لن نمل من تكرار أن المغرب لم يتصالح بعد مع ماضيه الأسود، ولم يصف تركة سنوات الرصاص التي خيمت عليه سنوات طويلة، لأن المسؤولين فيه لم يدركوا بعد هول تلك الكوارث والمصائب، ولم يعتبروا من نتائجها لتجنب تكرارها، ولم يوجدوا الضمانات القانونية والمؤسساتية لذلك، وكل ما قاموا به لحد الساعة لا يعدو أن يكون امتصاصا لغضب، واستجابة محدودة لضغوطات، وتبييضا لسجل أسود كان يمكن أن يشوش على العهد الجديد، وهو جديد في بعض وجوهه وشعاراته وقشوره دون خياراته وسياساته.

إنها خلاصة لم تزدها الأيام والأحداث إلا تأكيدا ورسوخا في الأذهان، حتى أصبح الرأي العام متيقنا من أن أجواء تازمامارت ما زالت تلبد سماء العهد الجديد، ولعنة الماضي الأسود ما زالت تطارد رجالاته. وأحداث 16 ماي الأليمة وما تلاها خير شاهد حيث خلفت آلاف المعتقلين بما يرافق ذلك من حملات المداهمات الليلية للمنازل وترويع للأهالي واستباحة للحرمات واختطاف للمشتبه فيهم من قريب أو بعيد وتفنن في التعذيب وانتزاع للاعترافات بالقوة. كما تثبت فشل هيئة الإنصاف والمصالحة في مهمتها حيث بقيت توصياتها حبرا على ورق، وحتى الجرائم التي كشفتها قيدت ضد مجهول، والمتورطون فيها أحرار طلقاء يعيثون في الأرض فسادا ويرتقون في المناصب والمسؤوليات ويكافؤون بالأوسمة والشهادات.

بل إن المغرب أصبح قبلة للأمريكان يرحلون إليه معتقلين عجزوا عن انتزاع اعترافات منهم أو ضاقت بهم زنازن كوانتانامو وغيرها، وهذا من جديد العهد الجديد!!!

قد يجادل البعض في اعتبار ما طال معتقلي أحداث 16 ماي وما تلاها من انتهاكات جسيمة مؤشرا على استمرار نظام الحكم في نفس سياساته وتشبثه بخيارات سلفه، مبررا بذلك بالإكراهات الموضوعية والقوة القاهرة تارة، وبأخطاء وممارسات فردية تارة أخرى، ولكن ماذا عساهم يقولون في ملف المهدي بنبركة؟

لقد تولى الملف، للأسف الشديد، رفاق له تتلمذوا على أفكاره، وأعلنوا، ويعلنون، انتسابهم لمدرسته، وتبنوا منذ زمان قضيته، ولكنهم لم يحققوا تقدما في كشف حقيقتها. وليتهم اعترفوا بعجزهم وبينوا سببه، فآنذاك يمكن التماس بعض الأعذار لهم، ولكنهم غيروا الوجهة فصاروا يبررون ويسوفون.

يتاح للمغاربة في يوم 29 أكتوبر من كل سنة فرصة لاكتشاف صفحة سوداء من تاريخ قاتم لنظام حكم بالرصاص وواجه معارضيه بالبطش والتنكيل، وأجاز لنفسه استخدام كل سلاح دون مراعاة لقانون أو أخلاق.

في مثل هذا اليوم من سنة 1965 اختطف من باريس  بلد حقوق الإنسان؟!- المهدي بنبركة، وهو يومذاك من أشد المعارضين للنظام الحاكم، ومنذ ذلك التاريخ لم يستقر الأمر على رواية واحدة بخصوص مصيره سوى أنه قتل دون معرفة تفاصيل حول ذلك: كيف قتل؟ ومتى؟ وأين؟ ومن؟ ولماذا؟ وما مصير جثته؟

بقيت قصة اختطافه وقتله لغزا محيرا وسرا عجيبا مدفونا في صدور قلة قليلة لم تبح به لأنها لم تجد من يرغمها على ذلك، أو ربما وجدت من يشجعها إلى يومنا هذا على الكتمان رغم مرور أزيد من أربعة عقود من الزمن، وهي مدة كافية لكشف النقاب عن أشد القضايا سرية، وتفكيك أكثرها تعقيدا، ولكن قضية بنبركة، للأسف، لم يزدها الزمن إلا غموضا والتباسا بحكم كثرة الروايات وتعدد أصحابها وتناقض مضمونها أحيانا.

تشكلت لجان وهيآت، ونظمت مسيرات ووقفات، وتعددت المناشدات والمطالبات، ونصبت هيئات دفاع دون جدوى .. مما يطرح سؤالا طويلا عريضا عمن له مصلحة في عدم حل رموز هذا اللغز وتفكيك الغموض المحيط به، ومن يعيق الكشف عن مصير جثة رجل غير عادي بكل المقاييس يتبنى قضيته الجميع. في الظاهر على الأقل.

بعد وفاة الحسن الثاني استبشر البعض خيرا بقرب انفراج في هذا الملف بحكم حساسيته في عهده، وبحكم الشعارات التي رافقت تولي محمد السادس وأهمها المصالحة مع الماضي وتصفية تركته، ولذلك صرح مسؤولون في هيئة الإنصاف والمصالحة بأن الملف يدخل ضمن اختصاصهم ووعدوا بكشف خفاياه ونشر خباياه، ولكنهم أخلفوا الموعد ولم يوفوا بوعدهم، وكان فشلهم فيه شاهدا كافيا على عجزهم وفشلهم.

اليوم تحل الذكرى الواحدة والأربعون على اختطاف المهدي بنبركة وهي مناسبة للتأكيد على مطالب أساسية لم يتحقق منها شيء إلى يومنا هذا:

1- الكشف عن مصير كل المختطفين والمفقودين أمواتا أو أحياء.

2- تحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية.

3- متابعة الجناة وإبعاد المتورطين عن المسؤوليات العمومية.

4- تسليم رفات الموتى وجبر الضرر الحاصل لكل المتضررين وذويهم.

5- إخضاع الأجهزة الأمنية للمراقبة والمحاسبة بعد إصلاحها.

6- إقرار الضمانات الدستورية والسياسية والإدارية والقانونية والقضائية والمؤسساتية لتجنب تكرار تلك المآسي.

كما أن هذه الذكرى مناسبة تكشف كل سنة حقائق عدة منها:

1- عدم كشف الحقيقة في ملف بنبركة أكبر مؤشر على فقدان الإرادة السياسية لدى النظام الحاكم في القطع مع إرث الماضي، فهذا الملف هو المحك الحقيقي لأن تورط مسؤولين على أعلى المستويات فيه أكيد واحتمال تحميل المسؤولية فيه إلى أفراد ضئيل جدا. وهو ملف يبرز مدى قدرة الدولة على مواجهة رجالها المخطئين كيفما كان نفوذهم، ومدى تقبلها للحقيقة رغم مرارتها.

2- ملف بنبركة شاهد آخر على تنكر بعض رفاق الأمس لماضيهم ومبادئهم ورموزهم وتراجعهم عن مواقفهم، وأنهم كانوا يستغلون الملف، إضافة لملفات أخرى، للضغط والمزايدة على الدولة لتحسين مواقعهم وابتزازها لتحقيق مصالحهم.

3- كشف الحقيقة في هذا الملف مؤشر على نجاح حركة مطلبية رفعت منذ سنوات شعار الحقيقة، لأنه، حتما، سيطيح برؤوس كبيرة تقف عائقا في وجه كشف الحقيقة في ملفات وقضايا أخرى.

من أجل ذلك ليس أمامنا إلا التكتل بعيدا عن كل الحسابات أو المصالح في جبهة واحدة من أجل هذا الهدف مع التأكيد أن التأخر في كشف حقيقته ليس في مصلحة أحد، والتصدي لمن يحاول التشويش على هذا الملف تحت أي مبرر كان، والله تعالى يقول: ” مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً” (المائدة : 32 ) فما بالنا إن كان هذا الرجل صاحب فكر ورأي ورؤية لا سلاح له إلا ذلك. بوقوفنا في صف واحد لكشف حقيقة هذا الملف نعلن رفض استعمال التعذيب والعنف ضد أصحاب الرأي والفكر.

ذكرى اختطاف المهدي بنبركة فرصة أخرى للاعتبار بما جرى واسترجاع شريط ذلك، حيث الدولة تهيئ الأجواء المناسبة لحملتها، فتصنع جوا سياسيا مكهربا لا حديث فيه إلا عن المؤامرة على البلاد وزعزعة الاستقرار مستعينة في ذلك بأقلام وصحف مأجورة وأصحاب ذمم منحطة باعوا دينهم ودنياهم وذممهم بعرض من الدنيا قليل، وتعمل على تحييد الخصوم وإشاعة جو الفرقة وسطهم، ثم بعد ذلك تنقض على الواحد تلو الآخر، وصدق ذلك الثور حين قال: “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”.

ما نعيشه اليوم يشبه الأمس مع اختلاف في الشخصيات والمواقع طبعا، وكم نتمنى أن لا تكون النهاية مثل المهدي بنبركة. فلا خير فينا يومها لأننا نكون ضيعنا الفرصة وأضعنا الوقت وفرطنا في الأمانة ومكنا للاستبداد وأطلنا عمره. بل قد يكون بعضنا وقوده. لا خير فينا حينذاك.

اللهم استعملنا فيما يرضيك ولا تجعلنا من القوم الظالمين ولا مع القوم الظالمين.