كلنا أدى صلاة الجمعة في المساجد، الممتلئة شبابا السائلين لهفا عن محضن دافئ يتعهد نبتتهم الإيمانية المتفتقة في شهر التوبة والغفران عساهم يثبتوا على ارتياد بيوت الله منزل الذكر والقرآن، كلنا صلى وكلنا استمع وأنصت لخطبة الإمام الذي دعا معشر المؤمنين إلى اغتنام فرصة العشر الأواخر من شهر الصيام المبارك، أيام قليلة معدودة لكن فضائلها وخيراتها كثيرة غير محدودة زينها خالقها بليلة هي خير من ألف شهر وله فيها، تفضلا من رؤوف رحيم، عتقاء من النار مثل ما كان في السابق من أيام الشهر. وإنها لفرصة توبة لمن فتر وأدبر، وإنها لفرصة محسن ينشد أرقى مدارج القرب من العلي الأكبر.

كما بين خطيب الجمعة هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم خلال هذه الأيام لما كان يشد مئزره ويقوم ليله ويوقظ أهله دليلا على ما خصها به الله عز وجل من أسرار تستحق فعلا التشمير والحث على قيامها إيمانا واحتسابا.

ولما كانت هذه العشر بهذا الشأن العظيم والخير العميم كانت سنة اعتكافه صلى الله عليه وسلم التطبيق العملي الطبيعي والضروري للظفر بكل هذه الفضائل.

لكن ما يتحاشاه الخطباء الأجلاء، عجل الله برفع سيف تعليمات الجبر عن رقابهم، وعنا معهم، هو التذكير بأن أنسب الأماكن وأطهرها بل أقدرها على احتضان سنة الاعتكاف احتفاء وتعرضا للنفحات الربانية للسويعات الإيمانية هي بيوت الله التي تفتح أبوابها لأحباب الله، لذكر الله وتلاوة كتابه والتبتل إليه والافتقار بين يديه.

وكأن حال الخطيب يقول: معشر المصلين هاكم فضل الاعتكاف وخيراته، أما ذكر مكانه فلا يجوز النطق به، بل يحرم حتى التفكير فيه.

وحسبي أن أقول : ” دولة الارتجال لا يمكن أن يقوم لها حال ” على كل حال من الأحوال، إذ كيف يستقيم أن تتلى من على المنابر المواعظ الباردة، وعلى شاشات التلفاز المعزولة في أركانها عن أنظار واهتمام رواد المساجد، كيف تتلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية ترغب في الإقدام والاجتهاد والعزم لإحياء العشر الأواخر ثم تسخر في الظلام أياد آثمة ( غفر الله لها ) لتصد أبواب المساجد صدا وتطرد المشتاقين للمعالي طردا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

سبحان الله: مساجد بلا اعتكافات واعتكافات تبحث عن المساجد.

وأمام تعنت المخزن وتصلبه وإصراره على قتل كل سنة وإحياء كل بدعة وكل خسة، وفناء منها في محبة رسولها الكريم صلى الله عليه وسلم، لم يكن من خيار أمام جماعة العدل والإحسان إلا أن تهب كما عهدناه فيها لإحياء سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتنظيم الاعتكافات لا تخشى في الله لومة لائم، لا يصدها عن قصدها أذى المعتدين ولا جور الجائرين.

حياك الله من مرشد حبيب حريص على تتبع وتطبيق صغار السنن قبل كبارها، وحياك الله من جماعة لا تتوانى في الالتزام والامتثال طلبا لكمالات الكمال.

وكعاداتها، لا عباداتها، جندت مؤسسات المخزن جيوشها وأسهرت عيون خدامها وأتعبت مقدميها وشيوخها ومخبريها لترصد خطوات شباب العدل والإحسان، الفارين إلى الله من لبد الفتن الإعلامية، والأكاذيب السياسية، والشعارات الفانية، وأنى لعيونهم أن تسقط في شباك تجسسها بيوتا أذن الله أزلا أن ترفع ويذكر فيها اسمه بالغدو والآصال.

وكفى بها خيبة أن يعود الخدام بعد طول ترقب وانتظار ومحاصرة للبيوت وقعود وقيام، خاوية تقاريرهم، فارغة أوراقهم، والإخوان في محاضنهم ينعمون بلذة المناجاة والإيمان.

إخواني شباب العدل والإحسان، إن تكونوا تتألمون لضياع هذه السنة النبوية العظيمة، وسنن أخرى، وتتألمون لانحصارها وضيق نطاق بلوغ فضلها وخيرها إلى كافة المسلمين، فالضمائر الرخيصة بلا شك تتألم هي الأخرى لامتثالكم ومحبتكم لنبيكم الكريم، محبة أعطيتم برهان صدقها باعتكافاتكم ورباطاتكم. وترجون من الله ما لا يرجون، ترجون رضى ربكم ورحمته سائلين منيبين مفتقرين ويرجون التملق والتزلف بباب من نصبوا أنفسهم مسؤولين.

” إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون ” ” إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله “.

وشتان بين عين باتت تحرس في سبيل الله تنتظر فرج الله ورحمة الله وفتح الله، وعيون أعياها السهاد وغاب عنها الوداد، تتجسس جهرا على العباد.

وشتان من بغيته الله ورسوله، فبغيته الله ورسوله ومن انحطت همته بين الهمم فانحقرت ذمته بين الذمم.

ذاك اعتكاف وهذا اعتكاف، ولهم نيتهم ولنا نيتنا، ثم إلى الله مرجعنا فينبئنا بما عملنا وكفى به شهيدا. والحمد لله رب العالمين.