2- النسبة المائوية الهزيلة للمشاركة في الحياة السياسية الفعلية

يقصد بها الكاتب “المشاركة الفعلية في الحياة السياسية بنوعيها (المعارضة/الحكم) الانتساب إلى حزب سياسي بالعضوية أو بالتعاطف الإيجابي الذي يجد في الحصيلة العامة للتصويت ترجمته العملية. “فإذا أخذنا بقرينة مجموع الأصوات التي حصلت عليها مختلف التشكيلات السياسية الوطنية في الانتخابات الأخيرة فنحن ننتهي إلى الحكم بأنها لا تحمل على الفخر بتمثيل عالي النسبة للشرائح المختلفة للمواطنين”(ص:10).

وما يتصل بهذه النقطة هو عمل ما يسمى بالمجتمع المدني، إذ سجل الكاتب أن في العقدين الأخيرين يلاحظ حضور واضح لفعالياته، لكن ضعف المجتمع السياسي وقصوره في الاستقطاب الواسع لوعي المواطنين يشي بأن فعاليات المجتمع المدني ما هي إلا تعبير عن ظاهرة العزوف، وإن كان الأصل في عمل المجتمع المدني “إشاعة الوعي الجماعي”.

لقد كان على الكاتب أن يقف على العوامل الرئيسة التي جعلت من الحزب غير قادر على التعبئة لخدمة الشأن العام، وهو الأداة الدستورية الأساسية في التربية على ذلك، خاصة أن ما يفصلنا عن شحنة الحركة الوطنية إلا وقت قصير. فأين ضاعت هذه الشحنة وكيف ضاعت ولماذا؟

إن امتلاك الجرأة الكبيرة في نقد الواقع الحزبي والمجتمعي في المغرب بالنظر إلى علاقة ذلك بطبيعة الدولة وممارسة السلطة في المغرب يعد مدخلا حقيقيا إلى عرض البديل والتأسيس لشروط حقيقية للمصالحة مع السياسة، لكن الخوض في هذا البحر اللجي لا شك أنه سيعكر صفو حديث أستاذنا عن الشروط التي اقترحها، كما سيتبين لاحقا، إذ الغوص فيه سيؤدي حتما إلى التعارض مع المنطق الذي بنى عليه الباحث علاجه للظاهرة. لذلك لما اضطر إلى الحديث عن واقع الحزب في المغرب لم يستطع أن يقف على علاقة الدولة/النظام ببناء الحزب في المغرب لا من حيث التأسيس ونظامه.

أما حقيقة ما يسمى بالمجتمع المدني، فهي الأخرى مدعاة إلى ما لا يحصى من المشاكل والإشكالات عن طبيعة هذا المجتمع وعلاقته بالحزب السياسي والدولة والنظام السياسي والسلطة، وكذا علاقته بالمواطنين، وما هي البواعث عليه والعمل فيه، إذ لن يفضي التحليل الموضوعي لهذه الحقيقة إلا إلى التشويش، على الأقل، على أطروحة أستاذنا سعيد العلوي.

فالحقائق المرة التي ترتبط بتأسيس الحزب والجمعية في المغرب، وبالمعاناة التي يعانيها الفضلاء في اختراق هذه المجالات المحتكرة، كالاقتصاد، من جهات معينة -المعيار في تحديدها هو مدى ولائها وقدرتها على القيام بالدور المنوط بها في خدمة العلاقة مع أصحاب القرار ومصادره- تدل على أن نفق العمل السياسي والمجتمعي في المغرب عموما، يكمن مصدره الأساسي في طبيعة المرجعية التصورية والمنطق التدبيري الذي بنيت عليه الدولة الحديثة في المغرب. هذا المنطق الذي سيدافع عنه أستاذنا بطريقة تخرجه من صورته السلبية دون أن تحدث عليه وفيه أي تغيير جوهري يمس طبيعته التي جثمت على صدور المغاربة زمنا طويلا.

3- الجرائد اليومية ووسائل الاتصال السمعي البصري الوطنية

أما الجرائد ووسائل الاتصال والتواصل، فهي أبلغ مجال على أن منطق الاحتكار والولاء هو المهيمن، ولعل هذا المجال هو ما يعكس حجم المعاناة الاجتماعية والسياسية والإكراهات والضغوط من طرف أجهزة النظام القانونية وغير القانونية.

فحجم رواج الجرائد الضعيف في المغرب، والذي اعتبره أستاذنا مؤشرا على العزوف عن الاهتمام بالشأن العام بالمقارنة مع حجم الرواج في الجزائر الجارة، ليس فقط هو ثمرة عدم المشاركة في الحياة السياسية، بل إن حجم معاناة رجال الصحافة والإعلام، خاصة الفضلاء منهم، تؤشر على العامل الحقيقي المتجلي في هيمنة منطق القمع وضرورة الولاء أو الحياد الذي هو إيجابي بالنسبة لأصحاب القرار.

4- العزوف الشبابي الواضح

بناء على الإحصاء الأخير للسكنى والسكان (2004) الذي يؤكد أن الساكنة المغربية بين 15 و 29 عاما تعادل ثلث المغرب، وإذا أضيف مجموع السكان الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة يقتربون من نفس العدد ندرك القدرة الهائلة التي يتوفر عليها المغرب من طاقة الشباب (ص: 13).

فقد اعتمد الدكتور بنسعيد على رصد هذا المؤشر على دراسة ميدانية قامت بها إحدى الجرائد الوطنية، وقد كانت عينة هذه الدراسة تتكون من 776 شابا وشابة تتراوح أعمارهم بين 16 سنة و 19سنة. وخلاصات هذه الدراسة:

أ- لا أحد تقريبا يعلن انتماءه لحزب سياسي.

95% يجمعون على القول إنهم لا يجدون ذواتهم في أي تيار سياسي.

86% يصرحون بفقدانهم الثقة في العمل السياسي كلية.

73% يرون أن الذين يمثلونهم في المجالس المنتخبة يقومون بذلك بكيفية سيئة.

37% يرون أن التدين قوالب جديدة يفرغ فيها الوعي بالوجود الجماعي ويتم من خلاله التعبير عن مختلف أشكال الرفض والقلق والاحتجاج. (ص: 14-15).

فإذا أخذنا بعين الاعتبار هذه الدراسة، على الرغم مما يمكن أن يشوبها من نقص، وإن كان الواقع أبلغ دليل في الباب، وأضفنا إليها القاعدة الشبابية ضمن الهرم السكاني المغربي، خلصنا إلى حقيقة غياب الشباب عن المشاركة كما يتصورها أستاذنا، التي هي ” الانتظام في الأشكال التعبيرية الديمقراطية …ويقصد بها، على الخصوص، مراعاة النظام الفكري السياسي الحديث والفقه الدستوري المعاصر” من جهة، ومن جهة ثانية أن تكون منخرطة ضمن سياق تكريس وخدمة الثوابت السياسية مع الخصوصية المغربية التي ستكون موضوع اقتراح الأستاذ والشرط المشروط في المصالحة مع السياسة.

إن الشباب، في نظر الكاتب، لا يعتبر مشاركا في الحياة السياسية إلا عندما يزاول العمل السياسي من خلال مواقف وسلوكات منسجمة كلية مع منطق الفقه الدستوري الحديث ضمن الخصوصية المغربية، التي سيبرهن لاحقا أنها ترتبط من حيث النظام السياسي والاجتماعي بالملكية الدستورية وبالإسلام التاريخي ضمن تطور الدولة المغربية الحديثة التي سيكون الحسن الثاني، رحمه الله، قلب بنائها الفكري والتنظيري، حيث ستتوفر العناصر السياسية والمجتمعية مع محمد السادس للذهاب بالتصور إلى أبعد حدوده العملية في جميع المجالات، ومن ثم يرى صاحبنا ضرورة التجند للقيام بهذه الوظيفة، حيث، من جهة المثقف والأكاديمي، يجب العمل على الدفاع عن هذه الأصول والسهر على وضوحها وبيان جدواها. ومن هنا يكون دكتورنا قد حدد موقع المثقف ضمن عملية المصالحة مع السياسة المتجلي في التعبئة الفكرية والنفسية على الإيمان بهذه الأصول وخدمتها الأبدية.

لذلك، وبعد أن حدد المؤشرات الأساسية على الظاهرة، حاول أن يبين الأسباب الحقيقية العاملة فيها، ليخلص به البحث إلى نتائج تشكل جوهر الاعتراض، من جهتنا، لأن البحث من أساسه بني على خلفية واضحة، لكنها خاطئة علميا وتاريخيا كما سيتبين لاحقا إن شاء الله تعالى.

ب- في أسباب الخصومة مع السياسة:

بعد أن سلم الباحث من كون سنوات الستينات والسبعينات عرفت وعيا سياسيا ومشاركة سياسية لا تقارن بمستواها المتدني اليوم، على الرغم مما عرفت به من قمع شرس من جهة الدولة، لكنه في تنبيه خافت لمح على أن تلك المرحلة عرفت أخطاء من الطرفين الأساسيين المتسارعين، أي اليسار والدولة/النظام، بدليل أن هناك تصريحات من جهة الطرف الأول تنتقد الممارسة اليسارية تلك، وبدليل مبادرة إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة من جهة الدولة، بعد هذا عرج عند معالجته لهذه الفقرة على الإشارة إلى ما يمكن اعتباره الأسباب الرئيسة في الظاهرة موضوع البحث. فأشار إلى عاملين أساسيين:

الأول: انهيار المعسكر الاشتراكي ودخول العالم زمن تغيرت فيه القيم حيث تراجع الاهتمام بالسياسة على مستوى متأخر وحلت محله قيم أخرى.

والثاني: ظهور الحركات الإسلامية.

والغريب في خطاب أستاذنا هو أنه لم يبين كيف أن هاذين السببين يمكن اعتبارهما عاملين في ظاهرة عزوف الشباب عن المشاركة السياسية.

فإذا كان من الواضح أن زمن الحرب الباردة كان فضاء مناسبا لحركة الوعي والمشاركة السياسيين، فإنه غير واضح كيف كان ظهور الحركة الإسلامية سببا سلبيا في الباب. أي أنه أدى إلى عزوف الشباب عن الاهتمام بالشأن العام، خاصة إذا علمنا أن هذه الحركات، في المغرب وفي العالم الإسلامي، هي من يستقطب أكبر قاعدة شبابية؟

ولكن هذا الغموض من جهة أستاذنا، يزول إذا علمنا أنه لا يعتبر العمل السياسي المتجلي في تبني الفكر السياسي الإسلامي، مع تنوعه، ممارسة سياسية سالمة، لأنها لا تستند على الفكر السياسي والفقه الدستوري الحديثين حيث هما مصادر العمل السياسي ونمط الاهتمام بالشأن العام عند صاحبنا.

ومعنى هذا، من وجهة نظر الدكتور بنسعيد العلوي، أن بناء تصورات خارجة عن ضابطي تبني الفكر الحديث ومراعاة الخصوصية المغربية في تشكيل أصول العمل السياسي، ليس وعيا سياسيا، وما ينبني عليه من مواقف وأعمال لا يسمى اهتماما بالشأن العام. بل مجرد مؤشرات على ظاهرة العزوف. لذلك كان لزاما أن يحصل “الخوف والقلق” من هذا “الصمت الذي يفيض بالكلام”.

وهكذا فالمطلوب، عند أستاذنا، العمل على محاربة هذا الامتداد الفكري الذي هو في حقيقته “الكلام”، والعمل على تحويله إلى واقع مشاركة منضبطة بالضابطين أعلاه.

إن الباحث يذهب بنا إلى مستوى كبير من المغامرة حينما يتجاهل قوة اقتراحية تكتسح الميدان، ويعتمد منهج علم النفس الاجتماعي ليصفها بأنها تعبير عن القلق من صورتها الصوفية مرورا بالحركات الإسلامية الجامعة إلى الحركات القتالية وما يدور في فلكها.

فهذا التجاوز والخلط غير العلميين لا شك أنهما سيضعاننا أمام صورة القفز غير الواعي الذي ينتهي بالسقوط في فوهة بركان اجتماعي وسياسي لا يعرف له قبيل من دبير.

ومن ثم، فإن الدكتور سعيد بنسعيد العلوي، بنى منهجه التحليلي على مغالطتين مرجعيتين خطيرتين: الأولى: حينما اعتقد أن مواقف الحركات الإسلامية، خاصة التي تقود عملا سياسيا واقعيا كبيرا مبرهنا على عمق استراتجي مصيري جامع، ليست عملا سياسيا ولا اهتماما بالشأن العام. والثانية: حينما حسم مسألة أصول العمل السياسي، وحصرها كليا في الفكر الغربي، وفرعيا في طبيعة تكون النظام السياسي للدولة الحديثة في المغرب.

وهذا ما جعل الأستاذ يقلل من أثر هذا العامل بالأساس، وينبه إلى ما اعتبره العامل في ظاهرة العزوف عن العمل السياسي، فاعتبر أن “الأسباب تكمن بوضوح في الأحزاب المغربية وبنياتها، مثلما يكون التماسها، أو التماس جذورها العميقة بالأحرى في طبيعة النظام التعليمي، ذلك المسؤول الأول عن إعداد المواطن، وفي البنيات الأخرى التي تشكل مادة المجتمع وتنسج العلاقات التي تكون بين مكوناته” (ص: 21).

إنه كلام صريح إذ يبين أن الباحث لم ينفذ إلى نقد أصول الواقع السلبي، بل يدل على أن المدخل يتعلق فقط بإعادة النظر في بنية الحزب (الديمقراطية الداخلية التي تفتح الباب أمام الشباب) وبنائه (قانون الأحزاب السياسية)، وفي نظامنا التعليمي، وفي نوع العلاقات الاجتماعية القائمة الآن، والاشتغال على هذه المحاور هو ما يؤدي إلى وعي اجتماعي جماعي متجدد يتجاوز ظاهرة العزوف على واقع المشاركة، وهذا الذي سيحاول تحديد مضمونه في الفقرة المدرجة في الكتاب تحت عنوان “الممارسة الديموقراطية في المغرب”.

فهل المنظومة التربوية التعليمية سقطت على المغاربة من السماء، أم هي سلسلة إصلاحات لا تكون نتائج اللاحق منها إلا أسوأ من السابق ناتجة عن تصور تتبناه الدولة وتستجلب الخبراء لتنفيذه؟

أليس وراء كل ذلك نظام سياسي احتكر الدولة والسلطة وسخرهما لصالحه لا لصالح الأمة؟

وهل الحزب، والمؤسسة المجتمعية عموما، في المغرب يتشكلان قانونيا وهيكليا وتنظيميا بعيدا عن منطق الدولة المحتكرة والسلطة المغتصبة؟

ج- في المصالحة مع السياسة.

بناء على تقييمه للعوامل السالفة، رأى الباحث أن مضمون عملية المصالحة مع السياسة يتجلى من الانتباه إلى ثلاث قرائن:

الأولى: وجود المجتمع المدني ونشاطه الحيوي.

الثانية: القانون المتعلق بالأحزاب السياسية في المغرب.

الثالثة: قدرة المجتمع على المقاومة، وثقته في مؤسساته!!!!!. وهو الدرس الذي استفاده الباحث من ردة المغاربة تجاه فاجعة 16 ماي2003.

حينما نضع هذه القرائن وغيرها، بين يدي النظر، ونكتشف السياق الذي عرضها فيه الباحث ندرك أن صاحبنا لم تتخلص عملية تفكيره من ثقل الواقع في أبعاده المحلية والعالمية والتاريخية والثقافية، بل كان سجين هذه المعطيات مما جعله يسلم بها جملة في آخر عملية التحليل، وإن حاول نقد بعض شكلياتها العملية.

إن التأمل في هذه القرائن وتتبع صفحات الكتيب يؤدي إلى ضرورة إعادة عرض السؤال القديم الجديد المتعلق بعلاقة المثقف بالسطلة في المغرب. ذلك أن البحث في شروط المصالحة مع السياسة لا ينطلق من مصادر الخصومة معها معتبرا إياها وسائل العلاج، لكن ينطلق من شرط توفر الإرادة الكاملة في طلب الحرية والاستقلال والقوة في أبعادها الفردية والجماعية.

ثالثا: سؤال المثقف والسلطة في المغرب، أم سؤال المثقف والمخزنة المغربية؟

حينما ينظر الباحث من تحت ركام الحدث التاريخي.

إن ما قام به الدكتور في بحثه موضوع الدراسة، يجعلنا جميعا أما ضرورة الجواب عن السؤال لتدقيق هذه العلاقة بما يراعي مصالح الأمة في الحرية والقوة والاستقلال.

ففي كثير من الأدبيات نجد السؤال عن المثقف والسلطة، لكن المفيد علميا وعمليا في مغربنا أن نتساءل عن علاقة المثقف بالمخزن، لأن مفهوم “المخزن” يعطينا الدلالة الحقيقية لطبيعة النظام السياسي في المغرب الذي يريد الباحث أن يجعل المثقف في آخر المطاف خادما له حيث صار أصلا سياسيا ومجتمعيا غير خاضع للتبدل والتغير.

فعند حديثه عن “الممارسة الديمقراطية في المغرب” أبان عن منهجه في قراءة التجربة المغربية في الممارسة الديمقراطية، إذ اعتمد “المقاربة التاريخية الفكرية” التي تأخذ بالأسباب الديمقراطية الحديثة التي تراعي المنظومة السياسية التي يأخذ بها المغرب ضمن معطيات ثقافية عامة تجعله يختلف ويتمايز عن غيره من دول العالم العربي (ص: 35).

وبهذا يمهد الباحث القارئ لاستنتاج حتمي بإعمال هذا المنهج، والقاضي بضرورة الأخذ بالديمقراطية كخيار سياسي واجتماعي لكن ضمن الخصوصية المغربية المتميزة بضرورة الأخذ بأصل النظام الملكي الذي بنى نموذجيته الخاصة ضمن الصيرورة المغربية على مر قرون، مما جعله أصلا كليا لوجود الدولة والمجتمع المغربيين. ومن ثم فإن سر الوجود التاريخي والجغرافي للمغرب مستقبلا مرتبط كليا بهذا النظام وجودا وعدما.

إن هذا الهروب الكبير نحو الخصوصية السياسية والثقافية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وهيمنة منظومة سياسية وفكرية وأخلاقية معينة، تميزت بالغطرسة واغتصاب حقوق الآخرين، من جهة المثقف عموما دون إعمال النظر الثاقب في تصفيتها وغربلتها وإرجاع الأمور إلى نصابها وامتلاك الجرأة الكافية الفكرية والنفسية على بيان مصدر أزمة مغرب اليوم- المتجلية في تدمر الناس من طريقة تدبير الشأن العام وسخطهم الواضح على واقعهم الاجتماعي والسياسي- يعد انتكاسة أخرى من أنواع الانتكاسات التي تميز المثقف المغربي الذي يعاني من حيرة شديدة وقلق كبير في تحديد مرجعياته وتموقعه داخل المجتمع.

إننا إزاء لحظة تاريخية تقتضي أن ننغرس في عمق الواقع لسبر أغواره ونقف عيانا على حقائقه ومقتضياته، لكن ليس من تحت أحداثه، وإنما من أعالي التاريخ؛ فنكون قد تسلحنا بنظر عميق كلي وجامع وبفقه دقيق للواقع إذ ينظر إليه في بعده المحلي، من حيث بناءه ومعالجته، ومن خلال ما نراه وما نقترحه على العالم من نظام سياسي وأخلاقي واجتماعي جديد جدير بالإجابة عن أسئلة الإنسانية المعذبة في هذه اللحظة التاريخية العصيبة.

إن التسليم بالأمر الواقع الدولي والاحتماء تحت ظل الخصوصية السياسية التي استدل صاحبنا بحديث الحسن الثاني عنها وبدور محمد السادس في تسريع وثيرة تحديثها، لا ينم عن عمق نظر قادر على نقد هذه المنظومة نقدا كليا، إذ ابتداء تم التسليم بتلك القيم حيث ضرورة الأخذ الكلي بالفقه الدستوري الحديث الدائر على مفهوم الديمقراطية، لكن ضمن الخصوصية المغربية. وبهذا يكون أفق الباحث منحبسا ولا يصنع ولا يكرس إلا واقع التبعية والاستبداد. وهو مصدر معاناتنا في عصرنا الحديث.

إن حجم الحدث التاريخي وقيمة اللحظة التاريخية لا يمكن معالجتهما من خلال جزئيات هي تجليات الحدث في اللحظة، وإنما من خلال قراءة الحدث وتقييم اللحظة عبر نظر متكامل يتأسس على قدرة فكرية ومرجعية كبيرة تملك من مقومات عملية النقد الكلي والجزئي ما يترتب عليه إعادة تركيب الحدث المستقبلي ورسم معالمه وفق منهج جديد ووسائل جديدة تحل محل وسائل متآكلة لا يعني الاحتماء بها والهروب إلى التشبث بها إلا ردة فعل عاجزة أمام هول الحدث وكثافة اللحظة التي لا يقدر على استيعابها وتحليلها إلا الفكر الناقد الثاقب المتخلص من آثار الحدث الذي لا يكون إلا معطى موضوعيا مأخوذا بعين الاعتبار في آخر المطاف وليس مصدرا للمعرفة ولا أصلا في عملية التفكير والإبداع.