“أخذوا (جفاف) متسخا ووضعوه فوق وجهي وصاروا يصبون علي ماء متسخا وماء (جافيل) إلى أن كدت أختنق….أحسست بالموت.. بالموت المضاعف..”

“بكينا من فرط التعذيب حتى الذين يخجلون من أن تظهر دموعهم للآخرين كانوا يستترون وراء الأغطية البالية ويبكون..”

“كلما سمعنا أصوات الأحذية ترتطم بالأرض إلا وحبسنا أنفاسنا…”

“ذاق ابني العذاب الذي لم يذقه أحد في هذه الدنيا، فقد كبلوه وضربوه، بحيث ما تزال آثار سياطهم على ظهره وبطنه، كما أن آثار السلاسل الحديدية التي كبلوه بها ما تزال محفورة في يديه ورجليه التي تورمت حتى خرج منها “القيح” كما كسروا أسنانه..”

“عندما أدخلوني إلى المكتب حيث كان يتلذذ بتعذيبنا وجدت شخصا عاريا تماما، حتى من ملابسه الداخلية، معلقا بين طاولتين…”

ليست هذه شهادات الرايس أو المرزوقي اللذين تحدثا في مذكراتهما عن معاناة ما سمي بسنوات الرصاص، وليست شهادات أدلي بها في جلسات الاستماع التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة، ولكنها شهادات حديثة نشرت تفاصيلها بعض الجرائد الوطنية هذه الأيام. إنها شهادات ترتبط بملف سرقات القصر الملكي بمراكش، الذي تعود تفاصيله إلى شهر غشت من السنة الماضية.

بعض العاملين بالقصر تعرضوا لأبشع صور التعذيب بمخفر جامع الفنا ( الطيارة، الشيفون، الضرب بالسياط، التعذيب بالأصوات..) مما أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بهم، بل أدى إلى وفاة حسن الزبيري الذي لم يكن متهما لكنه استدعي كشاهد فقط. دخل المخفر حيا وغادره ميتا. أرجع وكيل الملك باستئنافية مراكش سبب الوفاة حينها- في ندوة صحافية- إلى اضطراب في وظائف القلب بفعل نقص خلقي، يتمثل في كون المتوفى ولد بكلية واحدة، لكن المعتقلين الآخرين الذين كانوا معه بمقر الشرطة أكدوا أنه تعرض للتعذيب، وأن صراخه كان يملأ فضاء المخفر، كما أكد تقرير طبي تعرض الزبيري للتعذيب، قبل أن تتدخل جهات نافذة وتغير التقرير، وتضغط على أسرة الزبيري التي كانت تؤكد أن ابنها كان في كامل صحته.

مرَّ ما يزيد عن السنة وتفاصيل هذا الملف في طي الكتمان، ومن تعرضوا للتعذيب، ومنهم من لا علاقة له بتلك السرقات من قريب أو بعيد، يتجرعون أسى الظلم الذي لحقهم، حيث عذبوا واعتقلوا وطردوا من وظائفهم.. ولم يستطيعوا البوح بمعاناتهم إلا بعد تورط مدير أمن القصور الملكية، المشرف الأول على تعذيبهم، في قضية المخدرات، التي حصدت العديد من المسؤولين الأمنيين.

وبعد أن تم فتح صفحات هذا الملف من جديد، على الأقل إعلاميا، أسجل التساؤلات والملاحظات الآتية:

1- الله عز وجل يمهل ولا يهمل، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وعاقبة الظالمين تكون دائما وخيمة، لا شك في ذلك، لكن ماذا لو لم يعتقل المشرف على تلك الخروقات الجسيمة في فضيحة المخدرات؟ هل كان سيبقى الملف رغم خطورة ما فيه من تعذيب طي الكتمان؟ ولنا أن نتصور كم هي الملفات المماثلة التي لم يستطع أصحابها البوح بتفاصيلها لأن من أشرفوا على تعذيبهم أو اعتقالهم ظلما وعدوانا لايزالوا يتمتعون بكامل نفوذهم الأمني أو السياسي.

2- يحدث هذا التعذيب في العهد الجديد، تزامنا مع خطاب رسمي يثقلنا كل يوم بمفردات ثقيلة وكلمات كبيرة من مثل: الديمقراطية، الحداثة، المفهوم الجديد للسلطة، الحكامة الأمنية، احترام حقوق الإنسان…. ويحدث هذا التعذيب بعد تقديم هيئة الإنصاف والمصالحة لتقريرها، ورفعها لتوصياتها، والإشادة الرسمية المكثفة بأعمالها، حيث ذهب القوم إلى أن تلك الهيئة تعتبر فيصلا بين عهدين، وأنها طوت ماضي الاختطاف والتعذيب إلى غير رجعة… ويحدث هذا التعذيب بعد مصادقة البرلمان على قانون تجريم التعذيب رقم (43.04)، وبعد توقيع المغرب على اتفاقية مناهضة التعذيب…كل هذا يدل على أن ممارسات الماضي لا تفيد في القضاء عليها شعارات جوفاء أو مبادرات جزئية معزولة.الأمر يحتاج إلى إرادة سياسية قوية و مقاربة شاملة.

3- لا شك أن للأشخاص مسؤوليتهم فيما يحدث، لكن ربط بعض الخروقات والانتهاكات بأشخاص معينين يجعلنا نجانب الصواب أحيانا، فالكثير من الانتهاكات السابقة مثلا ربطت بشخص البصري، وذهب البصري ولا تزال نفس الانتهاكات تتكرر هنا وهناك. المسؤول المباشر عن تعذيب مراكش متابع اليوم في قضية المخدرات، و رئيسه -لعنيكري- أعفي من مهمته، فهل يعني هذا عدم تكرار ما وقع بمخفر جامع الفنا؟ بالتأكيد لا، لأن المسألة أكبر من ممارسات أشخاص، إنها بيئة “مخزنية” تساعد على انتهاك حرمات المواطنين وخرق القانون.

4- الظلم إيذان بخراب العمران، وأخطر صور الظلم معاقبة المستضعف عن جرمه الصغير، والتجاوز عن صاحب النفوذ والجاه رغم عظم جرمه. في قضية سرقات القصر الملكي عذب أشخاص بسطاء، ومنهم من لا علاقة له بجنحة السرقة، بل منهم من استدعي إلى مخفر الشرطة فقط لتقديم الشهادة، ولما تلكّأ عن الشهادة بما لا يعلم، كان نصيبه، بعد ذلك التعذيب وتلك الإهانة، الحبس لأشهر. وفي المقابل تم ضبط بعض مسروقات القصر عند أشخاص، وأقصى ما كان في حق بعضهم استجواب الضابطة القضائية لهم مرة أو مرتين ليطوى الملف إلى غير رجعة، لا لشيء إلا لأنهم من الشخصيات النافذة التي لها نفوذ وجاه.

5- فُتح الملف إعلاميا وينبغي أن يفتح قضائيا و سياسيا أيضا. فمدير أمن القصور الملكية كان له أعوان ينفذون تعليماته ويباشرون تعذيب مواطنين فكيف يبقون في منأى عن المتابعة؟ وظهرت مستجدات في القضية تقتضي إعادة النظر في الأحكام الصادرة… وهناك معطيات جديدة بخصوص وفاة الزبيري، فهل ستتحرك وزارة العدل لكشف الحقيقة وإنصاف المظلومين؟ أم ستظل عاجزة لا فرق في ذلك بين اعتقال مدير أمن القصور الملكية أو عدم اعتقاله؟