قالوا لصاحبي: انزل من المنبر أنت ممنوع

قال صاحبي المحمدي: ما السبب؟

قالوا: قد خالفت المرسوم وتجاوزت المحظور

قال: كيف؟

قالوا: “اللهم انصرهم ما نصروا دينك واحفظهم ما حفظوا عهدك”.. هذا كل ما تدعو به للحكام، وهو غير كاف، لا يضفي عليك رداء الرضا، ولا يمنحك صك البراءة، إذ البريء متهم حتى يثبت العكس.

قال صاحبي يستكمل الصورة: ربما هو سبب، لكن ما الخلفية؟

قالوا: بوضوح شديد هي العدل والإحسان، “التهمة” الدائمة.

فقلت: إذن، خطيب العدل والإحسان.. انزل أنت ممنوع.

خطباء العدل والإحسان.. حِرمة المنابر

دفعني هذا “الحوار” الذي يصور حادثة واقعية لمنع أحد إخواننا في جماعة العدل والإحسان، إلى الوقوف عند هذه الحملة التي عمت عددا من خطبائنا ووعاظنا على طول خارطة مساجد المغرب بسبب انتمائهم إلى حضن الرجال في مدرسة العدل والإحسان.

وهي حملة تتساوق مع حرب شرسة مقيتة تشنها أجهزة القمع المخزنية المغرقة في السلطوية على كل مؤسسات العدل والإحسان ورجالاتها ونسائها وشبابها ومشروعها التغيري المجتمعي الرباني.

ومهم الإشارة هنا إلى أن سياسة تحريم المنابر على خطباء ووعاظ الجماعة لا تتعلق، كما سبق أن صرح بذلك الأستاذ فتح الله أرسلان الناطق الرسمي باسم الجماعة لجريدة الشرق الأوسط، بقرار صادر من وزارة الأوقاف ولكن بسياسة الدولة المغربية تجاه جماعة العدل والإحسان، فقرار الطرد يعد أكبر من سياسة الوزارة الوصية.

وهكذا تعرض الأستاذ بنسالم باهشام، الخطيب المعروف والذي له عدد من المشاركات خارج الوطن، للتوقيف بمدينة خنيفرة واقتحم رجال “الأمن”، لابسين أحذيتهم، المسجد دون اعتبار لحرمة صلاة الجمعة واعتقلوا الرجل يوم الجمعة 29 شتنبر 2006 ليقدموه إلى المحكمة التي قضت بشهر موقوف التنفيذ و500 درهم غرامة مالية. أما السيد عبد القادر الدحمني بسوق أربعاء الغرب فقد سيق يوم الإثنين 16 أكتوبر 2006 إلى السجن ليقضي شهرين سجنا نافذة مادام هذا الخطيب يحث الناس على تقوى الله وطاعته ويدعوهم إلى مكارم الأخلاق!!!

وفي مدينة بن جرير تعرض إمام مسجد ليلة الأحد 15 أكتوبر 2006 للاعتقال من داخل بيت الله، نفس المشهد سيتكرر في مدينة سيدي سليمان بعد صلاة التراويح ليوم الجمعة 6 رمضان 1427 هـ الموافق ل 29 شتنبر 2006، حيث سيتم اعتراض طريق الأستاذ الواعظ محمد الدامج بباب مسجد الفتح، من طرف السلطة المحلية لتبلغه بأمر توقيفه عن الوعظ بجميع مساجد المدينة.

منطق المنع سيتكرر مع الأستاذ محمد كمال خطيب جمعة وإمام مسجد بمدينة الدار البيضاء، إذ لم يسلم هو الآخر من غضب السلطة لأنه يدعو على الظالمين ولا يتملق للمستكبرين!!

بل إن إمامة المصلين في صلاة التراويح ستصبح حراما في عرف المخزن “الإسلامي” ما دام الإمام متهم بالانتماء للعدل والإحسان، كما حصل في مدينة تاركيست مع السيد محمد المرابط.

هذا غيض من فيض السياسات المخزنية القمعية ضد كل ما يمت إلى العدل والإحسان بصلة، ولعل آخر نماذجها إقصاء 27 واعظا وواعظة في مدينة تاوريرت.

إن خلفية طرد الأئمة المحسوبين على الجماعة من وزارة الأوقاف وتحريم المنابر عليهم، هي نفس الخلفية، يقول الأستاذ فتح الله أرسلان، التي “أغلقت عددا من المتاجر المملوكة لأعضاء من العدل والإحسان رغم استيفاء أصحابها لكل الإجراءات والوثائق الإدارية. وهي نفسها التي تحاكم مئات من الأعضاء بتهم واهية. وهي ذات الخلفية التي أوقفت كل صحفنا، وتطارد مواقعنا الإلكترونية، وتمنع المئات من أعضاء الجماعة ورموزها من جوازات السفر، وتطرد عشرات الطلاب سنويا وتشمع بعض بيوتنا وتهدم البعض الآخر، وغير ذلك كثير من الانتهاكات التي تخرق القوانين والقواعد الحقوقية. والتهمة في كل ذلك الانتماء لجماعة العدل والإحسان”(في استجواب مع يومية المساء، عدد 11 أكتوبر).

خطاب العدل والإحسان.. استعصاء على التدجين

تميز خطاب جماعة العدل والإحسان منذ بداية مسارها الدعوي والسياسي بوضوح شديد في توصيف الواقع المختل وتقديم مقترح الحل، معتبرة حال المجتمع المفتون عن دينه نتيجة لسياسة الدولة المنحرفة عن شرع الله وخطة نظام الحكم المخالف لمنهاج رسول الله، ومؤسسة رؤيتها على أساس شرعي مكين، إذ الحكم أول عرى الإسلام انتقاضا كما في حديث أبي أمامة الباهلي.

ورغم ما جره هذا الموقف المبدئي على الجماعة من قمع دائم وحصار مستمر وحرب شرسة من قبل النظام السياسي المغربي، فإن العدل والإحسان رأت في ذلك ابتلاء من الله تعالى ليختبر منها الصدق، وضرورة من ضرورات التدافع التي سنها الله تعالى في كونه بين الحق وأهله والباطل وأزلامه.

ومن اللافت الإشارة هنا إلى أن خطاب جماعة العدل والإحسان لم يعتد بقوة تنظيمية في المقام الأول، وفي هذا دحض لمزاعم البعض باستعراض الجماعة لعضلاتها التنظيمية رغم أن هذا في واقع التدافع السياسي لا غبار عليه، بل اعتمد على قوة الله تعالى وإخلاص التوكل عليه وصدق تام مع الذات والمجتمع، لأن القدرة التنظيمية للجماعة لاحقة على موقفها الواضح والذي خطه الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في بداية التأسيس وكانت أجلى صوره في رسالة “الإسلام أو الطوفان”.

استطاع خطاب العدل والإحسان على مدار ثلاثة عقود أن يؤسس له مكانة محترمة وأسلوبا متميزا وجوهرا واضحا، فهو خطاب يمتح من نفس المعين ويعبر عن وحدة التصور ويقصد ذات الوجهة سواء كان عبر منابر المساجد أو صفحات الجرائد أو دور الشباب أو فضاءات الجامعة… وهو بهذا المكسب قوى موقفه داخل المجتمع، واضعا خطاب الانبطاح والاستسلام في موضع شديد الحرج أمام عموم المواطنين.

ورغم المحاولات المتكررة والأساليب المختلفة لم يستطع النظام السياسي المغربي تدجين خطاب الجماعة ولا انتزاع أسس القوة والنصاعة والعمق التي ميزته، وظل خطابا مقتحما غير هيَّاب من الصدع بكلمة الحق لأن الصدع أمر إلهي “فاصدع بما تومر وأعرض عن الجاهلين”.

الدولة والمساجد.. سياسة التأميم

منذ تأسيسه والنظام السياسي المغربي يشيع أنه ارتكز على الإسلام دينا رسميا للدولة، مؤكدا على ذلك في كل مناسبة لاستمداد المشروعية التي يمنحها الدين أو التستر بالدين.

وتمسَّك المخزن بشعارات ومقولات “إسلامية” وتمترس وراء منابر وأقلام “إسلامية” ودبج خطابه السياسي متمسحا بالآيات والأحاديث، واستغل “الدين من أجل السياسة” هذه التهمة المشهرة في وجه الحركة الإسلامية.

ولأن المساجد كانت على مرّ التاريخ الإسلامي مركز التنوير ومصدر التوجيه، سعت الدولة المغربية، كغيرها من النظم العربية والإسلامية، إلى تأميم المساجد وتوجيه الخطاب الديني لخدمة الأغراض الرسمية، وإفراغ بيوت الله من كل مضمون لا يرضي رغبة الحاكم. وحرصت الدولة على أن يسود خطاب الطاعة الذي يبث ذهنية الرضا بالواقع ويشل حركة التغيير ضد الانحراف كيفما كان حجمه.

بل إن المسجد أصبح قاعة صلاة ليس إلا، يفتح لدقائق تحت سمع المخزن وبصره.. إمام موظف ومأموم معين، وخطبة مكتوبة، ودعاء منمط، ودور مسجدي موجه، ونَفَس تربوي مفقود، ومعنى دعوي غائب، ومقصد جهادي موؤود.

ولأن هذا الدور المرسوم والوظيفة المحددة للمسجد المؤمم لا يسري مع وجود خطباء متحررين من ذهنية الخضوع يملكون وينخرطون في رؤى تغييرية إسلامية ومشاريع بنائية ربانية، فإن حملة السلطة ضد “منابر التمرد” قد تكررت في التاريخ المغربي الحديث كلما اجتهد الخطباء في جعل مسافة لهم عن خطاب السلطة. ولعل المغاربة يستذكرون جيدا أسماءً طالها مقص الرقيب ومنعتها الأوامر العليا من استكمال مسيرتها، منها الأستاذة محمد زحل، والشفشاوني، ومحمد البشيري، وبلقاضي و…. واللائحة طويلة ومفتوحة.

إن المتأمل في طبيعة الخطاب الذي يحمله خطباء جماعة العدل والإحسان للناس يلحظ أن له مميزات لا تنسجم وخطة الدولة في تأميم المساجد، نذكر من هذه المميزات ثلاث:

– التربية الإيمانية: يركز خطاب العدل والإحسان على هذا البعد الوجودي في حياة الإنسان، معناه وجوهره وسر وجوده في هذه الدنيا، موجها إياه لعقد صفقة التجارة الرابحة مع الله، مستحضرا لقاء الله تعالى في الآخرة لنيل الجزاء عن عمل الدنيا. ولأن جوارح الإنسان بها يكون العمل يشتغل هذا الخطاب على قلب الإنسان لأنه الملك والموجه، أما المدخل فهي التربية الإيمانية الإحسانية التي تغير جوهره.

– الإسلام الجهادي: دفعا لذهنية القعود الراضية بواقع الذل والهزيمة والضعف، يربِّي الخطاب المنبري للجماعة في مستمعيه وأنصاره ذهنية الجهاد وإرادة العمل والبناء وطلب إقامة العدل وتشييده. والجهاد هنا شامل لمعاني متعددة ومتكاملة تبتدئ بجهاد النفس، وهو الأكبر، وتتدرج من جهاد البناء والنموذج الناجح والكلمة والقلم وغيرها وصولا إلى جهاد العدو الذي يعيث فسادا في أراضي المسلمين ومقدساتهم وأعراضهم.

– الإسلام الجماعي: ديننا جاء لأمة مجتمعة ، يشتكي منها العضو فيتداعى باقي الجسد، خاطبها ربها بقوله “يا أيها الذين آمنوا” وحذرها نبيها “ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”، فإسلامنا جماعي يدفع المسلم ليهتم بأمر أسرته فجيرانه فواقع حيه ليتهمم بمصير بلده ومستقبل أمته. هذا ما يؤسسه خطباء الجماعة وهذا ما لا تريده السلطة لأن شعارها الإسلام الفردي “أنا والطوفان من بعدي”.

خطاب هذا طبيعته، أكيد سيعرقل سياسة دولة رامية إلى تأميم المساجد وتوجيه خطبائه والتحكم في منابره، ولأن خطاب العدل والإحسان واضح صريح وغير قابل للتفاوض على المبادئ ومستعص على التدجين، فإن السلطة لجأت، بعد أن فشلت سياسة الاحتواء والتحكم، إلى أقصر الطرق وأكثرها جراءة على دين الأمة إنه طرد خطباء جماعة العدل والإحسان ومنعهم وتوقيفهم بل وتقديم بعضهم للمحاكمة والسجن. وهي ضريبة جهادية لسنة ماضية. سنة التدافع والابتلاء.