تقديم: المخيف أن يتحول الخطاب التحليلي من موقع البحث عن العوامل التي تشكل أصول الواقع السلبي في الحياة السياسية والمجتمعية في المغرب الحديث إلى عامل تكريس هذا الواقع والسعي للبرهنة على إيجابيته.

أولا: مدخل.

ليس من الغرابة أن يكون الخطاب السياسي في المغرب متنوعا عند محاولته قراءة صيرورة بناء الدولة المغربية الحديثة، ذلك أن ما يحيط بهذه الأخيرة من إشكالات وسؤالات قد يؤدي إلى ذلك التنوع، الذي يصل، في أحيان كثيرة، إلى درجة التعارض والتناقض، خاصة حينما تختلف المرجعيات وتتعارض الأهداف والمقاصد من تلك القراءة.

لكن الغريب أن لا يحصل تطور إيجابي في القدرة على سبر أغوار العوامل الرئيسة في تحديد سلوكات الدولة؛ بل قد يٌكتشف تراجع مخيف في الجرأة على مواجهة الحقائق السياسية الجاثمة على صدر المجتمع المغربي، والمسببة له في ضيق التنفس وضعف الحركة في اتجاه اكتمال شروط الحرية.

والمخيف أكثر أن يتحول الخطاب التحليلي من موقع البحث عن العوامل التي تشكل أصول الواقع السلبي في الحياة السياسية والمجتمعية في المغرب الحديث إلى عامل تكريس هذا الواقع والسعي للبرهنة على إيجابيته.

إن ما دعاني إلى التأمل في كتيب الجيب من منشورات الزمن، عدد واحد وخمسون، كونه أولا، صادرا عن الدكتور سعيد بنسعيد العلوي، وهو أحد البحاثة المغاربة والأكادميين المعروفين بتنوع اطلاعهم وموسوعية تكوينهم العلمي والأكاديمي، وثانيا لأنه باشر موضوعا يتعلق بظاهرة العزوف السياسي لدى المغاربة، خاصة الشباب منهم، وثالثا لأنه ربط هذا العزوف بعمق تكوين الدولة المغربية الحديثة والنظام السياسي في المغرب من جهة، وبمشاريع الإصلاح التي عرفها المغرب قبل الاستعمار بقليل وخلاله وبعده، من جهة ثانية. وكل ذلك ليبرهن على أن فهم ظاهرة عزوف الشباب عن العمل السياسي وعلاجها مرتبط بمدى تحديد أصول العمل السياسي في المغرب. هذه الأصول كلها، في نظر أستاذنا الدكتور سعيد العلوي، ترجع إلى طبيعة بناء النظام السياسي في المغرب بكل أبعاده، والدفاع عن هذه الأصول، التي يجب أن تكون واضحة إلى درجة اعتبارها غير خاضعة للتبدل والتغير؛ بل العمل والفكر السياسيين يجب أن يكونا خادمين لها ومبرهنين دوما على صحتها. وهذا هو موضوع جوهر الاعتراض على مضمون الكتيب.

فمعالجة ظاهرة العزوف السياسي، لدى الشباب والمجتمع عموما، من خلال وضعها في سياق تراكم تاريخي يخلص تحليله إلى اعتبار العوامل السلبية هي العوامل الإيجابية في صناعة مستقبل مرتبط بهذا الواقع، هو ما دعا إلى ضرورة مخاطبة نوع الخطاب الذي ملك أستاذنا الدكتور سعيد بن سعيد نفسا طويلا في الدفاع عنه، عسى ندرك أن المستقبل غير مرتهن بعوامل تاريخية سلبية جعلت منها سنة التراكم والتقادم أصلا كليا غير قابل للزوال والتبدل مهما كانت عوامل التعرية والتغيير، ذلك أن نسج المستقبل على قواعد تحليلية تباشر عمق الواقع التاريخي، ماضيا وحاضرا ومستقبلا -وما هي، أي هذه القواعد، إلا إفرازا لهذا الواقع في مجملها- مع محاولة تبسيطها لتصبح لغة عامة تشكل روح كل السلوكات الفكرية والعملية والنفسية لدى عموم المواطنين كما لدى المثقف والأكاديمي، تكريس، مرة أخرى، لإنتاج الواقع المأزوم من خلال البرهنة على إيجابية أصول وجوده وصناعته، مما يعطي لهذه الأصول موقعا جديدا ومركزيا في الحركة العامة للأمة ومؤسساتها. وهو ما يعني الدوران في الحلقة المفرغة فنفوت الفرص الحقيقية للتغيير وإعادة بناء المستقبل على قواعد جديدة ومتجددة قاطعة مع العوامل السلبية أيا كانت ومهما كان موقعها التاريخي.

فهل نحن أمام دورة جديدة لعمل المثقف والأكاديمي في المغرب في إطار تقاسم الأدوار عند صناعة الوسيط البارع في ترويض الفكر والنفس والممارسة لصالح منطق معين في تدبير الشأن العام ورسم مستقبل الشباب المغربي؟ أم أن الأمر، عند نهايته، ما هو إلا مؤشر واضح على لحظة تاريخية تنبه إلى عمق التحول التاريخي والمجتمعي في أفق مستقبل تقوم فيه الأمة بوظيفتها التاريخية عند تخلصها من كل العوامل الرادعة والمتخلفة؟

ثانيا: الشباب والعزوف عن المشاركة السياسية.

يبدأ الدكتور سعيد بنسعيد العلوي بحثه بعرض الأسئلة الأساسية حول العوامل الرئيسة في صناعة الواقع المغربي، المتعلقة بعزوف المغاربة، وخاصة منهم الشباب، عن العمل السياسي. وهو واقع لا يرضي أحدا.

فمجرد حصول ظاهرة العزوف عن الاهتمام بالشأن العام “يعتبر في حد ذاته تعبيرا بليغا، فهو أشبه ما يكون بالصمت الذي يفيض بالكلام” (ص:4)، ثم “إنه صمت يحمل على الانتباه والقلق” (ص:5).

فهذا التعبير البليغ والصمت الذي يفيض بالكلام أليس نوع اهتمام بالشأن العام؟ ولماذا يحمل على الانتباه والقلق؟

قبل أن نجيب عن السؤالين يقتضي المقام الوقوف عند تحديد الأستاذ الكريم للعوامل الرئيسة في ظاهرة العزوف عن الاهتمام بالشأن العام، كما يتصورها. فقد بنى جوابه عن أسئلة: “هل يتعلق الأمر بظاهرة كونية نجد تجليات عديدة لها في كبريات الأنظمة الديمقراطية ولدى دول ترسخت فيها التقاليد الاجتماعية التي تجعل من الوعي السياسي موجها في التفكير والعمل؟ هل يتعلق الأمر بظاهرة تقتصر على الوجود الاجتماعي في العالم العربي وفي دول العالم الثالث تتشابه في البينات الاجتماعية أو في الأنظمة السياسية أو في كليهما معا؟ أم إن الأمر مما يختص به المجتمع المغربي لأسباب موضوعية وذاتية معا تتصل به من جهات عدة؟”(ص: 5)، بنى الجواب عن هذه الأسئلة على معنى لمفهوم الاهتمام بالشأن العام، الذي هو “الانتظام في الأشكال التعبيرية الديمقراطية …ونقصد بها، على الخصوص، مراعاة النظام الفكري السياسي الحديث والفقه الدستوري المعاصر” (ص: 15).

وقبل أن يبحث الأستاذ عن الجواب أشار إشارة يفهم منها أنه لا يهمه بالدرجة الأولى تحديد هل عامل واحد من هذه أو مجتمعة أو متفرقة، أو غيرها، هو الفاعل في الواقع السلبي المعبر عنه بظاهرة العزوف عن الاهتمام بالشأن العام، الذي يعطيه معنى خاصا، كما سيتبين لاحقا، بل المهم هو “إعمال النظر بغية التجاوز والخروج من حال السلبية التي يقترن بها ويهدف الابتعاد عن دائرة الخطر” (ص:5)، لأن التمادي في تجاهل البحث الدقيق في رسم البديل ، الذي هو تحديد “شروط المصالحة مع السياسة في المغرب” حسب تعبير الدكتور، يحمل على الانقباض والخوف “وهي منطقة الفراغ السياسي، ذاك الذي يلد كل عجيب ويفتح الأبواب في وجه المغامرة من كل صنف” (ص:5).

فإذن العزوف عن الاهتمام بالشأن العام ينظر إليه ليس من زاوية مفهوم المشاركة السياسية التقليدي الذي يرتبط بالعدد من حيث المنتخبين والمنتخبين، لأن هذا مجرد مؤشر، كما سيذكر الدكتور بعد، ولكن ينظر إليه من زاوية النتيجة القصوى عند استمراريته، وهي حصول منطقة الفراغ السياسي. وهكذا نفهم من خطاب أستاذنا سعيد العلوي، أن المطلوب إعمال النظر والفكر الثاقب لعدم السقوط في واقع الفراغ السياسي- أو السكتة القلبية كما سماها الملك الراحل الحسن الثاني في أحد خطاباته العامة- لأن لظاهرة العزوف عن الشأن العام “انعكاسات سلبية، تكاد تكون مباشرة وفورية، على الفكر والوعي الاجتماعي ومن ثم على العمل والسلوك الاجتماعيين”. فمهما كان نوع السلوك الاجتماعي ومهما كانت المرجعية التي ينطلق منها هذا السلوك وتحدد على ضوئها المواقف السياسية ليست نوعا من المشاركة لأنها لا تنسجم وما يريده صاحبنا من الانخراط الكلي في بوتقة طقوس تاريخية أصبحت مثار نقاش فكري وسياسي حتى عند بعض أقطابها.

أ-معنى ظاهرة العزوف عن العمل السياسي عند الدكتور سعيد بنسعيد العلوي.

يسرد الدكتور مؤشرات دالة على الظاهرة (ص:7)، وهي:

1- النسب المائوية المتدنية للمشاركة في الانتخابات.

فعند تأمله لانتخابات 27 سبتمبر 2002 خلص إلى ثلاث ملاحظات دالة؛ وهي:

“-التقاعس عن التسجيل في اللوائح الانتخابية برغم الجهد الإعلامي الكبير الذي بذلته الدولة في القناتين التلفزيتين الوطنيتين فضلا عن الإذاعة المركزية والإذاعات الجهوية&

-الضعف الشديد، بل الهزال في المشاركة في السيرورة الديموقراطية عند المواطنين المغاربة بين 19 سنة و32 سنة&

-نسبة المشاركة في البوادي أعلى منها في المدن، والمعطيات الإحصائية، كما نستفيدها من الملخص التركيبي لتقرير 50 سنة من التنمية البشرية، تكشف لنا أن 50% من المواطنين المغاربة هم من سكان المدن& (ص:8-9).

إن وصف عدم التسجيل في اللوائح بالتقاعس، إذا حمل على معناه اللغوي، ليس تعبيرا دقيقا عن عدم تسجيل المواطنين أنفسهم في اللوائح الانتخابية، بل هو مؤشر واضح على موقف سياسي واع نتج عن سيرورة زمنية من الممارسة الديمقراطية والانتخابية في المغرب، التي تعرف أبشع صور التزوير والضحك على المواطنين، لأن ذلك لا يحتاج إلى مستوى من التعلم بقدر ما يؤدي إلى نتيجة من الوعي لدى المواطنين بعدم جدوى العملية في رمتها، وهو ما أعطى الملاحظة القائلة “بالهزال في المشاركة في السيرورة الديمقراطية عند المواطنين” خاصة لدى الشباب.

ثم إن التفاوت في نسبة المشاركة العامة بين البوادي والمدن يدل على أن مجال الوعي والثقافة، الذي لم يصبح اليوم حكرا على المدينة، لا يعني بالضرورة المشاركة بل قد يكون برهانا على المقاطعة؛ وهي أرقى تعبير من حيث مستوى الوعي بحقيقة اللعبة السياسية في رمتها، مما يؤدي إلى إدراك الحقيقة المتعلقة بجدوى الانتخابات والعمل السياسي عموما في الوطن. ونحن نعلم أن مرتع المتاجرين في هموم المواطنين وشراء الذمم يترشحون في البوادي مستغلين واقع الفقر والأمية. أما نهب المال العام من خلال المنتخبين، بالنصب أو الفتح، فهو عام سواء في المدن أو القرى، مما لم يعد خافيا على المواطنين.