صدر للدكتور عبد العالي مجدوب كتاب جديد بعنوان: (فقه اللغة: محاضرات ونصوص)، يشتمل على مائة واثنتي عشرة (112) صفحة من القياس الصغير. وقد طُبع بالمطبعة والوراقة الوطنية بمراكش. فيما يلي نص تقديم الكتاب بقلم المؤلف:

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آل بيته الأطهار وصحابته المجتبين الأخيار

تقديم كتاب (فقه اللغة: محاضرات ونصوص) لعبد العالي مجدوب:

بين دفّتي هذا الكتاب محاضراتٌ مركزة ونصوص مختارة من أشهر مصادر تراثنا في “فقه اللغة”؛ وإني هنا لست أفرق، في المفهوم، بين عبارتي “فقه اللغة” و”علم اللغة”، لأن معنى الفقه، في اللغة العربية، كان ولا يزال مرادفا للعلم والفهم.

وقد حرصت، في أثناء المحاضرات، أن أُبرِز شيئين اثنين، أولهما بيانُ أن اختلاف الباحثين المحدثين في المفاهيم والاصطلاحات المتعلقة بمجال البحث اللغوي إنما هو اختلاف مردُّه، في الأساس، إلى اختلاف هؤلاء الباحثين في النظر إلى الأجنبي والتعامل مع أصول فكره ونظرياته وما ترتب على هذه الأصول والنظريات من نتائج وأحكام همّت العديد من المجالات وخاصة مجال الأبحاث الإنسانية.

إن اختلاف زوايا النظر إلى الغرب تحديدا، وتقويم تجاربه ومعارفه أدى إلى ظهور مدارس وتيارات عربية تراوحت، في أفكارها وآرائها ومواقفها، بين طرفين نقيضين، طرف الانبهار والتبعية المطلقة وطرف الارتياب والرفض من غير نقاش. وبين هذين الطرفين مستوياتٌ واختيارات واجتهادات لعل أقربَها إلى الوسط المقبول والمعقول الاتجاهُ الذي لم يزل أصحابه راسخين في الأصل التراثي العربي، يبحثون ويطورون ويُغنون ويضيفون ويجتهدون، وهم في الوقت نفسه حريصون على الانفتاح الإيجابي على ما عند الآخر، والأخذ عنه بنقد وتحفظ، والاعتراف، بغير عقدة نقص ولا إحساس بالضعة، بما عنده من علم نافع وحكمة حسنة وقيم فاضلة، على طريقة أسلافهم من العلماء، على اعتبار أن ليس هناك في المذاهب والنظريات الإنسانية آراء نهائية مقدسة، ولا نتائج في البحث البشري فوق التقويم والمراجعة.

والشيء الثاني الذي حرصت على إبرازه في محاضرات هذا الكتاب هو أن العربية لها تراث عريق في البحث اللغوي، وأن من أعلام هذا التراث علماءَ فرضوا على العصر الحديث احترامهم والإشادة بأعمالهم، كأبي الفتح عثمان ابن جني صاحب كتاب “الخصائص”، في “علم اللغة”، أو “علم أصول النحو”، حسب الاصطلاح الذي اختاره ابن جني، وكتاب “سر صناعة الإعراب”، في “علم الأصوات” ودراسة حروف العربية.

والمؤسف حقا أن نجد كثيرا من نوابغ تراثنا في علم اللغة، إذا ذُكروا في كتب بعض الباحثين المحدثين المنبهرين بالنظريات الغربية، لا يُذكرون، في أحسن الأحوال، إلا على أنهم تاريخ قد انقضى وتراث لا صلة له بحيوية البحث العلمي عبر تعاقب الأجيال، ولا أثر له، من قريب ولا بعيد، فيما يعالجه الباحث الحديث من أفكار ونظريات في ميدان الدرس اللغوي، وفي هذا المنحى من التفكير والبحث والكتابة ظلمٌ صُراح في حق العلم والعلماء عامة، وفي حق تراثنا العربي الإسلامي على وجه التخصيص.

وهناك من الباحثين من صنف كتاباتِ علمائنا القدامى في دائرة “الفيلولوجيا” جريا على التقسيم الاصطلاحي الغربي الحديث الذي يميز بين علمين اثنين لكل منهما مجاله الخاص: للانغويستيك La linguistique، أو “علم اللغة” Science du langage، والفيلولوجيا La philologie.

ووصفُ كتابات علمائنا القدماء بأنها عمل “فيلولوجي” يعني أنها كتابات مغايرة، في مباحثها ومضامينها العلمية، لما عليه الدرس اللغوي الحديث في تصوراته ومناهجه وتوجهاته، أي أنها ليست من “علم اللغة” (للانغويستيك)، الذي من شأنه، حسب الدرس اللغوي الحديث، معالجةُ اللغة، في مختلف مستوياتها، بطريقة علمية تتوخى “دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها”، حسب عبارة دي سوسور الشهيرة.

وهذا التصنيف هو الغالب على نظام الدراسة في جامعاتنا المغربية، حيث نجد تمييزا واضحا بين مادتين هما “فقه اللغة” و”اللسانيات”، جريا على التمييز الغربي المهيمن على معظم الدرسات اللغوية الحديثة.

إن هذا التمييز، في بعض جوانبه، يُبين عن عمق التبعية للاصطلاح الغربي ومفاهيمه عند بعض الباحثين العرب، لكنها تبعية تهون وتخف حينما نقرأ في كتابات جمهرة واسعة من باحثينا المعاصرين رأيا مخالفا وتصنيفا منصفا يعترف بما كان للقدامى من سبق وجهد متميز، بل ونبوغ رائع في بعض الأحيان، في مجال علوم اللسان.

ونظرا للخلط والاضطراب الحاصل في مجال المفاهيم والمصطلحات بسبب الاختلاف في الفهم والترجمة عن الغرب، أساسا، واعتبارا لبعض الأحكام التي احتوت عليها بعض كتابات الباحثين المحدثين والتي لم تكن منصفة، على الوجه المطلوب، للتراث العربي ومجهودات علمائه في مجال البحث اللغوي، فقد جعلت من مقاصد صفحات هذا الكتاب أن يتعرّف القارئ عموما، والطالب خصوصا، على مميزات “فقه اللغة” من بين علوم أخرى ذات صلة بدراسة اللغة، اصطلاحا ومادة ومناهج، ويطّلعَ، كذلك، من أجل المعرفة العامة، على تراثنا المكتوب في هذا الميدان، ويقفَ وقفات مباشرة على نماذج من هذا التراث في صورة نصوص مختارة.

ولهذا الغرض، فقد قسمت مادة هذا الكتاب قسمين، خصصت الأول منهما للمحاضرات والثاني للنصوص والتعليقات.

أما المحاضرات فقد جعلتها خمسا: الأولى تناولت مفهوم عبارة “فقه اللغة” لغةً واصطلاحا، والثانية تناولت مفهوم “علم اللغة” في الاصطلاح الحديث، والثالثة خصصتها للنظر في الفرق بين عبارة “فقه اللغة” العربية ومصطلح “فيلولوجيا” الأجنبي، والرابعة للنظر في أيها الأصلح لتسمية الدراسات اللغوية الحديثة: عبارة “فقه اللغة” أم عبارة “علم اللغة”؟، والخامسة وقفت فيها، باختصار، عند أهم روافد فقه اللغة في العربية.

أما القسم الثاني، فقد ضم أربعة نصوص مختارة من أربعة مصادر مشهورة في تراثنا اللغوي، النص الأول من كتاب “الصاحبي” لابن فارس، والثاني من “خصائص” ابن جني، والثالث من “فقه اللغة وسر العربية” للثعالبي، والرابع من “المزهر” للسيوطي. وقد أتبعت كل نص من هذا النصوص المختارة بتعليقات تعمّدت أن تكون بمثابة تنوير وتوجيه وتمهيد من أجل فهم منصف وتحليل متزن.

وبعد، فإني أرجو أن يجد القارئ المهتم والطالب الباحث في صفحات هذا الكتاب حافزا للتشمير من أجل خدمة تراثنا العربي في علم اللغة، وجعله تراثا موصولا بحياتنا المعاصرة بإنزاله المنزلة التي يستحقها، وتقويمه بالميزان العادل الذي لا يتأثر بالأضواء الفاتنة والأشكال الباهرة.

والله من وراء القصد، عليه أتوكل وإليه أنيب.

عبد العالي مجدوب

ملاحظة:

يشتمل هذا الكتاب على مائة واثنتي عشرة (112) صفحة من القياس الصغير. وقد طُبع بالمطبعة والوراقة الوطنية بمراكش.