عيدكم مبارك سعيد، تقبل الله منكم الصيام والقيام، وهنيئا لنا جميعا بانتهاء الهجمة الشرسة التي شنتها القنوات العربية -كعادتها كل سنة  على الصائمين.

فالمشهد التلفزيوني الرمضاني في المغرب لا يختلف عنه في بقية الدول العربية. إذ يعتبر هذا الشهر موعداً للإنتاج الفني بامتياز، فمن أجله تصور مسلسلات تغيب عن شاشة التلفزيون بقية شهور السنة، لتعود مع هلال شهر الصيام. إن الناس يصومون في رمضان والتلفزيون يصوم العام كله ليفطر في الشهر الفضيل.

فعندما يقترب شهر القرآن من كل سنة، تتنافس القنوات الفضائية في عرض أكبر عدد وأحسن منتوج من الدراما التلفزية، كما تعمل على الانفراد بأشهر النجوم والمخرجين، وهي تروم من خلال ذلك استقطاب أكبر عدد ممكن من المشاهدين. وينطلق الإعداد لذلك قبل رمضان بأشهر حتى أصبح الوسط الفني في الوطن العربي يبرمج آخر إنتاجاته ويعدها للعرض في هذا الشهر الكريم.

ففي هذه السنة مثلا نجد خمسين إنتاجا دراميا مصريا خاصا بشهر رمضان أغلبها يحمل بعدا كوميديا، وأربعين أخرى سورياً، كما نجد أن بعض القنوات الفضائية تعرض عشرة عروض درامية تلفزية جديدة يومياً!!!؟؟؟ وعلى هذا المنوال سارت قناتينا الوطنيتين، وهو ما يضع هذا الاستنفار رهن المساءلة، لماذا اختيار هذا التوقيت بالذات لتنزيل هذا الكم الهائل من الأعمال الفنية التي تتميز بكونها جديدة وموزعة على ثلاثين حلقة لتشغل كل أيام رمضان الكريم؟ ما هي الفلسفة التي تقف وراء هذه الظاهرة؟ من أسس لها؟ ولماذا هذا الإصرار “غير البريء” على جعل هذا الشهر شهر التلفزة؟

لست ضد الفن عموما لكن للتوقيت دوره ورمزيته وأبعاده التي لا يمكن تجاهلها بأي حال.

وما يزيد المساءلة إلحاحا هو التركيز على “النكتة” وذلك باختيار الكوميديا شرطا ضروريا ومفضلا لإنتاج الاتصال والتواصل بين التلفزيون والمتلقي خلال الشهر الفضيل.

فضلا عن هذا فإن قناتينا تميزتا  كالعادة – بشيء إضافي استثنائي هو الإصرار على إذلال المشاهد وإفساد جلسات الإفطار العائلية، كلما حل رمضان مباركا ، فرغم كل البهرجة والإشهار والتبشير الذي سبق عرضها، جاءت الإنتاجات الفنية الرمضانية لتجسد بصدق وأمانة زمن الإفلاس الشامل والشلل الكلي الذي يعيشه هذا البلد المسكين. إنتاجات أخطأت التوقيت والمكان والموضوع والشكل.

ففي محاولة منهما لإحداث مصالحة مع جمهور لم يستسغ فكاهة الموسم الماضي، عمدت قناتينا الوطنيتين إلى تنظيم حملة إعلانية مكثفة، لموادهما الرمضانية، من خلال الاستعانة بوصلات يومية، وعروض أولى خاصة بالصحافة، معلنة عن ما أعدته للجمهور من برامج “تتماشى” وخصوصيات شهر الصيام. واستعانت بأسماء لها وزنها في الساحة الفنية المغربية، إلا أن ذلك لم يأت بالنتيجة المرجوة، فمنذ عرض الحلقات الأولى تعالت أصوات كل المهتمين والنقاد والصحفيين وعامة المواطنين يطالبون بإيقاف هذه المهازل اليومية، إلا أن كل تلك الأصوات لم تجد صاغيا وأصرت قناتينا غير المحترمتين على عدم احترام رأي المتلقي وأتمت كل حلقات تلك العروض ضاربة عرض الحائط احتجاجات المحتجين واستنكار المستنكرين.

فكانت النتيجة هي شهر للنكت المبتذلة, النكتة المصورة والمرئية والمسموعة، لقد أضحى الشهر الكريم أضخم تجمع نكتوي، فما الذي يبدعه أصحاب السخرية المسخرة سوى النكت ولا شيء غيرها. حلقات تتحدث عن كل شيء إلا عن المغاربة ومشاكلهم ومعاناتهم وآمالهم. سلاسل هزلية هزيلة، وانتهى إبداع رمضان، وإلى رمضان قادم.

أين هموم الشعب ومشاكله؟ أين الجمال والفن والإبداع؟

لقد جسدت الفكاهة المغربية نموذجا في إنتاج خطاب العدم، وفي تصوير العبث، وتعزيز وتفريخ آلة ضخمة للتكرار، وإنتاج إعادة الإنتاج، بشكل يوحي باستقالة العقل والوجدان، الأمر الذي يكرس ثقافة الفقر الفني والإبداعي، إنه تكريس مجاني لتهجير السخرية والإبداع الجادين ببلادنا. نعم بإمكان النكتة أن تكون في مستوى المرحلة، ولها قدرة على تصوير الواقع، والتعبير عن المكنونات، لكنها في قناتينا ظهر وكأن ذلك رهان صعب، خاصة بعد تجميع كل الأسماء التي لها تاريخ فني معتبر وطنيا وعالميا، وكأن الفن المغربي لعب هذه السنة لعبة الكل من أجل لا شيء. إننا نعيش زمن يتمنى فيه المرء أن يكون بدون وجدان بغية تحقيق الوصال مع استمتاع مفترض دون وجع السؤال حول طبيعة هذا المنتوج ومستوى رداءته،أو شرطة مروره.

لكن لماذا يقبل فنانون أثبتوا جدارتهم في أعمال أخرى مغربية وعربية بهذا الأداء الرديء؟

إن ما قدم خلال رمضان الكريم كان بمثابة واد عنيف جرف كل شيء, ووضع الفنان في الجوانب الضيقة التي تخنقه، فالفنان الذي يعيش ظروفا مادية واجتماعية صعبة، يظل عاطلا طوال السنة، وفي لحظة يرفع فيها الستار وتتراكم المشاهد, وتتزاحم المواقف والأحداث، ويدفع الفنان دفعا إلى سطح الركح من غير أن تكون له إرادة التقييم والاختيار، ذلك أن أول مشهد يسيطر على كل كيانه هو ضمان القوت من خلال الحضور، أما الجودة فللحديث أسباب نزول.

وأين المواطن من كل ما يجري ويحاك؟ أليس من حقه بل من واجبه أن ينتقل إلى الفعل؟ ماذا لو وقف أمام مَقَرَّي هتين القناتين وقال بصوت قوي: أيها المشرفون، أيها المسؤولون، أيها المتلاعبون بأرزاقنا، يا من لا يحترموننا، لقد انقضى زمن مسرحيتكم، وأسدل الستار، لم يعد أحد في قاعة العرض، إن الإنارة قد كشفت حقيقتكم، وحواراتكم الفارغة المفتعلة قد أصابت الجميع بالغثيان، ارحلوا عنا دون تحية، لم تعد نكتكم تضحكنا، ولم تعد مرآتكم تعكس وجوهنا الكئيبة التي أضناها العيش.

وتبقى آمالنا عالقة في انتظار إفراج يتنفس فيه الوطن ومواطنوه وفنانوه ريح الحرية وعبق الكرامة… وتستمر الحياة…