قوام الشعر بين قانون الوزن وفوضى الإيقاع

د. عبد العالي مجدوب / [email protected]

اختلاط المفاهيم وتميّع حدود المصطلحات

“إن العبقرية والمقدرة لا تظهران إلا إذا خضع الإنسان للقوانين الطبيعية أو القواعد الوضعية. فإذا فاز، وقد ألقيت عليه تلك القيود، فمن الحق أن يقال فيه، بعد ذلك، عبقري أو مقتدر. أما إذا تُرك الإنسان يفعل ما يشاء في الوقت الذي يشاء، ومن غير حدود في المكان والزمان، ثم جعل هو من نفسه حكما على نفسه، فإن لكل إنسان الحق، حينئذ، في أن يدّعي العبقرية والمقدرة.”)هذا الشعر الحديث، للدكتور عمر فرّوخ، ص173)

حينما نتعمد هدم الحدود القائمة بين مفاهيم المصطلحات، فذلك يعني تعمّد الإساءة إلى نظام الحياة، والاستهانة بالمنطق الإنساني، الذي قضى، وسيقضي دائما، على الرغم من دعاة الهدم والفوضى والعبث، بأن هناك حدودا مفهومية تخص استعمال كل كلمة، سواء في اللغة أو في الاصطلاح.

“إن اللغة، التي هي محصول الذهن الإنساني عبر عشرات القرون، لا تضع الأسماء اعتباطا ولا عبثا، وإنما هناك مفهوم فلسفي عام يكمن وراء كل تعريف وتسمية في كل لغة.”(قضايا الشعر المعاصر، لنازك الملائكة، ص220)

وماذا يمكن أن تجني الإنسانية عامة، وآداباها بصفة خاصة، من هذه المذاهب العبثية الهدّامة، التي ليس في قاموسها إلا لغة الرفض، والسلب، والتجاوز، والقطيعة، وما إلى هذه الألفاظ في لغة العبث واللامعقول- ماذا يمكن أن تجني الإنسانية من هذه المذاهب غير الفوضى والانحطاط والتفاهة وغيرها من النتائج السلبية التي تخرج الإنسان من إنسانيته، وتفرض عليه، بالوهم المغرق في الوهم، الموشّى بشعارات المعرفة الحداثية، أن يعطّل جميع حواسه من أجل معرفة هي اللامعرفة، وعقل هو اللاعقل، ومستقبل هو اللامستقبل، وغاية هي اللاغاية، ومعنى هو اللامعنى، وأفق إنساني هو اللاأفق، وحرية هي اللاحرية- في جملة، من أجل شيء هو اللاشيء.

فمذاهب العبث والهزل “لا تتحدث بشيء غير الهدم والإلغاء: فلا لون، ولا شبه، ولا رسم، ولا قاعدة في التصوير، ولا لفظ، ولا معنى، ولا منطق، ولا مدلول في الشعر والنثر. وإنه لمن حسن الحظ أن تقصى هذه الدعوى عن الفنون التي ترتبط بها ضرورات المعيشة والاجتماع، فإنها لو تناولتها لسمعنا بفن المعمار الذي لا حجرات، ولا جدران، ولا حجارة، ولا طلاء فيه، وسمعنا بمجامع الموسيقى التي لا تميز بين الضوضاء والألحان، ولا محل فيها للمعازف والآلات.”(اللغة الشاعرة، لعباس محمود العقاد، ص173)

وما أجمل هذا الاحتجاج اللطيف من الأستاذ العقاد ! فقد جمع بين المنطق الرصين والسخرية التي تفارقها رزانة العقل.

ومهما كانت الدواعي والشعارات، فإن الدعوة إلى نقض مفاهيم اللغة التي تعارفتها أمة، بمختلف شعوبها، على طول تاريخ يعدّ بعشرات القرون، إن لم يكن أكثر، إنما هي، في أبسط غاياتها وأوضع معانيها، دعوةٌ إلى التقاطع، والتدابر، واللاتواصل، أي دعوة إلى موت اجتماعي وحضاري محتّم.

فما معنى أن يصطلح الناس طوال قرون ذوات العدد على أن الأبيض هو الأبيض، ويأتي آحاد الناس، في زاوية من الزمان، ليقولوا: لا، إنما الأبيض هو الأسود، ثم يتبعه ثالث، فيقول: لا، إنما الأبيض هو الأصفر، وهكذا في دوّامة من اختلاط المفاهيم لا تنتهي إلى طائل، بل تنتهي، حتما، إلى التضارب، والتنافر، والتباعد، واللاتفاهم.

فمعاني الكلمات، في اللغة، إنما تثبت بالاصطلاح، أي بالاتفاق، ثم تدوم وتترسخ بالتداول والاستعمال. وعلى هذا الأصل تجري الاصطلاحات العلمة والفنية، ومنها اصطلاحات فن الشعر، واصطلاحات علم أوزان الشعر، أي علم العروض.

فحينما يصبح كل واحد حرا في استعمال الكلمات والاصطلاحات بالمعاني التي يريدها هو، لا المعاني الاصطلاحية التي يتفاهم بها الناس ويتواصلون، فذلك يعني، حينئذ، أننا قد وصلنا إلى قمة العبث، والفوضى، واللاتواصل.

فمثلا، حينما يصبح الشعر نثرا، والنثر شعرا، من غير اعتبار للفوارق الأساسية بين الفنين، وحينما يصبح الحديث عن الوزن حديثا إنشائيا لا يعترف بالقواعد والحدود والضوابط والمفاهيم المميزة للأشياء والمعاني بعضها من بعض، وحينما يصبح الاحتجاج لمثل هذه الفوضى في استعمال مفردات اللغة واصطلاحات الفنون والعلوم قائما، أساسا، على التخييل الجامح، والوهم البعيد، والتصورات والآراء العبثية اللامعقولة- حينما يقع مثل هذا، فإن كل شيء يصبح مباحا.

إذن، أين هي المسؤولية الإنسانية؟ أين هي مسؤولية الكلمة؟ أين هو احترام حق الإنسان، وكرامته، وعقله، وعواطفه، ومشاعره؟

ولم تكن الأديبة الناقدة نازك الملائكة مبالغة حين حكمت بأن مثل هذه المحاولات العبثية  وقد جاء كلامها هذا في سياق نقدها لبدعة “قصيدة النثر”، كما مرّ بنا في مقالة سابقة- “تكاد تكون تحقيرا للذهن الإنساني، الذي يحب بطبعه تصنيف الأشياء وترتيبها. فإذا أطلقنا اسما واحدا على شيئين مختلفين تمام الاختلاف، فما وظيفة الذهن الإنساني؟”(قضايا الشعر المعاصر، ص221)

وتضيف الأديبة قائلة، دائما في سياق “مناقشتها اللغوية” لدعوى “قصيدة النثر”: “فلعلنا نستطيع أن نلاحظ كلنا أن تسميتنا للنثر “شعرا” هي، في حقيقة الأمر، كذبة لها كل ما للكذب من زيف وشناعة، وعليها أن تجابه كل ما يجابهه الكذب من نتائج. والكذبة اللغوية لا تختلف عن الكذبة الأخلاقية إلا في المظهر.”(نفسه)

وتستطرد في مناقشتها قائلة: “واللغة الإنسانية، كل لغة، هي الصدق في أنقى معانيه وأسماها. إنها واقعية، لأنها تسمي الأشياء بأسمائها الحقة، فلا تخون ولا تكذب ولا تزيف(& ) والنثر يسمى في اللغة نثرا، لأن اسمه هذا يعطينا صفة النثر، كما أن الشعر يسمى شعرا ليعطينا صفة الشعر. وهذا الصدق المطلق في اللغة يكسبها ثقتنا وإجلالنا. وهو، أيضا، يحمينا نحن الذين نتكلم هذه اللغة من أن نكذب& “(نفسه)

وكذلك علم أوزان الشعر(علم العروض)، وإن كان، في أصل وضعه، قائما على الاجتهاد البشري، كما هي مفردات اللغة في أصل وضعها، فهو علم له أصوله ومصطلحاته التي ثبتت له عبر قرون من التدارس والتداول، وبناء على هذا، فلا يمكن لأي كان أن يفرض استعمال هذه المصطلحات بغير المعاني التي ترسخت عبر الأجيال الطويلة المتلاحقة. وإلا، فإن الجوهر الاصطلاحي اللازم في مختلف عمليات التفاهم والتبليغ سيسقط، وسنصبح، حينئذ، بإزاء مفردات لغوية عارية من أي مدلول اصطلاحي متميز.

فَـ”التفعيلة”، في الاصطلاح العروضي، هي جزء من مكونات البحر في الوزن الشعري. و”الشطر” هو نصف البيت الشعري، و”القصيدة” عبارة عن مجموعة أبيات. وهكذا إلى آخر ما هناك من الاصطلاحات التي لها مفاهيم معروفة ومحفوظة خلال زمان طويل.

وما على الحداثي المجدد إلا أن يبحث لأفكاره وتصوراته ومفاهيمه “الثورية” “الرفضية” “الهدمية” عن اصطلاحات جديدة. أليس من مبادئهم الجوهرية أن الأشكال تتبدل بتبدل المعاني والأغراض والتصورات؟

فلماذا استثناء الاصطلاحات القديمة من هذا المبدأ؟ لماذا السطو على هذه الاصطلاحات ومحاولة فرض استعمالها بحمولة مفاهيمية مخترعة، هي غير الحمولة المعروفة بين الناس؟ وهل هناك من غاية وراء مثل هذا الفعل العبثي غير الفوضى من غير نظام بديل، والهدم من غير بناء جديد؟

وإلى المقالة التاسعة والأخيرة، إن شاء الله، حول عبثية “الإيقاع” في النقد الحداثي.