ودع المغاربة القرن العشرين بآلامه وجراحه: عبث في الحكم، ثم حماية، ومقاومة فاستقلال تحول فجأة إلى احتقلال.. وسنوات الرصاص وما صاحبها من تراجع وإحباط في كل المجالات… واستقبلوا الألفية الثالثة بأمل الشعوب التواقة إلى التغيير.. وشاءت الأقدار أن يقترن حلولها مع بداية “عهد جديد” تغنى به الجميع إلا الذين لا يتسرعون وينظرون إلى الأمور بخواتمها. وبعد سنوات يحق لنا أن نقف لنقوِّم “إنجازات” العهد الجديد برؤية نقدية بعيدا عن الاحتفالية والتمويه..

أول الإنجازات: من التناوب إلى التناغم فالتناومدشن العهد القديم “إنجازا تاريخيا” سماه التناوب.. وما كان للعهد الجديد أن يتجاوز هذا “المكتسب”، ولا للأطراف المعنية أن تتنازل عليه.. خاصة وأن الجميع أصبح يعزف على نفس الأوتار من قبيل المنظومة الديمقراطية، والحداثة، والمفهوم الجديد للسلطة.. بعد أن أخذ الكل مكانه في جغرافية التناوب، وعلِم إيقاعه، وسلموا لصاحب المعزوفة في اختيار المايسترو الذي ينبغي أن يظل محايدا حتى لا يميل مع إيقاع معين؛ قريبا يطرب الأذن، وبعيدا يفهم السر والإشارة.. فكان أن انتشت بالنغمة كل الجوقة.. وفجأة تُنوسِيَ التناوب -على عِلاته- وتحول بسحر ساحر إلى تناغم ثم تناوم عَصَف، كسابق عهده، بحق الشعب في القرار والاختيار، وكرس سياسة الجفاف والبوار، وأصبح الجميع يدافع برغبته عن حال الدار..

ثاني الإنجازات: ثــالوث الفشلمما لا يجادل فيه اثنان أن مقياس تقدم المجتمعات رهين بتطور منظومة التربية والتعليم.. وقد طلع علينا العهد الجديد  مستأسدا- بمشروع سماه “الميثاق الوطني لإصلاح التعليم” استقاه من خبرة وتجربة “محنكين” جابوا بلاد المعمور للاطلاع والتقويم.. وجُنِّدت الأبواق والأسواق وعم الخبر الآفاق للاحتفاء بعشرية تنقذ بلدنا من ورطة التخلف، وأبناءنا من جهالة وأمية الألفية الثالثة، وتدفع بعجلة البلاد إلى النمو وإيقاف مؤشرات الانحدار..!

وقد كشفت “منتديات الإصلاح” التي نظمتها الوزارة الوصية -على عكس ما يُروج له- في طبعتها الأولى، منتصف العشرية، عن تردِّي وضعية التعليم بكل تجلياتها، وانتفاء عنصر “الجودة” موضوع المنتديات، فبالأحرى الارتقاء بها..! كما كشفت الطبعة الثانية لهذه المنتديات عن فشل “الشراكة” وانعدام الإحساس بها من طرف المحيط الذي راهن عليه الإصلاح (والسبب معروف).. وليُعلَن بشكل غير مباشر -مع بداية النصف الثاني من هذه العشرية- عن تهاوي الدعامات والمرتكزات التي ارتكز عليها الإصلاح.. وشتان بيننا وبين الوصول إلى الغايات..!!

ولعل أكبر تجل للأزمة التي يتخبط فيها الإصلاح ما تعرفه الجامعة المغربية من ارتباك في التدبير، حيث اختلطت الأخماس بالأسداس، وانتقل مؤشر الهدر المدرسي من الابتدائي والثانوي ليطال التعليم العالي (300 طالب وطالبة ضحية هذا التدبير في موقع جامعي واحد..!)

كما أن أكبر مكافأة من الإصلاح اتجاه هيئة التدريس ما لحقها من اقتطاعات في رواتبها لمرتين خلال هذا الموسم (فبراير بمناسبة حلول السنة الجديدة، وشتنبر بين يدي عيد المدرس).. كل ذلك إكراما لها على مطالبتها بحقوقها التي” يكفلها لها الإصلاح ويرعاها” بتواطئ بين الوزارة الوصية ووزارة المالية..

وغير بعيد من التعليم يصارع قطاع الصحة مرضه المزمن، الذي يشهد عليه تردي الأوضاع والخصاص الملحوظ في الإمكانات والوسائل في المستشفيات الجامعية والمراكز الصحية والمستوصفات.. وما خاضته الشغيلة في القطاع من احتجاجات على مدى أسابيع وشهور في سابقة من نوعها -ثلاثة أيام كل أسبوع- لم يشوش على صمم الوزارة ولا حرك صنم الحكومة..!

فهما مُصِرَّان على أن السير بالقطاع، كسابقه، إلى الخوصصة رهان وخيار.. وعلى الشعب أن يُسلم بذلك، وينسى شيئا جاءت به مبادئ الاستقلال (تعليم وصحة عموميين) في ظل تنامي المشاريع الخاصة بهذين القطاعين على حساب حق الشعب في الاستفادة من الخدمة العمومية اللائقة في المؤسسات العمومية لهما..

وبين هذا وذاك يظل قطاع التشغيل العار الأكبر الذي يسِم العهد الجديد ؛ فالفقر ازداد وانتشر، وعطالة الشباب في ازدياد مستمر.. والوضع ينذر بكارثة اجتماعية نتيجة انسداد الآفاق، ومحدودية فرص التوظيف المصحوبة بالزبونية والمحسوبية، والتسريح المهول للعمال والعاملات، وإغلاق المعامل والشركات دون حسيب أو رقيب.. والسعي للربح السريع ومص الدماء فيما أصبح يسمى بعقود العمل والتي (على قلتها) تضع العامل -بشكل أبدي- على حافة البطالة، محروما من أبسط الحقوق في التعويض والتقاعد وما إلى ذلك…

وضع اجتماعي يجعل قرابة ثلثي القوة الحية التي تطرق باب الشغل في المغرب تحت رحمة انتظار الخلاص من بطالة مطلقة أو مقنَّعة..!

ثالث الإنجازات: إفلاس التدبير الاقتصادي والاجتماعي والماليواصل حراس العهد الجديد نهج خيار الخوصصة، واستنزاف ثروات وإمكانات البلد، في سبيل الخـــواء.. “فأنهار السيولة” التي بشَّر بها الراحل الحسن الثاني، مع مجيء فيفاندي للمغرب، جرفت خيرة الشباب ورمت بهم في عرض البحر للحيتان.. وكذلك كان الحال في كل مجال لما ساد البيع والشراء في تدبير الخوصصة والاستثمار..

أموال الشعب سُرقت، وثرواته نُهبت أو فُوِّتت.. ولم “تنفع” خيرات البر والبحر في إنقاذ الشعب من الفقر.. وفي ظلها صدر من” أولي الأمر” توجيه بالخضوع لاتفاقية التبادل الحر..!

ولعل متتبعا عاديا للتدبير الاقتصادي والاجتماعي والمالي في المغرب يمكنه تسجيل الملاحظات التالية:

أ- الخضوع والاستسلام للتقويم الهيكلي المفروض من الصناديق العالمية دون قيد أو شرط!

ب- استشراء الاختلاسات المالية (القرض العقاري والسياحي، صندوق الضمان الاجتماعي، الشركة المغربية للملاحة، شركة الخطوط الجوية، بعض المكاتب الوطنية…) وما خفي أعظم!!

ج- غض الطرف عن النصب والاحتيال واستغلال النفوذ في إدارة المشاريع (نموذج محاكمات بعض رموز العهد القديم والجديد غير المرغوب فيهم بعد فوات الأوان).

د- غض الطرف عن تبييض أموال المخدرات التي بينت الوقائع والأحداث أن شبكتها تطال رموزا نافذة في السلطة.. في الوقت الذي ينغمس شبابنا في مستنقعها على مرأى ومسمع من هؤلاء النافذين..!!

هـ- تهريب الأموال الطائلة وإيداعها في الأبناك الغربية عوض تشغيلها في الاستثمار وإنقاذ البلاد!!

و- تسريح ذوي الخبرة والكفاءة من الباب (في إطار المغادرة الطوعية التي فُصِّلت على مقاس الحكام الجدد مقابل مبالغ مالية باهضة) وتلقفهم من النافذة في إطار عقود عمل!!

في ظل هذا الكساد والفساد والعفن رُفع شعار التنمية البشرية للاستهلاك الإعلامي والسياسي وهم يعرفون أنه ميت يوم وُلد..