دأب كل الدارسين المهتمين بتاريخ الأدب العربي على اعتبار “عصر النبوة والخلافة الراشدة” و”عصر بني أمية” عصرا أدبيا واحدا، اصطلحوا على تسميته “العصر الإسلامي” (1)، وهو تصنيف يبقى _ رغم تداوله وشيوعه _ قابلا للنقاش لأن فيه الكثير من التجاوز والتعميم والمبالغة، ذلك أن هذا العصر المصطلح على تسميته: “عصرا إسلاميا” يتشكل في حقيقة الأمر من عصرين اثنين يتميز أحدهما عن الآخر أيما تميز:

_ سياسيا: كان المجتمع الذي أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم مؤسسا على “الشورى” وذلك تطبيقا للتوجيهات الربانية: “فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر” آل عمران / 159، “وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون” الشورى /38، وقد جسد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون هذا الأمر خير تجسيد كما يتضح من خلال استقراء مواقفهم وسيرهم. وكان غياب هذا الأمر العظيم الجلل أمارة دالة على التحول العميق والخطير الذي عاشته الأمة بعد مقتل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، واستيلاء بني أمية على مقاليد السلطة.

_ اقتصاديا واجتماعيا: كانت قيم العدل والمحبة والإخاء والتسامح والإيثار… أهم المعالم التي ميزت المجتمع الذي أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، فتشكلت بذلك قطيعة فاصلة ميزت هذا المجتمع عن المجتمع الجاهلي، لكن سرعان ما استفاقت الروح الجاهلية على عهد بني أمية، لتعم المجتمع المسلم مشاعر البغضاء والشحناء والأحقاد، وتنبعث العداوات والصراعات القبلية والعرقية القائمة على التفاخر بالأحساب والأنساب…

_ ثقافيا وعلميا: حدد القرآن الكريم للإنسان المسلم أبعاد وخصوصيات العلم المطلوب “فاعلم أنه لا إله إلا الله، واستغفر لذنبك” محمد / 19، فالعلم لا يطلب لذاته، بل باعتباره وسيلة تقرب إلى الله عز وجل، وتقر له بالعبودية والخضوع. ولعل من أبرز القضايا التي طرحت للنقاش في هذا الصدد، قضية موقف الإسلام من الشعر، على اعتبار أن الشعر كان هو ديون العرب، وكان -على حد تعبير عمر بن الخطاب رضي الله عنه-: “علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه”. فقد انخرط الشعر بشكل جد إيجابي في المعركة التي خاضها الرسول الكريم وصحابته الكرام ضد المشركين الذين حاربوا دعوة الإسلام بكل ما أوتوا من قوة، فأصبح دور الشعر لا يقل عن دون السيوف والرماح، وهذا ما أكسب الفاعلية الشعرية خصوصياتها المميزة لفظا ومعنى ومقصدية، غير أن تغير نمط الحكم على عهد بني أمية كان له الدور الرئيس في وسم الروح الشعرية بسمات تعكس المعطيات السياسية والاجتماعية والثقافية التي ميزت العصر الأموي.

ولا غرابة أن يشكل الاعتبار السياسي أساس وجوهر الاختلاف بين عصر النبوة والخلافة الراشدة وعصر بني أمية، ذلك أن تغير نمط الحكم في المجتمع الإسلامي من حكم قائم على الشورى والعدل إلى حكم قائم على العض شكل ضربة قاصمة غيرت كل معطيات ومعالم التاريخ الإسلامي، هذا التغير السياسي العميق الذي عاشته الأمة لا يخرج عن إطار القدر الذي شاء له مدبره عز وجل أن يتحول إلى قضاء عاشته الأمة راضية مستسلمة، هذا ما يتضح من خلال إشراقات نبوية كثيرة لعل أشهرها حديث الخلافة المشهور: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها، ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة. ثم سكت.”(2)

يتضح جليا من خلال هذا الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد أن ما يعتبر في عُرفِ أغلب نقاد ودارسي تاريخ الأدب العربي عصرا أدبيا واحدا سموه “عصرا إسلاميا” يعتبر في حقيقة الأمر ثلاثة أعصر بالاعتبار السياسي: عصر النبوة / عصر الخلافة الراشدة / عصر الملك العاض… وإذا كان عصر النبوة معلوما مميزا مرتبطا أشد الارتباط بحياة النبي صلى الله عليه وسلم منذ مبعثه إلى لحظة وفاته، وإذا كان عصر الخلفاء الراشدين مرتبطا أشد الارتباط بحياة ومنجزات الخلفاء الراشدين بدءا بالخليفة الأول أبي بكر الصديق وانتهاء باستشهاد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فإن عصر العض بدأ بانقضاض بني أمية في شخص معاوية ين أبي سفيان على سدة الحكم، حيث عمد إلى توريثه إلى ابنه يزيد بن معاوية، ليصبح الحكم منذئذ عاضا وراثيا ينتقل من الأب إلى ابنه تباعا.

وإذا كان مؤرخو ودارسو الأدب العربي قد جعلوا من المعيار السياسي أساسا لدراسة الأدب آخذين بعين الاعتبار مقولة “أن الأدب ابن بيئته”، وأن التوجه السياسي يؤثر بشكل كبير على الإنتاج الأدبي، فإن المراحل السياسية التي يشير إليها الحديث النبوي تتميز كل منها عن الأخرى بخصوصيات تميز كل منها على الأخرى رغم القواسم المشتركة التي تجمع بينها والتي اعتبرت “أصولا” باصطلاح النقاد.

هدفنا من هذه المقالة هو استجلاء حدود تصوير فن الخطابة للانكسار التاريخي الذي عاشته الأمة يكل ما وسم هذا الانكسار وما استتبعه من تفرقة وتعصب وصراع واقتتال واستمالة وتحيز وانتماء وأحقاد وأضغان… فما المقصود بفن الخطابة عموما؟ وما الخصوصيات المميزة لهذا الفن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عهد خلقائه الراشدين، وعلى عهد بني أمية ؟ ما حدود ومظاهر تميز الخطابة على عهد بني أمية على الأعصر السابقة واللاحقة؟ وبالجملة ما هي حدود تصوير هذا الفن للتغير الكبير الذي عاشته الأمة بعد تغير نمط الحكم من حكم نبوي راشدي قائم على الشورى والعدل إلى حكم عاض قائم على الاستبداد والبغي؟

1 _ الخطابة: تعريف وتحديد:

“الخطبة: مصدر الخطيب، وخَطَبَ الخَاطِبُ على المنبر، واخْتَطَبَ يَخْطُبُ خَطَابَةً، واسم الكلام: الخطبة (…) وذهب أبو إسحق إلى أن الخطبة عند العرب: الكلام المنثور المسجّع، ونحوه. الجوهري: خَطَبْتُ على المنبر خُطْبَة بالضم، وخَطَبْتُ المرأة خِطبَة بالكسر، واختطب فيهما..”(3) ونقول: “خطب: خاطبه أحسن الخطاب، وهو المواجهة بالكلام. وخطب الخَطِيبُ خطبة حسنة (…) واختطب القوم فلانا: دعوه إلى أن يخطب إليهم، يقال: اختطبوه فما خطب إليهم…”(4)، فالخطابة مصدر خطب يَخْطُبُ: ألقى خطبة، والخطابة أو الخطبة هي الكلام المنثور الذي يقصد به التأثير والإقناع، فهي لا تخرج عن إطار الخطاب اللغوي الإقناعي الذي يخضع لضوابط وقواعد اللغة، وبذلك “يتمكن من تقديم الحجج أو استنباطها واستقرائها عن طريق الروابط (ذلك أن، حيث، لهذا، ثم إلخ). فهذه العملية تخضع لعملية تفكير تساير المنطق وتأخذ وضعية المخاطب الاجتماعية والمادية ومؤهلاته الفكرية بعين الاعتبار فيحصل أن يكون الإقناع واضحا يُستخلص من المعطى الظاهري للخطاب وإما أن يكون ضمنيا يستخرج من المعنى الاقتضائي للخطاب وهذا جانب انكبت عليه دراسات المناطقة واللغويين” (5).

وقد عرفت المجتمعات الإنسانية الخطابة منذ أقدم العصور وذلك لشدة الحاجة إليها باعتبارها ضرورة اجتماعية تحقق التواصل المنشود بين أفراد المجتمع، هذا ما يؤكده الجاحظ بقوله: “قالوا: والخطابة شيء في جميع الأمم، وبكل الأجيال إليه أعظم الحاجة…”(6)، وقد احتفى النقاد العرب منذ أقدم العصور بهذا الفن المتميز أيما احتفاء فسموا الخطبة التي لا تبتدئ بالتحميد ولا تستفتح بالتمجيد: “البتراء”، وسموا التي لم توشح بالقرآن، وتزين بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم “الشوهاء”(7)، كما ميزوا بين الخطب الطوال، والخطب القصار “ولكل ذلك موضع يليق به، ومكان يحسن فيه”(8)، وتحدثوا عن شروط ومواصفات ومقومات الخطبة الناجحة: “… وسمعت أبا دؤاد يقول: وجرى شيء من ذكر الخطب وتحبير الكلام، فقال: تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق في غير أهل البادية نقص، والنظر في عيون الناس عي، ومسح اللحية هُلْك، والخروج عما بني عليه الكلام إسهاب. قال: وسمعته يقول: رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدُربة، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيراللفظ، والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه”(9)، كما عمدوا إلى تصنيف الخطبة باعتبار موضوعاتها وأغراضها، فميزوا بين الخطبة الدينية كتلك التي تلقى أيام الجمع والأعياد، والخطبة السياسية كتلك الني تلقى بعد تولي أحدهم منصب “الخلافة” أو “الملك” أو “الولاية”… أو تلك التي تلقى في الحث على الجهاد والدعوة إليه…

2 _ الخريطة السياسية على عهد بني أمية:

بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه تولى الخلافة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بعدما بايعه الناس خوفا من الفتنة والاختلاف والفساد، فيذكر الطبري أنه كان في السوق عندما قالوا له: “ابسط يدك نبايعك قال: لا تعجلوا، فإن عمر كان رجلا مباركا، وقد أوصى بها شورى، فأمهلوا يجتمع الناس ويتشاورون، فارتد الناس عن علي ثم قال بعضهم: إن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان ولم يقع بعده قائم بهذا الأمر، لم نأمن اختلاف الناس وفساد الأمة، فعادوا إلى علي”(10)، عادوا ليبايعوه، فقال لهم: “ففي المسجد، فإن بيعتي لا تكون خفيا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين” بايعه الناس في المسجد ومنهم كبار الصحابة بمن فيهم من خرج بعد ذلك عن هذه البيعة أمثال الزبير وطلحة رضي الله عنهما”(11)

ورغم أن بيعته كانت علنية وشرعية ومكتملة الشروط، فإن حدث مقتل عثمان رضي الله عنه كان بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير، إذ استغله معاوية بن أبي سفيان الذي كان حينئذ واليا بالشام لإثارة القلاقل والفتن والخلافات في جسد الأمة، فكان يخطب في الناس تحت قميص عثمان متهما عليا كرم الله وجهه بالتحريض عن قتله، وإيواء قتلته. وهكذا انقسم المسلمون وتوزعت آراؤهم بين مناصر لمعاوية مصدق لكل ما يروجه ويدعو إليه، وبين مؤيد للخليفة علي بن أبي طالب عارف بحقائق الأمور، لم تزده تقلبات الأحداث، واضطراب الأوضاع إلا ثقة ورسوخا بحقيقة الأهداف الدنيئة التي كان أهل الشام يسعون لتحقيقها.

لقد تطورت الأوضاع، وتعقدت الأمور، وأسفرت عن انفراط عروة الحكم الذي تغير تماما إذ صار حكما قائما على العض والوراثة، بعدما كان قائما على الشورى، وكان استيلاء بني أمية على مقاليد السلطة هو أصل البلاء، وسبب دخول الأمة عهد الفتنة بامتياز، وقد تمخض عن هذا التحول التاريخي مشهدا سياسيا متعدد الألوان، ومختلف الاتجاهات والأبعاد، وهذا ما يتضح من خلال “الأحزاب” السياسية التي أفرزتها معطيات هذه اللحظة الحضارية الحرجة(12):

_ الهاشمية: وهو حزب بني هاشم الذي كان قد انتصر لعلي باعتباره الخليفة الشرعي، لأن خلافته قامت على أساس انتخابي صحيح، وعرف هؤلاء بالشيعة، وقد بلور مقتل الإمام علي اتجاههم.

_ العثمانية: هو الحزب المطالب بدم عثمان الذي قتل ظلما، وهو نفس الحزب الذي ساند معاوية حين تولى بطولة هذا الدور، وتحول فيما بعد إلى الحزب الأموي، وكان يعضده أهل الشام.

_ الخوارج: وهو حزب المحكمة الذين أنكروا على علي قبوله بتحكيم الناس، وفي خلافته، وكانوا يقولون بأنه لا حاكم إلا الله. وقد تمسك هذا الحزب بالتقاليد الإسلامية الأولى وطالب بإقامة الخلافة على أساس ديني، على أن تكون حقا لكل عربي، وهم في ذلك يخالفون نظرية الشيعة الذين يقصرون الحق في الخلافة على البيت الهاشمي، وقد انقسم هذا الحزب فيما بعد إلى فرق كثيرة كالصفرية والنجدية والإباضية والأزارقة.

_ المرجئة: وهم الحزب الذي نادى بترك الحكم لله يوم الحساب، وكانوا يتحرجون عن إدانة أي مسلم مهما بلغت ذنوبه ومعاصيه، وقد اعتزل المرجئة الفتنة ولم يخوضوا غمارها، ولم يتحيزوا لفريق على آخر، وهم أساس المعتزلة الذين ظهروا في أواخر عصر الدولة الأموية.

وقد كان لكل حزب من هذه الأحزاب موقع ينطلق منه للدفاع عن مواقفه “ففي الحجاز حزب يؤيد ابن الزبير، وفي الشام حزب يعضد بني أمية، وفي العراق الشيعة يدعون إلى بيت الرسول، والخوارج ينكرون ويكفرون هؤلاء جميعا…”(13)، وكان طبيعيا أن يكون لكل حزب من هذه الأحزاب “رأي في الخلافة، ونظر في الدين، وحجة من الكتاب والسنة، وعدة من الخطابة والشعر”(14)، كما كان طبيعيا جدا أن يكون لكل حزب لسان معبر عن قناعاته ومبادئه وتوجهاته وطموحاته، مما أعاد إلى الساحة صور الحياة العربية الجاهلية بكل ما وسمها من تعصب قبلي، واضطراب سياسي واجتماعي…

3 _ الاضطراب السياسي والحاجة إلى الخطابة:

لم يكن غريبا أن تشتد الحاجة إلى فن الخطابة في خضم الأحداث الجسام التي عاشتها الأمة إثر مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، ذلك أن الخطابة فن إقناعي بالدرجة الأولى، على اعتبار أنها في نهاية المطاف خطاب / إرسالية موجه من مرسل إلى مرسل إليه بهدف التأثير فيه واكتساب وده وتعاطفه وإقناعه بموقف معين، ومعلوم أن تحقيق هدف الإقناع هذا يستدعي بالإضافة إلى حشد الحجج المفحمة والبراهين الواضحة والأدلة القاطعة مهارات متميزة خاصة باللغة والأسلوب وبطرق الإلقاء. هذه الخاصية الإقناعية التي تميز هذا الفن جعلت كل طرف من أطراف الصراع يحتمي به، ويلتجئ إليه دفاعا عن مواقفه، وتوضيحا لآرائه، وسعيا لكسب تعاطف الجماهير… وهكذا فرض فن الخطابة نفسه خلال هذه المرحلة / المخاض من حياة الأمة، لدرجة أنها أصبحت تشكل استثناء فنيا يسمح لنا بالتأكيد بأن هذه المرحلة كانت مرحلة خطابة بامتياز، صحيح أن فاعلية الإبداع الشعري ظلت حاضرة بشكل قوي، مصورة التحولات الجذرية التي عرفها المجتمع المسلم على جميع المستويات، غير أن فن الخطابة كان له الحضور الأبرز والأقوى بلا منازع لأسباب كثيرة:

_ أنها ارتبطت ارتباطا وثيقا باللحظات الحرجة والقوية والحاسمة التي عاشتها الأمة: فقد اعتمدها معاوية بن أبي سفيان للتحريض على علي بن أبي طالب متهما إياه بالتحريض على قتل عثمان وبإيواء قتلته.

_ أنها لم ترتبط بفاعلين / مبدعين خاصين كما هو الشأن بالنسبة للشعر، بل عبرت بشكل تلقائي وصادق عن مختلف التفاعلات والصراعات والتناقضات التي عرفها المجتمع.

_ أنها كانت أنسب الفنون للتعبير على الشتات المذهبي والعقدي والسياسي الذي أعقب قبول علي بن أبي طالب مبدأ التحكيم، وما نتج عن ذلك صراع واختلاف (الهاشمية، العثمانية، الخوارج، المرجئة،…).

_ أنها واكبت الصراعات التي عرفتها الأمة، وهي صراعات لم تقف عند حدود الاختلاف الفكري والمذهبي بل وصلت إلى حدود المواجهات العسكرية / الحربية بين المسلمين: معركة صفين، معركة الجمل، معركة النهراوان…

_ أنها عبرت على أجواء الحرية التي كانت سائدة لحظتئذ، بحيث كان بإمكان كل طرف أن يعبر عن رأيه بحرية وجرأة وطلاقة، ودون حرج أو خوف أو تردد، ولعل ما يؤكد هذا المعطى أن الخطابة السياسية ضعفت خلال عصر بني العباس “ضعفا شديدا، لأنها إنما تزدهر حين تكفل للناس حرياتهم السياسية على نحو ما كان الشأن في عصر بني أمية، أما في هذا العصر فقد أخذ العباسيون الناس بالشدة، فضعفت الأحزاب السياسية وفنيت أو ذابت حريتهم في سلطانهم الباطش بكل من حدثته نفسه بخروج عليهم بل بخلاف أو ما يشبه الخلاف…”(15)

4 _ مقتل عثمان بن عفان وبداية زمن الفتنة:

يسعفنا استقراء تاريخ الخلفاء الراشدين وخاصة سيرة الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه بمعرفة الظروف والحيثيات التي أسفرت عن مقتله(16)، ولعل ما يثير الانتباه في معرض مناقشة واستحضار كل هذه الظروف هو المواقف العظيمة المتميزة التي تبناها علي ابن أبي طالب والتي لم تمنع أصابع الاتهام من أن تتوجه إليه، فألصقت به تهمة التآمر لقتل الخليفة الثالث زورا وظلما وبهتانا، فقد كتبت نائلة بنت الفُرافصة امرأة عثمان بن عفان كتابا مع النعمان بن بشير، وبعثت إليه بقميص عثمان مخضوبا بالدماء، ومما جاء في رسالتها قولها: “… إن أهل المدينة حصروه في داره وحرسوه ليلهم ونهارهم، قياما على أبوابه بالسلاح، يمنعونه من كل شيء قدروا عليه، حتى منعوه الماء، فمكث هو ومن معه خمسين ليلة، وأهل مصر قد أسندوا أمرهم إلى علي ومحمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر وطلحة والزبير فأمروهم بقتله…”(17)، هذه المغالطة الفظيعة والتهمة القاتلة التي ألصقت بعلي بن أبي طالب تنفيها المواقف الجليلة والنبيلة التي تبناها الرجل عندما كان عثمان محاصرا يتجرع محنة الحصار والتهديد والوعيد:

_ فهو الذي أمده بثلاث قرب مملوءة ماء عندما كان في أمس الحاجة إلى الماء.

_ وهو الذي قال لابنيه الحسن والحسين: اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه بمكروه.

_ وهو الذي غضب أشد الغضب عندما بلغه مقتل عثمان، وبلغ من غضبه أن صرخ في وجهي ابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما بالباب؟ ورفع يده فلطم الحسين، وضرب صدر الحسن، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير.

_ وهو الذي استطاع أن يقنع الثوار المتألبين الناقمين على الخليفة عثمان بحجته المقنعة، وبمنطقه الأخاذ “حتى استجابوا لنصحه بمغادرة المدينة والرجوع إلى بلادهم. ولقد غادروا المدينة فعلا عائدين إلى أمصارهم، لولا أن صادفوا في الطريق رسولا يحمل كتابا زوره “مروان بن الحكم” على الخليفة، ومهره بخاتمه من غير أن يعلم.. وكان الكتاب أمرا بقتل زعماء الثوار جميعا.. وكان _ مروان _ آنئذ بمثابة رئيس ديوان الخلافة، فعاد الثوار إلى المدينة أشد غيظا وعدوانا.”(18)

_ بل هو الذي ظل يلتمس له عذر عدم تقديم مروان الذي كان مطلوبا بعدما تبين للمحاصرين أنه هو من زور الكتاب على أمير المؤمنين، فقد “لقيه طلحة فقال: مالك يا أبا الحسن ضربتَ الحسن والحسين ؟ فقال: عليك وعليهما لعنة الله، يقتل أمير المؤمنين ورجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بدري، ولم تقم بينة ولا حجة، فقال طلحة: لو دفع مروان لم يقتل، فقال: لو دفع مروان قُتِلَ قبل أن تثبت عليه حجة”(19).

هذا الحدث العظيم الذي يعطي صورة من صور المؤامرات التي كانت تحاك في الخفاء، والتي جعلت أمر المسلمين مفرقا أيادي سبأ، كان بمثابة الهزة التي ستغير تماما تاريخ المسلمين، وهذا ما عبر عنه ثمامة الأنصاري الذي كان عاملا لعثمان، إذ بعدما بلغه نبأ مقتله، بكى، وقال: “اليوم انتزعت خلافة النبوة من أمة محمد وصار الملك بالسيف، فمن غلب على شيء أكله”(20)، فقد كان حدث مقتل عثمان فعلا إيذانا قويا ببدء اجتثاث الخلافة من أمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان في الوقت نفسه إيذانا ببدء انتقال نمط الحكم من خلافة راشدة إلى ملك قائم على القهر والجبر والإرغام، ونجد الترجمة الأمينة لهذا الانتقال في نمط الحكم في حديث الخلافة الذي أورده الإمام أحمد في “مسنده” بسند صحيح.

الهوامش:

(1) _ انظر على سبيل المثال لا الحصر: (العصر الإسلامي) لشوقي ضيف، و(تاريخ الأدب العربي) لأحمد حسن الزيات، و(تاريخ الأدب العرب) لحنا الفاخوري …

(2) _ رواه الإمام أحمد بسند صحيح.

(3) _ (لسان العرب) مادة: “خطب”.

(4) _ (أساس البلاغة) مادة: “خطب”.

(5) _ “الإقناع والمغالطة” / (دراسات أدبية ولسانية) / العدد 5 / شتاء: 1986 / ص: 48.

(6) _ (البيان والتبيين) 3/12.

(7) _ (المصدر نفسه) 2/6.

(8) _ (المصدر نفسه) 4/57.

(9) _ (المصدر نفسه) 4/58.

(10) _ (الحكم الإسلامي بين النقض والإبرام) 32 _ 33 نقلا عن: “الشورى في تولية الخلفاء الراشدين” / مجلة: (منار الهدى) 73.

(11) _ “الشورى في تولية الخلفاء الراشدين” / مجلة: (منار الهدى) 73.

(12) _ (تاريخ الدولة العربية) 594 _ 595.

(13) _ (تاريخ الأدب العربي) 66 _ 67.

(14) _ (المرجع نفسه) 66 _ 67.

(15) _ (العصر العباسي الأول) 450.

(16) _ انظر مبحث : (مقتل عثمان بن عفان) في: (العقد الفريد) 4/265 _ 278.

(17) _ (العقد الفريد) 4/277.

(18) _ (في رحاب علي) ضمن : (خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم) 289 _ 290.

(19) _ (العقد الفريد) 4/269.

(20) _ (العقد الفريد) 4/ 276 _ 277.