إنهم يريدون للناس أن يكونوا أحياء الدنيا لا ضحاياها .. وسادة المال لا عبيده..

والسبيل لذلك  أن يأخذوا المال من حله .. وينفقوه في حله .. وأن يقنع كل بما يكفيه، ولا يطمح إلى ما يطغيه..

يقول “ميمون بن مهران”:

“لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد مما يحاسب شريكه .. وحتى يعلم من أين مطعمه، وملبسه، ومشربه  من حلال ذلك أم من حرام”..

ولكي يعيش الإنسان على الحلال مطمئنا، لابد أن يبتعد لا عن الحرام.. بل عن تخوم الحلال المجاورة للحرام ..

يقول “ميمون بن مهران” أيضا:

“لا يسلم الحلال لأحد، حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال”..

كلمات تتفجر ذكاء ونورا .. وتضعنا أمام “الورع” وجها لوجه.

فكثيرا ما نحسب أن الورع ترف في الفضائل .. لا، إن “أهل الله” يعلموننا أنه “ضرورة” لا ترف، فأنت لا تتوقى النار بحاجز النار نفسها .. بل بحاجز من الأرض بعيد عنها .. وكذلك المال الحرام لا يتوقى إلا بجزء كبير من الحلال يحول بينك وبين مواقعه الحرام، وهذا هو “الورع”..

والورع عندهم أمر واضح ويسير ..

يقول” يونس بن عبيد”:

“لا شيء أيسر علي من الورع”

“إذا رابني بشيء تركته”

إنه يشير بهذا إلى ما علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“دع ما يريبك، إلى ما لا يريبك”.

فعندما تسمع أن أحد أولئك الأبرار رفض مثلا أن يسد جوعه بواحدة من البسر أسقطتها الريح على الأرض، لأن صاحب النخلة لم يأذن له، فلا نسمي هذا بجهلنا ما تعودنا أن نسميه .. بل نصفه بنعته الحقيقي، وهو الورع.

إن “أهل الله” يقيسون الأمور بالتحليل النهائي لها، ولنطالع هذا النبأ:

يقول “مالك بن دينار”:

“خرج جابر بن زيد  وهو من إخوان مالك في الله  يوما فمر بحديقة، فاحتوشته كلابها، فأخذ قصبة من حائط وجعل يطرد بها الكلاب، ولما وصل داره قال لأهله: احتفظوا بهذه القصبة حتى أردها غدا إلى مكانها.

“فقالوا: سبحان الله يا أبا الشعثاء، ما يبلغ الأمر بقصبة؟.

“فقال: لو أن كل من مر بهذا الحائط أخذ منه قصبة ما بقي منه شيء”!!

وهكذا، لم يكن ورعهم سذاجة، بل كان حكمة وعمق تفكير .. كان “أبو حازم سلمة بن دينار” يقول:

“قد رضيت من أحدكم أن يحافظ على دينه، كما يحافظ على نعليه”!!!

فنحن في الطريق نتوقى الوحل ونتحاماه حتى لا يصيب نعالنا. وإذا أصابها لم نصبر على تلوثها، بل نسارع إلى تنظيفها وتلميعها .. ألا ما أوجع كلمة “أبي حازم”؟ إن لها لمثل وخز السهام!!

إن اتقاءهم الحلال إذن لم يكن تطرفا. بل كان ضرورة حتى لا يواقعوا الحرام .. لا سيما حين يفشو الكسب الحرام ويملأ الجيوب والبطون.

يقول “شقيق بن سلمة”:

“إن أهل بيت يضعون على مائدتهم رغيفا حلالا، لأهل بيت غرباء”!!..

والورع عندهم ليس فضيلة فحسب .. بل واجبا مفروضا لأن معناه لا سيما عند  فساد الذمم- ترك الكسب الحرام، فهل ترك الكسب الحرام نافلة؟.

إنه واجب ولزام .. ولو أن كل إنسان يأخذ حقه لا غير، ويترك للآخرين حقوقهم، لتاه الفقر في زحام الكفاية والغنى.

يقول “ميمون بن مهران”:

“لو تعاهد كل إنسان كسبه، فلم يأخذ إلا طيبا، ثم أدى حق الله فيه ما احتيج إلى الأغنياء، ولا احتاج الفقراء”!!

ففلسفتهم الحكيمة والعميقة عن المال والثروة تضع كلتا عينيها على “إنسانية الإنسان”  هذه التي لا يستعبدها شيء كما يستعبدها المال  رغبة فيه .. وتهالكا دونه، وحرصا عليه.

وإنسانية الإنسان تنتصر في معركتها مع المال في نظر “أهل الله” إذا سعى الإنسان إليه برفق وأمانة وشرف، وأدى حق الله فيه لذوي القربى والفقراء والمساكين، وأسهم به في إرباء المنفعة الاجتماعية وإسعاد الناس .. وبعد ذلك فلينعم ذو المال بماله في غير سرف ولا مخيلة.

قيل لـ” مالك بن دينار” إنك تغلظ على الناس في طعامهم ولباسهم فقال:

“اكتسبوا حلال .. ثم البسوا ما شئتم”.