يحلو لبعض المنابر الإعلامية، لأهداف لم تعد تخفى على أحد، الإشارة إلى سابقة انتماء العديد من المعتقلين والمتابعين في ملفات “السلفية الجهادية” أو “حزب التحرير” أو “خلايا القاعدة” أو ما شابه تلك القضايا لجماعة العدل والإحسان. وليس الغرض من هذه الإشارة الإخبار فقط، فهذا حق الجميع، ولكن هدفه المبطن اتهام جماعة العدل والإحسان بأنها “وكر لتفريخ الإرهابيين” و”مدرسة لتعليم التطرف” و”منبت لأفكار الحقد والكراهية” وغير ذلك من التهم التي تفيد كلها تحميل العدل والإحسان، وغيرها من الحركات الإسلامية، المسؤولية عما يجري.

وهكذا كلما أعلن عن خبر اعتقال مجموعة أو تفكيك خلية إلا وتجد بعضهم يتعسف على الموضوع ليقحم فيه اسم العدل والإحسان إقحاما، وليتهم حين يفتحون الموضوع يكملونه ولكنهم يقفون عند منتصف الخبر كمن يقف عند قوله تعالى “ويل للمصلين”. لا يكلف هؤلاء أنفسهم عناء، رغم أنهم في مهنة المتاعب، لمعرفة أسباب عدم استمرار هؤلاء المعتقلين أو المتابعين داخل الجماعة لأنهم، ببساطة، يعرفون مسبقا أن الإجابة لن تكون في صالح الغاية التي تحكم تغطيتهم للحدث، فهي لن تخرج عن أحد سببين:

1/ هؤلاء انسحبوا من العدل والإحسان لأنهم لم يجدوا فيها ما يرضي طموحهم أو يحقق أهدافهم فاكتشفوا حجم التناقض بين ما يؤمنون به ويطمحون إليه وبين ما تريده العدل والإحسان. ولعل بعضهم صرح بهذا جهارا في وسائل الإعلام.

2/ أو أنهم فصلوا من الجماعة حين اتضح لها أنهم غير منسجمين مع أهدافها، وغير ممثلين لمبادئها، وغير منضبطين لمواقفها.

من هنا يتضح أن سابقة الانتماء للجماعة ليست صك اتهام كما يروج هؤلاء، بل هي شهادة لها ودليل على صدقها فيما تتبناه من مبادئ نبذ العنف والسرية والانقلابية، وهي شهادة تنضاف إلى التجربة العملية للجماعة. وهي أكبر شاهد ودليل.

إن دور “العدل والإحسان” في تجنيب البلاد فتنة التكفير والعنف والغلو لا ينكره إلا جاحد، فهي رغم التضييق والحصار، ورغم حملات التشويه والتعتيم، ورغم حرمانها من كل وسائل العمل المساعدة شكلت حماية لشرائح واسعة من الشباب المغربي، وواقيا للبلاد من وباء التشدد، بل إنها كانت أكبر ضحية له لأنه كان سلاح الدولة ضدها في مرحلة معينة قبل أن ينقلب ضدها.

الدولة وحدها تتحمل مسؤولية انتشار فكر التطرف والتكفير، فهي التي فتحت الأبواب لدعاته ومكنت لهم ويسرت، وهي التي منحت لهم كل أنواع الدعم المادي والمعنوي، فصارت لهم جمعيات، وأصبح منهم خطباء، وتطبع لهم كتب ومجلات، بل تستورد من الخارج مطبوعات تباع بأبخس الأثمان أو “تهدى ولا تباع” مقابل التضييق على الحركة الإسلامية حتى صار المغرب إمارة شرقية، ولذلك نعجب من وزارة الأوقاف اليوم حين تستيقظ من سبات عميق فتتحدث عن خصوصية دينية مغربية، وعن مذهب مالكي وعقيدة أشعرية، وتصوف جنيدي وما إلى ذلك من عناوين.

تتحمل الدولة المسؤولية، كل المسؤولية، في هذا الأمر لأن ما تجنيه اليوم نتيجة طبيعية لما زرعته أمس فمن يزرع الريح يجني العاصفة؛ الدولة هي التي قوت هذا التيار. وسبحان الله الذي يطمس على بصائر البعض فلا يعتبر ولا يتعظ.

فالدولة هي التي تبنت هذه التيارات التكفيرية لكنها حين استقوت انقلبت عليها وتنكرت.

والدولة هي التي رعت مفسدي الانتخابات فلما أرادت إيقاف فسادهم استعصوا عليها وتمنعوا.

والدولة هي التي صنعت رموزا في السلطة لا يخفى على أحد فسادهم ولكنها اكتشفت متأخرة أنهم عبء عليها، ولكن بعد فوات الأوان.

والدولة هي التي صنعت أوفقير ولكنه كاد ينقلب عليها.

والقائمة طويلة عريضة.

لنترك الدولة، فعندها ما يكفيها من مشاغل وهموم. ولنعد إلى تلك المنابر الإعلامية الحريصة على إقحام العدل والإحسان لنهمس في آذان أصحابها بأفكار نتمنى أن تجد صدى لها فيما تنشره:

1- ليس عيبا أن تنفتح “العدل والإحسان” على كل شرائح المجتمع فينضم إليها أناس يختبروا داخلها ويتدرجوا في درجات العضوية. وبهذا فهي ليست مسؤولة عن كل طارق لبابها أو عابر لها، فأحرى من غادرها طوعا أو كرها. وحبذا لو انتبه هؤلاء إلى ما تغوص به هيئات أخرى من مفسدين سارت بذكر فسادهم الركبان ولكنهم معززون مكرمون داخلها. بل ترقيهم وتمنحهم أوسمة.

2- لينتبه هؤلاء أن أعضاء الجماعة الذين تتحمل مسؤولية تصرفاتهم بعيدون عن هذه الأفكار والأعمال والخطابات، ولحد الآن لم تكتشف السلطات حالة واحدة في ذلك رغم حملات التفتيش والتنصت والاستنطاق، ويتذكر الجميع تصريحات وزير العدل بعيد أحداث 16 ماي.

3- ليدقق هؤلاء في مصادر معلوماتهم هاته، لأنها غالبا مصادر بوليسية تنشر الإشاعة لأهداف سياسية. ونربأ بالإعلام أن يكون نقال أخبار دون تمحيص، وحتى إن ارتضى بعضهم ذلك فلا أقل من أن ينقلوا الرأي والرأي الآخر.