لم يكن أحدا يتوقع ما آلت إليه الحرب في لبنان، من نتائج أذهلت أنظار المتتبعين في العالم بل أربكت حسابات أصحاب القرار الدولي، إذ لقنت المقاومة اللبنانية ومعها الشعب اللبناني، العالم دروسا في الصمود والإباء.

بدأت الحرب بأسباب ظاهرة معلنة، تخفي وراءها أسبابا كانت الهدف الرئيس من وراء الحرب. فإذا كان أسر حزب الله لجنديين إسرائيليين يوم 12 يوليوز 2006 هو السبب المباشر للحرب ظاهرا فما خفي أعظم.

فكيف لإسرائيل أن تنسى هزيمتها سنة 2000 والخروج من جنوب لبنان؟ منذ ذلك الحين، وهي تتحين الفرصة لرد الاعتبار لنفسها عبر القضاء على المقاومة اللبنانية، وفسح المجال أمام المشروع الاستعماري الأمريكي (مشروع الأوسط الجديد) وهو المشروع الذي اصطدم بعقوبات ثلاث:

– إيران التي تسير نحو امتلاك السلاح النووي.

– سوريا التي رفضت طرد أعضاء المقاومة الفلسطينية من بلادها.

– ثم المقاومة اللبنانية لحزب الله الذراع الواقي للبنان.

الشيء الذي دفع بالولايات المتحدة الأمريكية إلى التفكير في طريقة لكسر هاته العقبات وفسح المجال أمام مشروعها الاستعماري، فكان السبب اعتقال الجنديين الإسرائيليين.

وأعلنت إسرائيل الحرب على لبنان بأهداف بعيدة المدى وجذرية التأثير:

أولها: – تدمير حزب الله وتجريده من السلاح.

ثانيها: – إطلاق سراح الأسيرين الإسرائيليين، ورفض أي عملية تبادل للأسرى مع حزب الله – دون أن ننسى الأهداف المضمرة السالفة الذكر-.

لكن هل أوفت إسرائيل بوعودها وهل حققت لأمريكا ما تريد؟ سؤال أجابتنا عنه ساحة الوغى، وأكدته نتائج الحرب النهائية، فلا مقاومة هزمت ولا أسرى حرروا، وهي أفصح دلالة على الصدمة التي لقيتها إسرائيل ومن يقف إلى جانبها خصوصا الحكام العرب المتخاذلين، الذين هرولوا إلى مساندة إسرائيل محملين المسؤولية لحزب الله ، موقف يعبر بحق عن هشاشة الأنظمة العربية الرسمية المستبدة وضعف شخصيتها بل هو موقف نحى منحا على غير ما تريده الشعوب العربية المساندة للمقاومة الرافضة لكل أشكال التطبيع والتركيع. فكان لابد لإسرائيل من تغيير خطتها الفاشلة و شن حرب تدميرية للتغطية على صدمتها فقررت فرض حصار على الشعب اللبناني، بتدمير الطرق و الممرات لمنع وصول الإمدادات الغذائية و الدوائية، ناهيك عن ارتكابهم مجازر إنسانية رهيبة (مجزرة قنا نموذجا) تدمع العين لرؤيتها.

إذ بعد 6 أيام من الحرب كانت الحصيلة 300 قتيلا منهم 132طفلا دون الثامنة من عمره ، ووصل العدد بعد شهر إلى 1126 قتيلا. كل هذا ترهيبا للبنانيين الأحرار و دفعهم إلى الثورة في وجه المقاومة اللبنانية، لكن شيئا مما أرادته إسرائيل لم يتحقق فالشعب خرج مناديا بأعلى صوته: “تحيا المقاومة اللبنانية ولن نمسح لإسرائيل باحتلال أرضنا”.

شجاعة المقاومة أربكت العدو

من جانبها لم تقف المقاومة اللبنانية مكتوفة الأيدي، كما لم تكتف بصد الهجمات الإسرائيلية فقط، فما ألحقته بإسرائيل من خسائر لم يلحق هذه الأخيرة منذ سنة 1948. خسائر فادحة في صفوف الجنود الإسرائيليين، تدمير لدبابات ميركافا، والبارجات ساعر، وللصواريخ والطائرات – وهي أسلحة جد متطورة- ناهيك عن فرار الإسرائيليين بالآلاف للاختباء في الملاجئ تحت الأرض خصوصا مع وصول صواريخ حزب الله لمدينة حيفا.

وعلى الأرض لم يكن الجيش الإسرائيلي أحسن حالا من الجو، فبعد أربعة أيام من المواجهة الأرضية لم يستطع الصهاينة بأحدث أجهزتهم الحربية التقدم أكثر من 1300 متر داخل الأراضي اللبنانية مع تكبد خسائر 7 قتلى و20 جريحا مقابل 3 شهداء للمقاومة اللبنانية، التي بدت أكثر شجاعة واستعدادا للحرب من خلال نهجها لخطط محكمة بوسائل قتالية متنوعة بين مواجهة مباشرة وغير مباشرة، وبين قصف صاروخي ووضع ألغام وحرب عصابات، وهو ما حال دون تعرف العدو على خططها وأبان عن ضعف خبرائه الحربيين كما أبان عن هشاشة جنوده.

وبعد عجز إسرائيل عن تحقيق أي شيء يذكر سوى ارتكاب مجازر إنسانية ستبقى وصمة عار وذل في وجه الكيان الصهيوني تنضاف إلى مجازرها في فلسطين المحتلة ، كان لابد من تحرك سياسي يحفظ ماء وجه الصهاينة ويحافظ لهم عن قيمتهم بمنطقة الشرق الأوسط باعتبارهم الرعاة الأوائل “لأكذوبة السلام”، فكان انعقاد مجلس الأمن الملاذ لحماية إسرائيل والحفاظ على صورتها، وصودق على القرار 1701 الذي تبنى الاقتراح الأمريكي  الفرنسي ،- علما أن الولايات المتحدة الأمريكية قد مارست حق الفيتو في غير ما مرة رافضة أي مبادرة لإيقاف العدوان الإسرائيلي على لبنان – والقاضي بإيقاف الحرب بشكل نهائي، معلنا بذلك هزيمة تاريخية لإسرائيل تنضاف إلى هزيمة 2000 والخروج من جنوب لبنان، والإطاحة بكل الآمال التي علقت على هذه الحرب. وإذا كان القرار قد استطاع إيقاف الحرب على لبنان، فإنه أبدا لم يستطع إخفاء الهزيمة الإسرائيلية بالرغم من كل الترهات والأكاذيب القائلة بانتصار استراتيجي لإسرائيل، أو انتصار بالنقاط على حد قول أحد الوزراء الإسرائيليين دون استحياء.

وأوقفت الحرب والجنديين الإسرائيليين لا يزالان أسيرين.

وأوقفت الحرب باعتراف مجلس الأمن بشرعية حزب الله نافيا عنه صفة الإرهاب.

وأوقفت الحرب وحزب الله لا يزال يمتلك أسلحته كما كان.

وأوقفت الحرب وانطلقت شرارة حرب إسرائيلية داخلية.

وأوقفت الحرب بانتقادات لاذعة للسفاح أولمرت وبفتح تحقيق في أسباب الهزيمة الإسرائيلية.

وأوقفت الحرب وخاب ظن الولايات المتحدة الأمريكية في إزاحة العقبات التي تعترض مشروعها الاستيطاني الشرق الأوسط الجديد.

وأوقفت الحرب وانكشف الموقف المتخاذل غير المحسوب لحكام العرب.

حرب هي إعلان صارخ عن بداية انحطاط مهول لقوى الاستبداد العالمي وإعلان صريح عن بزوغ فجر تكون فيه الكلمة الفصل للشعوب العربية، فجر لطالما حاربته قوى التعسف والاستكبار العالمي رغبة منها في إقباره وجعله حلما ليس إلا وأنى لها ذلك.