصيع& إلخ. ويمكن الاطلاع على هذه الموضوعات، في شيء من التفصيل، في الجزء الثاني من كتاب “المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها”، للدكتور عبد الله الطيب، وقد خصصه للكلام “في الجرس اللفظي”.

ألم يقل ابن خلدون، في سياق حديثه عن صناعة الغناء، إن خاصية الكم والتناسب في الوزن الشعري ما هي إلا “قطرة من بحر من تناسب الأصوات كما هو معروف في كتب الموسيقى.”؟(المقدمة، ص338)

وهذا يعني أن الإيقاع الشعري، بكل أبعاده اللغوية والصوتية، والعاطفية، والنفسانية، قد كان حاضرا بقوة في تجارب الشعراء.

وقد أورد الدكتور عبد الله الطيب، في الجزء الثاني من “مرشده” المشار إليه آنفا، أمثلة غنية من أشعار لشعراء كبار، كالمتنبي، والبحتري، والمعري، وأبي تمام.

وبعد، فإنني أكرر في ختام هذه المقالة ما قاله عباس محمود العقاد عن المجددين، في عصره، من أنه “لن يستمع لهم أحد فيما يتغنون به من حديث الشعر بلا وزن ولا قافية، لأن حجتهم فيه هزيلة مملولة, وما عهدنا في التاريخ القديم أو الحديث أن الأمم تبني أركان ثقافتها عشرات القرون، ثم تهدمها آخر الأمر بهذه السهولة، بغير حجة معقولة أو غير معقولة.”(يوميات العقاد: 2/347. (عن “حركة النقد الحديث والمعاصر في الشعر العربي”، للدكتور إبراهيم الحاوي)

وماذا كانت ستكون مقالة العقاد لو عاش إلى زمان الحداثية الثورية العنفية الهدمية العبثية، زمان الدعوة إلى شعر قوامه اللاوزن واللاقافية واللامعنى؟

فمهما قال الحداثيون وأعادوا في الإيقاع، ومهما حاولوا التهرب من أن ينضبطوا لمفاهيم المصطلحات الفنية، ومعاني مفردات اللغة، ومهما حلقوا مع انطباعاتهم، وابتعدوا بإديولوجيتهم الهدمية العبثية عن منطق الواقع، وهو منطق القواعد والقوانين والحدود، منطق الكم والحساب والامتحان- مهما فعلوا، فإنه، ما دام في الدنيا فن اسمه الشعر، سيظل هناك شيء “اسمه الوزن، وهو يفرض عليهم نفسه مهما تجاهلوه.”(قضايا الشعر المعاصر، لنازك الملائكة، ص227)

“ولسوف يبقى الناثرون حيث كانوا مع الناثرين.”(نفسه، ص222)

“إنه لا شعر بغير فن، ولا فن بغير قاعدة& “(ديوان العقاد، ص7)

إن الشعر ملكة “من رُزقها قال وتغنى وأفهم وأثر، ومن لم يرزقها فلا حق له في قول الشعر، ولا في القول فيه، ولأن يسكت فلا يقول شعرا ولا يقول عن شعر خيرٌ له وللناس، وخيرٌ للشعر والفن وللعقول والأسماع.”(نفسه، ص12)