تزدحم في الصدر همومٌ، وتُقلّب المواجعَ جراحاتٌ، وتتوالى على النفس آلام من جرّاء ما تعانيه اليوم أمتنا العربية الإسلامية تحت نير أشكالٍ وألوان من الغزو والاستعمار والاستضعاف، وأيضا من جرّاء هذا الهوان الذي بات يميزنا على رقعة العالم بسبب ما كسبت، وما تزال تكسبُ، أيدي حكامنا الخانعين المستسلمين المتاجرين بشعوبهم كما يُتاجر بالبضاعة المبتذلة في سوق لا يُحس للدين فيها رجفةٌ، ولا يُسمع للقانون فيها نأمة، جفّ فيها معينُ الأخلاق، فلا صوت يعلو فيها على صوت الجبر والطغيان والعدوان.لا حول ولا قوة إلا بالله، هو ولي المؤمنين المجاهدين الصابرين، وقاصم الجبارين العادين، ومخزي المستبدبن الظالمين.

المِقْمَعة على وزن مِفْعَلة، وهي اسم لآلة القمع. ومقامعُ نظامنا المخزني اليوم كثيرة، كلما أصاب البلى واحدةً منها سارع إليها بالتجديد، أو أحدث مكانها مقمعة أخرى.

عنوان مقالتي هاته ومضمونها هو بمناسبة البيان الذي أصدرته الهيئة العلمية للإفتاء في المجلس العلمي الأعلى بتاريخ 23 شتنبر الماضي، في موضوع الفتوى التي صدرت عن الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، في أثناء زيارته الأخيرة للمغرب، في قضية القروض البنكية من أجل السكن.

وكلامي هنا لا يتوجه مباشرة إلى هذا البيان، لا إلى شكله ولا إلى مضمونه، لأن جهات أخرى كثيرة، بفعل الغيرة على الحق وأهله، قد تولت الردّ التفصيلي المباشر على هذا الحقارة الصادرة عن هذه الآلة المخزنية القمعية الصماء، التي ليس لها من صفات العلماء إلا الشكل الجاف بلا مضمون، ولا لها من صفات ورثة الأنبياء إلا لقبٌ قد تم السطو عليه وإفراغُه من معنى رباني شريف، وحشوُه بمعان استبدادية حقيرة. و ما كان شرف العلم وعزتُه، في يوم من الأيام، يكتسبان بالخنوع والتكسب المذل في عتبة دولة الجبر والتعليمات.

من سلطان العلماء إلى علماء السلطانبيان هيئة الإفتاء هذا، وإن كان السبب المباشر لظهوره هو فتوى الشيخ القرضاوي للمغاربة، فإن المقصد البعيد من ورائه، في رأيي، هو تكريس سياسة “القمع الديني”، وتبليغُ رسالة مخزنية إلى من يعنيهم الأمر من العلماء المغاربة الأحرار، الرافضين لهيمنة الدولة، الذائدين عن ميراث النبوة، مفادها أن ليس لأحد، بعد اليوم، وبالتحديد بعد إحداث هيئة للإفتاء داخل المجلس العلمي الأعلى في يوليوز من سنة2005، أن يفتيَ إلا بإذن أو تفويض من المخزن. ولا وجود لهذا الإذن ولهذا التفويض إلا عند هيئة الإفتاء الرسمية، التي تأتمر بأمر الدولة، تُحل حلالها وتُحرّم حرامها، وتصنع لها الفتاوى حسب المقاس المطلوب.

هذه هي الرسالة المخزنية المفهومة من بين سطور بيان هيئة الإفتاء. فالأمر يتعلق بتطور فيما يسمونه “تأهيل الحقل الديني”، الذي استبدت الدولة بشأنه قبل ميلاد هيئة الإفتاء بعدة عقود. فلهذا لا نستغرب هذه القبضة الحديدية التي تتعامل بها الدولة اليوم مع كل خارج عن مؤسساتها، قائلٍ بغير مرجعيتها، مُفتٍ على غير هواها.

يقول البيان في مضمونه الخفي: أيها المغاربة، أيها المنتمون للحركات الإسلامية بالتخصيص، أيها المعارضون المتطاولون على سلطات “أمير المؤمنين”، هذا الشيخ القرضاوي، الذي طارت شهرته ومصداقيته في كل الآفاق، لم تشفع له عندنا لا عالِميتُه(بكسر اللام) ولا عالَميته(بفتح اللام)، فبالأحرى أنتم المستضعفين المختنقين في قبضتنا؛ حذار ثم حذار، لا ملجأ لكم، أيها المسلمون المغاربة، في شؤونكم الدينية، في دنياكم وأخراكم، إلا هيئة الإفتاء، وإلا تكونوا قد عرضتم أنفسهم للتهلكة وجريمة الخروج على الجماعة والإجماع.

فهل بعد هذا الاستبداد “الديني” من استبداد؟

في السياسة، صبرنا وقلنا لعل الله يذهب، غدا أو بعد غد، بريح دولة الظلم والاستبداد، ويأتي بدولة العدل والشورى والمؤسسات المسؤولة. صبرنا، وما زلنا، على القمع والمنع والاستعباد، وقلنا ونقول لا بد أن يكون بعد هذا العسر يسرٌ، ولا بد أن يتبع هذه الأزمات انفراج.

صبرنا على القمع السياسي، وما زلنا صابرين. وها هو ذا القمع الديني، في أبشع ما يمكن أن يكون عليه القمع، يعلن عن نفسه بعد عقود من الممارسات التأسيسية والإجراءات الاختبارية، مضيفا مصائبَ جديدة إلى مصائبنا القديمة. فإلى أين بهذا الاستبداد الجديد القديم؟

هل عندنا اليوم في المغرب علماء جديرون بميراث النبوة؟ نعم، لكنهم قليلون ومحاصرون، بل ومقموعون ومتهمون ومتابعون في بعض الأحيان.

لقد تولّى العلماء إلى الظل بعد أن استأجرهم المخزن لخدمته، وجمعهم في رابطة ومجالس وجمعيات ليضفوا الشرعية على نظامه، وليكونوا بوقا يزكي سياساته، ويصدق قراراته، وليصنعوا له الفتاوى التي تناسب أهواءه متى شاء وكيفما شاء. لقد تحول العلماءـ إلا من رحم ربك وهم قليل كما ذكرت ـ من حرية القرآن إلى مربع السلطان، ولم يزل المخزن يغريهم ويضعفهم ويستدرجهم حتى قطع آصرتهم بإرث النبوة، وحولهم إلى طبقة من المنتفعين، يخشون الناس ولا يخشون ربّ الناس، ويحرصون على الدنيا وهم عن الآخرة غافلون.

لافتات من الذاكرةلقد نجح النظام المخزني أيما نجاح في صناعة طبقة من العلماء الرسميين التابعين، وجعلَ من بين مهامهم مهمّة إبعاد الدين عن السياسة، ونشر أن الإسلام لا شأن له بأمور الحكم والاقتصاد والتعليم وغيرها من أوجه النشاط الإنساني، وإنما شأنه “الأخلاق”- أضع الكلمة بين قوسين، لأن أخلاقنا اليوم تصيح بأننا بتنا بلا أخلاق- والمواعظُ وأركان المساجد لسماع الخطب الرسمية الباردة، والدروس البعيدة عن واقع الناس ومعاناتهم الحقيقة وآمالهم وما يشغل بالهم.

ألم يصرح الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، في كلمة موجهة للعلماء، سنة1984، أن على العالِم أن يكون بجانب رجل السلطة كالناهي عن المنكر بقلبه، لا شأن له بما يقع في المجتمع من منكرات وجرائم وانحرافات؟ ألم يؤكد الملك محمد السادس هذا المذهب حينما صرّح في خطاب العرش، سنة2004، أن الدين والسياسة لا يجتمعان إلا عند الملك، أما عند غيره من العلماء والسياسيين وسائر المواطنين المسلمين، فلا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة. هذا هو الأصل المخزني الذي ينبني عليه هذا القمع الديني الذي يكتوي بناره اليوم كثير من الأئمة والخطباء والعلماء الذين أبوا إلا أن يبينوا للناس أن السياسة والدين في الإسلام شيئان لا ينفصلان، وأن إبعاد الدين عن السياسة، في الإسلام وفي جميع مذاهبه الفقهية، إنما هو باطل في باطل لا سند له إلا قوة الاستبداد وإرادة إحكام قبضة الجبر على رقاب المسلمين.

وهذه أمثلة من التاريخ القريب تُبِين عن الحضيض الذي ادّارك فيه علماء السلطان حينما قبلوا، عن رغبة أو رهبة، أن يكونوا أداة تتحكم فيها أنامل النظام المخزني، تحركها حيثما شاءت ومتى أرادت.

فعلى إثر نجاح الثورة الإسلامية في إيران وفرار الشاه خارج البلاد، طلب الحسن الثاني، غفر الله لنا وله، إلى علمائه أن يصنعوا له فتوى تكفر الإمام آية الله الخميني قائد الثورة الإيرانية ومرشدها، ففعلوا.

وفي سنة 1989، وبعد تفاقم أزمة الفتاتين المغربيتين المتحجبتين في فرنسا، صرح الحسن الملك، في برنامج بثته قناة تلفزيونية فرنسية، مستندا إلى فتوى من علمائه، أن ليس في القرآن ما يفيد أن الحجاب هو من واجبات الإسلام على المرأة.

وفي سنة 2000، وبعد صدور “مذكرة إلى من يهمه الأمر”، للأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان، أُعطي الضوء الأخضر لعلماء “أمير المؤمنين”، فأصدروا بيانا في حق هذه المذكرة التاريخية وكاتبها كلُّه اتهام وتجريح وحقد وقذف، طلبوا فيه إلى “أمير المؤمنين” أن يُنزل أشد العقاب بصاحب المذكرة.

وعلى نفس المنوال، وبعد اشتعال الضوء الأخضر، نسج علماء المخزن بيانهم في حق الشيخ القرضاوي وفتواه، ليس لهم من غرض إلا تأكيد الاستبداد وترسيخ القمع الديني.

هذا هو المطلوب من العلماء الرسميين، أن يجيبوا بما يريده النظام، وأن يصنعوا التعليلات والتوجيهات والتبريرات والمرجحات لما يحتاجه النظام من فتاوى وبيانات.

أما خارج هذه المهمة الأساس في عمل العلماء، فتعالوا ننظر ماذا صنعت هيئة الإفتاء منذ ظهورها في يوليوز من سنة 2005، أي منذ أكثر من خمسة عشر شهرا. لقد صدرت عنها فتوى موقعة باسم الكاتب العام للمجلس الأعلى السيد محمد يسف، في موضوع “إمامة المرأة في الصلاة”، وفتوى ثانية، في أبريل2006، حول “مشروعية القرعة لأداء فريضة الحج”، فضلا عن جواب في موضوع يتعلق بالمصلحة المرسلة، وهو عبارة عن إنشاء مدرسي لا علاقة له بالإفتاء.

يا له من عمل ضخم!! يا له من مجهود جبار!! ألم يكن مصيبا من وصف علماء السلطة بأنهم علماء “الحيض والنفاس”؟؟ وأترك لك، أيها القارئ الكريم، أن تتأمل في هذا، وأن تختار لنفسك التعليق المناسب.

المذهب المخزني أو اللائكية الهجينةإن النص في الدستور الممنوح أن دين الدولة هو الإسلام هو من قبيل ذر الرماد في العيون قصد التعمية والتلبيس والمخادعة. وكذلك إصرار الدولة المخزنية وإعلامها وعلمائها، بمناسبة وبغير مناسبة، على بيان أن المغرب متشبث في إسلامه بالمذهب المالكي، هو إصرار على شكل ليس وراءه من مضمون إلا مضمون الدولة التي تبحث عن البقاء والهيمنة بأي ثمن ومن أي طريق ولو كان طريق دعوى يظهر فيها الكذب براّقَ العينين، كدعوى كون الدولة المغربية دولة إسلامية تسير على نهج المذهب المالكي.

آه على اسمك ومذهبك واجتهادك يا إمامنا الجليل، يا مالك بن أنس، عليك وعلى سائر علماء الإسلام المجتهدين العاملين الرحمة والرضوان. لو قُدّر لك، ، يا إمام دار الهجرة، أن تُبعث فينا اليوم، وبالتحديد في وقت أذان صلاة الجمعة، لزُلزلت زلزالا لما بات عليه حالنا من بُعْد وازدراء وعدم مبالاة بالدين؛ فأذان الجمعة يُسمع، والناس في شؤون حياتهم خائضون لاهون، بل إن كثيرا من مسؤولي الدولة المخزنية يعملون، بطرق شيطانية، من أجل منع المواطنين المسلمين من أداء هذه الفريضة الدينية، فضلا عن منعهم من إقامة الصلاة في أماكن عملهم، كما ظهر أخيرا في عدة شكايات صادرة عن موظفي الخطوط الجوية الملكية، وعن ممثلي الطلبة في عدة مؤسسات جامعية.

وها نحن اليوم في العشر الأواخر من رمضان، وهي أيام فاضلة فيها ليلة هي خير من ألف شهر، نرى المخزن يمنع الناس من الاعتكاف في بيوت الله مخالفا نصوص الإسلام القاطعة الصريحة، وعابثا بالمذهب المالكي وما كان عليه السلف من علمائنا الأجلاء في عمارة المساجد وإحياء العشر الأواخر من رمضان اقتداء بسنة سيدنا محمد، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم. وهل وراء هذا المنع حجة أو دليل من المذهب المالكي؟ وهل هناك دليل أو شبه دليل، في أي مذهب، على منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه؟ إنه الاستبداد المخزني الخانق وكفى، وإن الله تعالى بالظالمين محيط.

يا عباد الله، الأمرُ لا يحتاج إلى بيان، فهو ظاهر للعيان نُصبّحه ونُمسِّيه، ونخالطه ونعايشه في كل صغيرة وكبيرة من حياتنا. ومع ذلك، ورغم أنوفنا، فنحن دولة إسلامية مالكية، تُباع فيها الخمرُ، وهي أمُّ الخبائث، وتُتداولُ وتُستهلك على نطاق واسع في وسط المسلمين، بقانون صادر عن الديوان الملكي سنة 1967، أي صادر عن أعلى سلطة في الدولة وهي سلطة “أمير المؤمنين”. وعوض التوجه إلى أصل المنكر، نجد بعض الإسلاميين، الذين أحكم المخزنُ قبضته على أعناقهم، يهاجمون قرارات فتح خمارات جديدة، ويحتجون على رؤساء مجالس البلديات، ويشتكون إلى الولاة والعمال، ويصبون جام غضبهم على الأسواق التجارية مثل “مرجان” و”أسيما”، وهم أول من يعلم، إن كانوا بالفعل من أهل السياسة، أن كلامهم لن يغير من الواقع شيئا ما دام القانون المتعلق بهذه الآفة قائما لم يُلغ، وما دام مصدر هذا القانون فوق المراقبة والمراجعة والنقد.

آه يا إمامنا العظيم، يا إمام دار الهجرة، يقمعون المسلمين باسم مذهبك، وهم يعملون، ليلَ نهار، بقصد وبغير قصد، من أجل تغليب صوت الحرام على الحلال، ومن أجل تدنيس المقدسات وتجفيف منابع مذهبك الحقيقي المغروس في كتاب الله وسنة رسوله، عليه أفضل الصلاة والتسليم، وإحالته جسما بلا روح، وشكلا بلا مضمون، وإلا فأين الإسلام وأين المذهب المالكي في القوانين، وهي المرجع الأساس في حياة الناس وتدبير مصالحهم والتصرف في مختلف مناحي معايشهم؟ أين الإسلام وأين المذهب المالكي في سلوكات الدولة المخزنية، وفي مؤسساتها، وفي رجالاتها، وفي حكومتها، وفي وزرائها، وفي حفلاتها ومهرجاناتها، وفي سائر تصرفاتها وسياساتها وقراراتها؟ أين الإسلام وأين المذهب المالكي في مغرب أصبح حديثَ التقارير المحلية والدولية الخاصة بتجارة المخدرات والدعارة وانتشار الرشوة والأمية وغير هذا من الآفات وألوان الفساد والإفساد؟

وإطلالة سريعة على برامج قنواتنا التلفزيونية، وخاصة قناة2M، تكفي لمعرفة حقيقة مذهبنا؟ ودعْ هذه المخدرات الفاضحات الباسلات (في اللغة: لبنٌ باسل أي حامض ذو طعم كريه. وبسّلَ الشيءَ جعله كريها، وكذلك باسل القول) المتمثلة في الإذاعة الخاصة بالقرآن وفي القناة السادسة، فهي من الأعمال الممجوجة عند الذوق العام، بل قد يغلب على الظن أنها عمل لا يقنع حتى أصحابه من مهندسي الدعاية المخزنية وخدّام الاستبداد الديني. والحمد لله الذي جعل للمشاهدين والمستمعين المغاربة في القنوات التي يضج الفضاء من كثرتها بدائلَ عن هذا المسخ المخزني.

إنه مذهب مخزني بامتياز يستغل الدين وتراث المالكية والتاريخ أبشع استغلال، ويُحَرّف ويزيد وينقص ويشوه، وكل هذا من أجل تكريس “لائكية” على مقاسه هجينة لا لون لها ولا طعم إلا لون الاستبداد وطعمه. و”اللائكية” هنا تعريب للفظة الأجنبيةLaïcité، وتعني، في عبارات مختصرة، نظاما يفصل بين مجتمعين، مجتمع ديني ينحصر مجاله في الكنائس والمدارس الدينية وغيرها من المؤسسات اللاهوتية، ومجتمع مدني يُعنى بالشأن العام خارج أسوار المملكة الدينية.

في اللائكية الأصيلة، أي عند أصحابها الأصلاء، لا نجد هذا الاستبداد المقيت الذي ابتلينا به، والذي لا يكتفي بالتحكم في شؤون الناس الحياتية، بل نراه يحشر أنفه، رغما عنهم، في شؤونهم الأخروية، ويزعم لنفسه المقدرة والأهلية لمعرفة ما ينفع الناس غدا يوم القيامة؛ في جملة، إنه استبداد يُجيز لنفسه أن يتبع الناس إلى القبر وإلى ما بعد القبر.

فصلٌ صريح بين السياسة والدين نقرأه في خطاب العرش لسنة2004؛ فالملك حريص، حسب لفظ الخطاب: “على أن تزاول السياسة، في نطاق المنظمات والمؤسسات والفضاءات الخاصة بها، وأن يمارس الشأن الديني داخل المجالس العلمية، والهيآت المؤهلة، والمساجد وأماكن العبادات…”.

إذن، عندنا مجتمعان أحدهما سياسي، وأي سياسة!؟، والثاني ديني، وأي دين!؟، والمجتمعان منفصلان لا يجتمعان ولا يتداخلان إلا عند الملك أمير المؤمنين!!! من قال هذا؟ قاله الملك، وكلام الملك لا يناقش، ولا يراجع، ولا يُرد، ولا يُنتقد. هذه هي مصيبتنا العظمى. هذا هو داؤنا العضال، و”إنا لله وإنا إليه راجعون”.

فهُجنة هذه اللائكية المخزنية إنما تظهر في هذه الإضافات المطبوعة بطابع الجبر، أي طابع التحكم في رقاب الناس بغير رضاهم، وإرغامهم على الخضوع والتسليم وقول “نعم” مهما كانت النوازل، والكوارث، والحوادث.

ويعلم القاصي والداني، والزمان زمانُ الفضائيات والأنترنيت وشلالات المعلومات العارمة، أن الدين، عند نظامنا المخزني، ليس أكثر من مطية يتم استغلالها لأغراض باتت معروفة ومفضوحة. فالمخزن في سياسته الساعية إلى “تأهيل الحقل الديني”، حسب التعبير الرسمي، وبواسطة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التابعة مباشرة لأعلى سلطة في البلاد، وما يقع في دائرة نفوذ هذه الوزارة من علماء ومجالس علمية ومساجد وخطباء وأئمة ووعاظ وكراسي علمية ومدارس دينية- يسعى المخزن في سياسته وبواسطة وزارته، في رأيي، إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية، على الأقل:

أولا: إضفاءُ الشرعية على احتكار الحاكم المسلم للمجال الديني واستغلالِه لخدمة سلطته السياسية المطلقة.

ثانيا: إفراغُ مؤسسة العلماء من لبِّ إرث النبوة، وتحويلِهم إلى مجرد موظفين مأجورين لدى مؤسسة الإسلام الرسمي، يصنعون الفتاوى والبيانات حسب طلب الدولة.

ثالثا: احتواءُ المد الإسلامي الشبابي الصاعد وتدجينُه، وجعلُه لونا من الألوان التي تزين واجهة الدولة المخزنية وتسوّغُ توجهها اللائكي لدى عامة الشعب المسلم.

وإلى مقالة جديدة إن شاء الله.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مراكش: في يوم 18 أكتوبر2006