عائدا من صلاة الجمعة الأخيرة ـ06.11.03ـ ،وبعد إلقاء التحية،قال الابن معلقا على موضوع الخطبة:”خرجنا من الشأن المحلي،ودخلنا في الشأن المحلي”،مشيرا إلى الحصة الدراسية الأخيرة من ذلك الصباح في مادة الاجتماعيات؛واستطرد معلقا،لقد كان المصلون في حالة أشبه بالتلاميذ في حصة الشأن المحلي،لا ينقص إلا أن يقول الخطيب محاكيا أستاذ المادة:واحد كبيرة وبلون أحمر دواعي تنظيم المسيرة،ألف بلون أخضر:السعي لاستكمال الوحدة الترابية،باء بلون…، تـقاطعه الأم التي تنفست الصعداء وقد وضعت قصعة الكسكس على المائدة:” آجـي تغذى وسير تقرى وهنينا من الصداع”.

أجل لقد كانت ذكرى المسيرة الخضراء موضوع خطبة الجمعة،وقد كان هذا معمما على سائر المساجد من طنجة إلى لكويرة،التي لولا المسيرة لما “استمتع” مصلوها كما هو شأن كل المغاربة بموضوع في الشأن المحلي على حد تعليق الابن؛ وحتى لا تتراكم في الذهن تساؤلات حول دواعي تناول الموضوع،أطمئن الجميع أني لست انفصاليا ولا سايس بيكـيا (نسبة إلى معاهدة سايس بيكو التي بموجبها رسمت الدول الاستعمارية حدود دويلات الاستقلال)؛ وإنما الذي أثارني هو هذه الازدواجية في الخطاب السياسي الرسمي: فحينا لا يسمح بإقحام السياسة في الدين،وحينا يتحول الإسلام إلى بوابة النجاة،فيلجأ إليه لجوء الاضطرار لحل معضلة أو تمرير تصور، لا سيما في الجزء الثاني من الخطبة،حيث اختلط الأمر على المصلين،فلم يعودوا يعرفون،أهم في المسجد أم في الحلقة الأخيرة من مسلسل أخبار القناة التلفزية الأولى؟

كنت ـ وأنا أتابع الخطبة باهتمام التماسا لأجر وثواب من أنصت ولم يلغ ـ أشفق على الخطيب، بل على من أعد الخطبة،وأقدر عناء تكييف النصوص مع الأفكار، وكيف تنفس معد الخطبة الصعداء هو الآخر وفرج الإمام الترمذي رحمه الله كربته لما خرج حديثا نبويا يجرم من يفرق بين الوالدة وولدها، مستشهدا به على وزر ذوي الأطروحات الانفصالية،ومن يسعون لتقسيم إخواننا في أقاليمنا الصحراوية.

وقبل أن يختم الخطيب حصة الشأن المحلي،شرد بي الفكر ـ أستغفر الله ـ وتذكرت صولات زعمائنا السياسيين الحداثويين الذين يضيقون ذرعا بتوظيف الإسلاميين لمنابر الجمعة،واستعمالها للترويج لأطروحاتهم مستغلين ـ على حد قولهم ـ عواطف بسطاء المواطنين.وعليه فالسلطة في شخص وزارة تدبير الشأن الديني تزيغ بناء على مسلمة الحداثويين عن الجادة،وتقحم السياسة في الدين عندما تهييء خطبة وتعممها على المساجد،تتحدث عن مشروع تسوية قضية الصحراء انطلاقا من قاعدة:المغرب في صحرائه.

أكيد أن لدى زعمائنا الحداثويين تفسيرا،فهم أهل التفاسير،ألم تتفتق عبقرية وزير التربية الوطنية الحبيب ،وحل معضلة الاكتظاظ في الأقسام الدراسية ـ وهو من رجالات الإحصاء ـ برفع سقف معدل التلاميذ في الأقسام بقولته المشهورة:” 60 تلميذا في القسم ليست اكتظاظا؟ ” وعلى دربه سار الوزير السعيد المكلف بالتنمية الاجتماعية ،الذي حل معضلة الفقر والعوز في المغرب بابتكار مفهوم جديد للفقر، يقول في ما معناه:”ليس الفقير من لا يملك المال،ولا يتوفر على متطلبات الحياة،الفقير هو الذي لا يعرف كيف يوظف ما معه من المؤهلات والخبرات،وهذا هو المفهوم الجديد الذي سنشتغل عليه في إطار مبادرة التنمية البشرية”.

سيقول الزعماء ونقول معهم:إن تعبئة المجتمع في قضية وحدتنا الترابية مسألة مصيرية،يجب أن يساهم فيها الجميع،كل حسب اختصاصه، تحقيقا لإجماع يفوت الفرص على من يتربص بالمغرب الدوائر،ثم إن حب الأوطان من الإيمان كما في الحديث النبوي.

طيب،ماذا سيكون موقف زعمائنا الحداثويين لو تناول خطيب جمعة موضوع القمار الذي صارت له مؤسسات عابرة لجيوب البؤساء،بل ابتكرت لها مسابقات رمضانية، ماذا كان سيحدث لو طرح برلماني سؤالا عن “اللوطو وطوطوفت وكوارتو” ؟ ألم يفقد يومها وزير الشبيبة والرياضة روحه الرياضية،وأعلن أن الحكومة لا تحتاج لمن يعطيها دروسا في الفقه،لأن لها فقهاءها الذين تستفتيهم؟

وماذا كان سيحدث لو تناول خطيب موضوع “السيدا” في يومها العالمي،وفي إطار التوعية والتحسيس بخطرها على العباد والبلاد،وسمى الأشياء بأسمائها،وتحدث عن فاحشة الزنا،وما يترتب عنها من مصائب استدعت لسترها إنشاء جمعية الأمهات العوازب، وبين الخطيب مسؤولية الدولة في ذلك من خلال تشجيع السياحة الجنسية،والتمكين للشواذ لامتلاك “الرياضات” (جمع رياض،وهو منزل راق وسط بساتين ذات أشجار وظلال)وتهجير سكان المدينة القديمة بمراكش، تحت ذريعة تأهيل المدينة،وإحياء الموروث التاريخي لجلب الاستثمار الأجنبي؟

وماذا كان سيحدث لو تناول خطيب موضوع الخمور باعتبارها أم الخبائث،وما تؤدي إليه من خراب البيوت،وتشريد الأطفال،ناهيك عما ينجم عنها من أمراض،ووضح مسؤولية الدولة التي ترعى الخمور زراعة وصناعة وتجارة ،بل وتتبنى في هذا الباب سياسة القرب حقيقة،فيسرت تعميم الأسواق الممتازة،التي وفرت الخمور وأنواع الجعة للشباب قبل غيرهم،بأثمان تكاد تكون بخسة مقارنة مع المواد الغذائية،ورفعت على زبنائها الحرج في الاقتناء، وجعلت لهم في أسواقها الممتازة أبوابا خاصة؟

ثم ماذا كان سيحدث لو تناول خطيب موضوع المشاركة في الانتخابات من زاوية أن التصويت شهادة يدلي بها الناخب،وتعني تزكيته لمرشح،وشهادة على استقامته وصلاحه،سيلقى بها ربه غدا يوم الحساب؛ لذا عليه أن يتحرى لدينه،لا سيما وتجاربنا الانتخابية أثبتت لمن لم يقتنع بعد انعدام مسؤولية من صوتنا عليهم خلال ما سلف من انتخابات.أليس تناول هذا الموضوع ضروريا لتخليق حياتنا السياسية بعد عجز المساطر القانونية على استئصال ورم الاتجار بالمال في ما يسمى الاستثمار الانتخابي؟ وهل هناك تخليق حقيقي إذا تجرد خطابنا من الوازع الإيماني؟

لو حدث هذا ستقوم قيامة،وتسيل وديان حبر جرائد لا تنتعش إلا إذا الخصم هو الإسلام، وتحمر عيون، وتنتفخ أوداج،وستستنفر مقدمة أخبار القناة الثانية ـ لأنها صاحبة اختصاص ـ محرري افتتاحيات جرائد “ماتقيشنيش” ليصبو جام غضبهم على وزيرالشأن الديني الذي لم يستطع أن يراقب خطب الجمعة،التي يستغلها خطباء ذوي توجه ظلامي وفكر إرهابي مستورد لنشر اليأس في نفوس الشباب،وتؤسس للعنف والإرهاب، ومهاجمة مؤسسات الدولة ـ يقصدون أحزابهم وجمعياتهم ـ والنيل من حرمتها،فتهتز مكانتها بذلك في عيون الشباب،ويفقدون الثـقة في الدولة…أما أعقل المتدخلين فيتناول هذه الظواهر التي أثيرت في خطب الجمعة من زاويتي الاجتماع والاقتصاد، فينبري قائلا:إن من يثير مثل هذه القضايا لا علم له بما “تلعبه” سواء السياحة أو الخمور من أدوار مهمة،فهي توفر مناصب شغل لآلاف الأسر المغربية،وتدر على خزينة الدولة عائدات من العملة الصعبة،وملايير الدراهم من خلال الضرائب المباشرة أو غير المباشرة، “تحنحن” مقدمة الأخبار في إشارة إلى الإيجاز، فيبادر الزعيم:اسمحي سيدتي هذا موضوع خطير،لا ينبغي السكوت عنه،ولا يمكن أن نسمح لبعض اليائسين أن يعبثوا بمصير البلاد ومستقبلها،إن الذي يدعو لمقاطعة الانتخابات إنسان خارج التاريخ،لأنه يريد أن يعود بالمجتمع إلى العصر الحجري،يريد الاستبداد بالشعب،ويمنعه من المشاركة في الإقلاع الديمقراطي،….ولولا ضيق الوقت ووفرة المواد الإخبارية لاسترسل أصحابنا في كيل الشتائم لخطيب الجمعة ومن يسانده علنا أو متخفيا وراء انخراطه في الحياة السياسية.

لا أدري كم يلزم زعماءنا من الوقت ليقتنعوا أن قنطرة التنمية وبوابتها هي التصالح مع هوية الشعب،وأن كل خطاب أو توجه لا ينطلق من عقيدة الشعب نشاز رغم التزمير والتطبيل،فالمغاربة مسلمون،مهما ظهر من هشاشة في تدين بعضهم،لأسباب متعددة منها الجهل والفقر والكدح للحصول على لقمة العيش،وإلا فهم مستعدون للبذل والتضحية من أجل المشاركة في تنمية البلاد،متى لمسوا الصدق في النية،والإرادة الحقيقية في التغيير.

نسأل الله الكريم المنان أن ييسر أسباب اقتناع زعمائنا واصطلاحهم مع فطرتهم،وينطلقوا من هوية شعبهم سعيا لمصلحة العباد والبلاد،فقد ضاع من الوقت ما يكفي لينتبه ويفيق الإنسان غافلا كان أو جاحدا، فكفى لغوا سياسيا، ومن لغا فلا جمعة له.