يصاب المطلع على الشأن الجامعي في المغرب بالحيرة، وهو يقف مشدوها بين خطابين مختلفين حد التناقض؛ خطاب رسمي تروج له الحكومة المغربية ومن ورائها خلفيتها السياسية المتمثلة في الأحزاب السياسية المشاركة فيها، وفي مقدمتها “الاتحاد الاشتراكي” الحزب الأكثر تحمسا، على اعتبار أنه من يتحمل مسؤولية الحقيبة التعليمية في الحكومة، وعلى طرف النقيض: الخطاب المعارض الذي ينتجه الطلاب في ظل نقابتهم الاتحاد الوطني لطلبة المغرب التي تعرف مؤسساتها المنتخبة أغلبية لطلبة العدل والاحسان، ثم السادة الأساتذة ولا سيما المكاتب النقابية المنضوية تحت النقابة الوطني للتعليم العالي، والتي لا تعرف سيطرة أنصار التوجه الحكومي، وكذا بعض الشخصيات الفكرية والأكاديمية البارزة كالدكاترة الأفاضل المهدي المنجرة وعمر الكتاني وإدريس القاصري وغيرهم.

ففي الوقت الذي يتحدث فيه أصحاب الخطاب الرسمي بلغة الإنجاز والانتصار والنجاح مؤكدين في كل مرة على أمرين اثنين:

أولهما: أن الإصلاح التربوي، ورش تاريخي يستند إلى إجماع وطني يمثل الميثاق الوطني للتربية والتكوين أرضية له. وهو في نظري لا يعدو أن يكون اختلاقا لشرعية وهمية ومحاولة لتكريس مفهوم تشتيت مسؤولية الفشل في تنزيل الميثاق.

ثانيهما: أن الورش التربوي ورش زماني يتطلب وقتا كافيا للقيام بالتقويم النهائي، وبالتالي فمرور ست سنوات أو أكثر أو أقل لا تعني بالنسبة إليهم شيئا في سلم المقياس الزماني حتى لو كان الورش الإصلاحي هذا مظروفا بعشرية نعيش نصفها الثاني، وجل المؤشرات تؤكد على أن سفينة الإصلاح تسير نحو كارثة لا تحتمل…

يذهب أصحاب الخطاب المعارض إلى كون الإصلاح الجامعي الأخير فاشلا، ابتداء لكونه مفروضا من هيئات مالية أجنبية، وغير نابع من مشروع مجتمعي أصيل وواضح، ولكونه لا يستجيب لمطامح الشعب المغربي في الحرية والانعتاق التنموي والاقتصادي والسياسي، ثم هو فاشل تنزيلا لكونه لم يراعِ لا البنية الجامعية الهشة ولا غياب الحد الأدنى من الشروط التي يستلزمها النجاح.

قد يقول قائل بأنه من طبيعة الحركية المجتمعية الإيجابية أن تختلف قراءة الحكومة حد التناقض مع القراءة النقابية التي من مسؤوليتها الدفاع عن الحقوق، والحفاظ على المكتسبات. نعم ولكن ذلك لا يتحقق إلا بشرط أن يؤطر الحوار بين الطرفين هذا الاختلاف، ويطور القراءتين في اتجاه تقريب الشقة بينهما، وفي منحى إيجاد حلول ناجعة للمشاكل المطروحة بين الحكومة والنقابة، وذلك رهين في نظري بتحقق شروط ثلاث، أولها: وجود إرادة حقيقية لدى الطرفين لمباشرة الحوار بجدية كبيرة ومسؤولية بعيدا عن التصلب في المواقف، وعن السياسوية الضيقة في التفكير. وثانيها: احترام الدولة لحقوق الطلاب. وثالثها: وضوح أرضية الحوار وواقعيتها، والتي تجسدها لائحة المطالب.

إن واقع المغرب ينطوي على صورة مغايرة تماما لما نحن بصدد الحديث عنه، إذ الواقع هو أن الخلاف على أشده بين الطلاب والإدارة، والهوة تزداد اتساعا يوما بعد يوم بين الطلاب والدولة في ظل إصرار هذه الأخيرة على عدم فتح أبواب الحوار في وجه ممثلي الطلاب في الكتابة العامة للتنسيق الوطني ل”أوطم” رغم توصلها بأزيد من 43 طلب حوار، وتوصلت الوزارة الأولى والبرلمان بغرفتيه بمراسلات أخرى بنفس الخصوص حيث نشرت في العديد من وسائل الإعلام الوطنية وفي السياق نفسه. أرضية الحوار المقترحة من طرف الطلاب هي أرضية نقابية اجتماعية تعليمية صرفة، صاغتها وصادقت عليها الجماهير الطلابية في تجمعاتها العامة في الكليات والجامعات، كما أن عشرات الآلاف من الجماهير الطلابية وقعت على عريضة المطالبة بفتح أبواب الحوار مع الكتابة العامة للتنسيق الوطني تأكيدا لهذا الأمر.

إن الإصرار الطلابي الأوطمي على اتخاذ باب الحوار الجاد والمسؤول المدخل الأمثل لتجاوز مشاكل الجامعة وإعادة مياه الثقة بين الدولة والطلاب إلى مجاريها، يقابله في الضفة الأخرى إصرار غير مبرر من الدولة على انتهاج أسلوب التجاهل والصمت، ورفض إجراء أي حوار على المستوى الوطني، على الرغم من أنها اختارت بالمقابل أن تفتحه على المستوى المحلي بين السادة العمداء ورؤساء الجامعات وأعضاء مكاتب التعاضديات والفروع الأوطمية. مما يجعل المطالب الوطنية الكبرى خارج إطار الحوار: كالمنحة والسكن والنقل والصحة والتدبير الوطني.. إن هذا إن دل على شيء فإنما يدل على التخبط والارتباك الذي تعيشه الدولة في معالجتها لملف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وعبره ملف الجامعة المغربية، فهي تستقبل مناضلي أوطم وتسوي معهم العديد من الملفات النقابية المحلية بالحوار في كل الجامعات المغربية، ولكنها في الآن ذاته تعتقل آخرين في بعض الكليات وتطرد وتشرد كما وقع في كلية الآداب ببني ملال وكلية العلوم بعين الشق وكلية الآداب بالجديدة.

لماذا يرفض السيد الوزير أن يستقبل أعضاء الكتابة العامة للتنسيق الوطني للاتحاد الوطني لطلبة المغرب؟ هل أوطم في نظره منظمة محظورة؟ أم أن الأمر يتعلق بحسابات سياسوية ضيقة لا تليق بعمل الحكومة؟

أعتقد أن الاحتمال الأول غير وارد لأن السيد الوزير يعي جيدا بأن أوطم منظمة قانونية مسجلة لدى السلطات، ويتذكر تصريح السيد وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري تحت قبة البرلمان سنة 1988 حين أكد على أن أوطم منظمة غير محظورة، و يتذكر كذلك استقبال ملك البلاد لأعضاء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في إسبانيا أثناء زيارته لها نهاية التسعينات، حيث تلقى منهم حينها تذكارا أوطميا، و لقد نقلت التلفزة المغربية مراسيم الاستقبال في نشرة الأخبار. و يعلم السيد الوزير أيضا بأن الدولة الآن تثبت أوطم بين المنظمات القانونية للمجتمع المدني في البلاد على موقعها الرسمي الالكتروني، ثم إن مئات الطلبة الذين يعتقلون ويقدمون للمحاكمات في كل سنة لم تلفق لهم ولا في مرة واحدة تهمة الانتماء لمنظمة محظورة، لسبب بسيط هو أن القضاء يعلم جيدا أن أوطم منظمة غير محظورة، هذا إضافة إلى أن العمداء ورؤساء الجامعات يفتحون أبواب الحوار في وجه مناضلي أوطم في الجامعات والكليات.

فما سبب هذا التناقض والتخبط؟

إنني أعتقد أن هذا التخبط والارتباك في معالجة ملف غاية في الخطورة، من مثل ملف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، إنما هو انقلاب سيء من طرف السلطة على الديمقراطية التي يحاول الطلبة بناءها داخل مجتمعهم الطلابي، وهو فضح لحقيقة “الديموقراطية” التي يتبجح بها مسؤولونا في الدولة وينمقون بها خطبهم الطنانة الرنانة، و هو “عقاب جماعي” تمارسه السلطة في حق الطلاب المغاربة الذين اختاروا عن وعي وقصد و بكامل الحرية أن يمارسوا حقهم في انتخاب من يمثلهم في نقابتهم المستقلة أوطم، لا سيما أنهم أنفسهم من يشرفون على الانتخاب ويسهرون على عمليته النزيهة الشفافة.

لنكن صرحاء، إن الدولة حينما تمتنع عن استقبال ممثلي الطلاب فلأنهم أبناء فصيل طلبة العدل والاحسان!! ولو كانوا غير ذاك،-وليت شعري أين هم؟!- لاستقبلتهم الدولة وحاورتهم، أما وهم غائبون عن الفعل النضالي ومستقيلون منه، فلتمت الديمقراطية، ولتمت صناديق الشرف، وليمت ” أبناء الشعب كلهم” غيظا وغضبا!!

على أي حال، انتخابات هذه السنة الجامعية على الأبواب، وباب الترشيح والمشاركة مفتوح في وجه كل الفصائل التقدمية والاشتراكية والإسلامية على حد سواء. ثم إن ملف المطالب الوطنية على مكتب وزارة التعليم والوزارة الأولى، ولدى أمانة البرلمان. و الطلاب قد سطروا برنامجهم النضالي لسنوات 2006-2009، ومن ضمن بنوده الاستمرار في خوض المعركة الوطنية حتى تحقيق مطالبهم العادلة المشروعة، وعلى رأسها حقهم في فتح الحوار وطنيا مع ممثليهم.

فليت الدولة تختار العودة عن غيها الجبري الإكراهي” اللاديمقراطي”، وعن ضلال حساباتها السياسوية الضيقة، إلى رشد التعامل الايجابي مع اختيار الطلاب ومطالبهم. ليتها تعي جيدا بأنها لن تغير بالقمع قلوب الطلاب وعقولهم التي اقتنعت بالسلوك التربوي لفصيل العدل والاحسان قبل خطه الثقافي والنقابي.وليتها تعلم بأن تورطها في عدم احترام اختيار إرادة الطلاب أبناء هذا الشعب المقهور يعمق عدم احترام أبناء هذا الشعب نفسه لهذه الدولة واختياراتها، و يولد انعدام الثقة المتبادلة التي هي شرط للتنمية البشرية والسيادة الكاملة، لأنه كما تدين تدان. فإما أن يبنى البناء صحيحا قويا كما ينبغي على أسس متينة فيستطيع أن يصمد في وجه الآفات والزلازل، وإما هو الخراب والدمار يتوعد البناء الجائر المنحرف.

وبعد ذلك، فلكل مقام مقال.