إثر الفياضانات التي عرفتها منطقة تنغير نهاية أكتوبر المنصرم، فوجئ السكان، ومعهم المغاربة الذين لا زالوا يتابعون البرامج التافهة والأخبار الناقصة للإعلام المخزني، بمهزلة جديدة تروي بلا خجل نبأ وصول طن من الزيت، وآخر من الدقيق…مساعدة للمنكوبين. لقد دمرت حارة المرابطين، ومعها العديد من المناطق المجاورة لوادي تودغة، وكانت الخسائر المادية في المباني والأراضي الفلاحية جسيمة للغاية، لكن علاقة المخزن بهذه المناطق منذ تاريخه القديم تنحصر في جمع الجبايات والضرائب، وفرض الغرامات والعقوبات، وجمع الخيرات والثروات…

فلكم الله يأهل تنغير في الفياضانات والنكبات.

لكم الله يا من تدفعون ضرائب الانتماء الحضري وضرائب المباني…، عن أكواخ الطين التي تقطنونها، ليقتسمها أهل الفيئ والغنائم ممن تسمعون عنهم في ملفات نهب المال العام، نهب أموال المستضعفين من أبناء شعبنا.

لكم الله يا من تدفعون “تنبران: 20+2 عن كل وثيقة بسيطة تعدونها، وتقطعون بين الذهاب والإياب 340 كلم للحصول على نسخة السجل العدلي، ورخصة السياقة، وكل وثائقكم الإدارية الممركزة إداراتها في عمالة البؤس والفساد الإداري ورزازات.

يا مئات الآلاف من المواطنين بلا طبيب جراح واحد، ولا طبيب اختصاصي واحد… مساحة أرضكم أكبر من دولة بلجيكا، وفي بطنها رزمي الغنى والثروة: الذهب والفضة، لكنكم أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام. ففي أرضكم أكبر مناجم الفضة في العالم العربي، لكنها ل”أونا” ولكم الله.

لكم الله يا من تحلمون بعمالة تنغير منذ “الاحتقلال”، عسى قربها أن يخفف من معاناة بعد المؤسسات المخزنية، فمن عليكم المخزن “بالجدارميا” و”بالبوليس”، والمقاطعات، والخمارات والمواخير، لتنعموا قليلا بأجواء الحداثة كما يفهمها “أيت كار لوقت ait gar lokte”، وتنضبطوا جميعا في دفع الضرائب والمكوس. لقد قاومتم الاستعمار، وهشمتم على صخور جبال صاغرو نخوة الجيوش الفرنسية يا أبطال أيت عطا، وأسقطتم أرضا رؤوسا بهم تتباهى فرنسا، ففي سفح جبل بوكافر الشامخ كانت نهاية الضابط بورنازيل Henri De Bournazel برصاصة من فضة حلي نساء بوكافر، وامتنع الجميع عن ولوج مدارس الاحتلال النصراني، وامتنعت النساء عن مجاراة حضارته طبقا لمعاهدة عسو وباسلام رحمه الله مع الجنيرال هيري… واحتضنتم يا أهل تودغة زايد احماد، تاريخ دونته ملائكة الرحمان، أما عند أهل الأرض فلكم الله… وبعد الاحتلال كانت المكافأة نصف قرن من التهميش والإقصاء. بقي المستشفى الوحيد الذي شيدته فرنسا، والطريق التي عبدتها، وخدماتها الاجتماعية، وإداراتها الجادة، ومحاكمها التي لا تبخس الناس أشياءهم، ولا يطمع قضاتها في أموال المحاجر وممتلكات المستضعفين، شاهدة على بون شاسع تتحسر معه الأجيال الحالمة بالهجرة إلى أوروبا، أرض الخلاص، على خطإ الآباء في مقاومة فرنسا. لقد تزايد عدد السكان، وتقلص الطاقم الطبي عما كان عليه أيام فرنسا إلى أقل من الربع، وانمحت من الخريطة المحاكم العادلة التي تفض النزاعات، وانمحى المطار…، وبقي المخزن…ماتت أشجار النخيل بداء بيوض، وإدارات البحث الزراعي والاستثمار الفلاحي شاهدة على نفسها أنها أسماء بلا مسميات، وإدارات فارغة عاجزة… يتذكر أهل تنغير ما قدمته الإدارة الفرنسية لضحايا فيضانات بداية الخمسينيات من القرن الماضي، من دعم وقروض بلا فائدة لبناء منازل أيت برى بمركز تنغير، والآن يا أهل الحارة تتلقون قارورة زيت وحفنة دقيق، وربما “زلافة الحريرة” من مؤسسات التسول الرسمي التي جمعت إثر زلزال الحسيمة ما به يعاد بناء المغرب وليس الحسيمة فقط.

لقد هاجر شباب المنطقة فرارا من البؤس والبطالة منذ الستينيات من القرن العشرين، وبادروا لإغاثة المعوزين من أهاليهم، فتلقفت أجهزة المخزن النبأ، فانهالت عليكم ضربا بالضرائب، فقد أصبحتم حسب تقاريرها منطقة غنية بالعملة الصعبة… وانخرط البعض في أحداث 1973 رفضا للوضع، فجاء الحصار عقوبة للمنطقة بأسرها.

يا من تتبجحون بالمصالحة والإنصاف، وطي صفحات الماضي إن المنطقة برمتها لا زالت تعاقب…وجاءت المسيرة الخضراء فوقع الاختيار عليكم لتكونوا في المقدمة، ألشجاعتكم المعهودة؟ ألامتثالكم المعروف لأنكم لا تعرفون “لا” ففي الاستفتاءات الماضية لم تكن ورقة “لا” تسلم لكم أصلا؟ ألإمكانية الزهد فيكم، على غرار ما كانت تفعله فرنسا حين تزج بأهالى المستعمرات في الصفوف الأمامية للقتال؟ (وليس المثل هنا للماثلة في الحدث).

وأما حكومة المخزن فإن سئلت عمن يسكن الكهوف والمغارات، فجوابها “سكان المغرب الأقدمون” نعم إنهم سكان المغرب الأقدمون وهم أبناء مازيغ، ولكن الذي أطن الحكومة تجهله كونهم لا زالوا في مساكن أجدادهم بضواحي تنغير وفاء لأصالة العصر الحجري،… فهل تعلم الحكومة أن آلاف العائلات تحت عتبة الفقر المذقع. بتنغير تدفع سنويا ضرائب ما يدعي بواجب التضامن الوطني وغيره…ليقسم بين النوام البرلمانيين وكبار المستفيدين أجورا خيالية وتعويضات وصفقات وهبات وسيارات فاخرة…هذه ليست دعوة لهم لزيارة تبذر فيها الملايير لتدشين خمارة في سياق تشجيع الاستثمارات الأجنبية كما هم الشأن في خمارة Mme Michele وغيرها، فزيارات وكلائهم في حملات الانتخابات المزورة كافية.

هل يستفيق المخزن من غفلته ليعلن المنطقة منكوبة لتعفى من جور الضرائب مطلقا؟ هل يتدارك الأمر ليصلح ما أفسده خلال العصور السالفة؟ هل يوقف مسلسل فساده وإفساده؟ هل يفتح المجال لفعاليات المنطقة ونخبتها وعامة أهلها، ليفك عنهم طوق الزبونية والمحسوبية والحزبية البائرة؟

لكم الله يا أهل تنغير ونواحيها، كلماتي تضامن مع منكوبي حارة المرابطين وباقي ضفاف تودغى، ممن جرفت السيول حقولهم وماشيتهم وهدمت منازلهم… كلمات أبعث بها إليكم من الرباط العاصمة حيت القصور والفيلات والسيارات الفاخرة التي لا يصل إليها فيضان تودغى، ولا تغطيها رمال التصحر، وفيها من المياه ما تسقى به آلاف الهكتارات من “الكازون” الطبيعي، وحيث الشوارع المزينة بنخيل لا ينتج تمرا فتمور تونس تكفينا، وحيث توزع أموال ضرائبكم… فشكرا على تضامنكم مع أهل الرباط، أما الزيت والدقيق إن وصل إليكم فمصدره أهل الإحسان من الإمارات العربية المتحدة جزاهم الله خير الجزاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولكم الله، لكم الله، لكم الله.