لقد كان موقفهم من مناعم الحياة، بل ومن ضروراتها مثار العجب والحديث الطويل من الذين عنوا بدراسة تاريخهم.

ولقد بهروا الدنيا بطريقة استغنائهم عنها وزهدهم فيها.

لقد كانوا يرفعون أبصارهم نحو أمسهم القريب فيرون طائفة كبيرة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قد أجادوا فن الزهد في الدنيا والترفع عن إغرائها، فصمموا على أن يتبعوهم على نفس الطريق.

يقول “الحسن البصري”.

“والله، لقد أدركت سبعين بدريا  ممن شهدوا غزوة بدر- أكثر لباسهم الصوف.

و”لو رأيتموهم لقلتم: مجانين..

“ولو رآكم خيارهم: لقالوا: ما لهؤلاء من خلاق..

“ولو رأوا شراركم، لقالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب.

“ولقد رأيت أقواما كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه..

“يمسي أحدهم، وما يملك إلا قوتا كفافا، فيقول: لا أجعل كل هذا في بطني، والله لأجعلن بعضه لله، ويتصدق ببعضه .. وهو إليه محتاج!”.

و”أصحاب رسول الله” و”أهل الله” من بعدهم معذورون في فزعهم الشديد من الدنيا .. فطالما أنصتوا للقرآن الكريم يحذر منها وينعتها بدار الغرور .. ثم إن سيرة نبيهم عليه الصلاة والسلام أمامهم تريهم كيف كان يقضي الشهرين والثلاثة لا توقد في بيته نار تطهو طعاما وكيف كان ينام على حشية من لوف .. وكيف كان بعد أن فتحت عليهم الدنيا وكثرت مغانمها يحرم نفسه وأحب الناس إليه “فاطمة” بنته وأهل بيته الأقربين من كل نعيم مكتفيا منها  له ولأهل بيته- بالشظف والكفاف!!

ولقد كان في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك من لم يحرم نفسه من طيبات الحياة ما دام يؤدي حق الله فيها، ومادامت لا تلهيهم عن ذكره وعبادته.

ولقد ورث “أهل الله” كلا الاتجاهين، وأضفى كل فريق على اتجاهه روح فلسفته وتفكيره.

بيد أنهم جميعا متفقون على ضرورة الحذر منها، وعدم الثقة بها، فوظيفتها الحقيقية عندهم أنها المكان والزمان اللذان منحهما العبد الصالح، ليهيء من خلالهما لنفسه غدا أبديا خالدا وصالحا عند الله رب العالمين.

أما ما وراء ذلك، فهي أكذوبة كبرى .. أو هي على أحسن الفروض والأوصاف:

“يقين لاشك فيه أشبه بشك لا يقين فيه”!

وهم يحاذرونها، لأنها في حقيقتها غرور.

يقول “أبو حازم”:

“ما مضى من الدنيا حلم، وما بقي منها أماني”.

ويمقتونها لأنها فتنة كل تافه، وبهيمي، وجشع.

أخذ “مسروق بن عبد الرحمن” ابن أخ له وصعد به كومة عالية كان الناس يتخذون منها ملقى لكناستهم وزبالتهم .. ولما ارتقاها قال له:

“ها هي ذي دنياهم تحت أقدامنا

“أكلوها، ولبسوها، فأبلوها فأفنوها..

“وركبوها، فأنضوها..

“وسفكوا من أجلها دماءهم، واستحلوا فيها محارمهم، وقطعوا فيها أرحامهم”!!

أجل .. إن المنافسة حولها قاتلة وغير شريفة .. والإنسان في زحامها المجنون يدوس أخاه ويسحق رفيقه كي يصل قلبه ويأخذ أكثر منه!..

يقول “أبو حازم” متهكما وساخرا:

“لا تكاد تمد يدك لشيء منها  أي الدنيا- إلا وجدت آخرين قد سبقوك إليه”..!!

ويصف “شميط بن عجلان” عشاقها فيقول:

“حيارى، سكارى، عشقوها ولم يفطموا أنفسهم عن رضاعها..

“إذا أحدث الله لأحدهم نعمة تمطى رياء وسمعة ونادى في الناس: أن تعالوا وانظروا..

“دائم البطنة، قليل الفطنة .. يقول: متى أصبح فآكل وأشرب .. وألهو وألعب”

“ومتى أمسي فأنام ..

“جيفة بالليل .. بطال بالنهار”!!..

ولقد تفرغ “أهل الله” لعبادة الله سبحانه .. فكيف يثقلون ظهورهم ولو بالمناعم والطيبات .. وأنى لهم في غير مرضاة الله شغل؟.

وقع حريق كبير بالبصرة ذات يوم، وعصف الهلع بالناس .. أما “مالك بن دينار” فقد أخذ بطرف ردائه ومشى في شوارعها لا يلوي على شيء وهو يقول:

“هلك أصحاب الأثقال”

وهو رمز جميل وصادق للذين يستكثرون من الدنيا بغير قناعة أو تعقل، وينسون أن لكل كثير شواغله وهمومه وثمنه الفادح وأحيانا المهين.

وعندهم أن من دلائل العصمة التي يهبها الله عباده الصديقين، أن تضن عليهم الدنيا بحاجاتها .. أو بتعبير أصدق وأصح، يضنون هم على الدنيا برغباتهم فيها ومنها.

يقول “إبراهيم النخعي”:

“إن من العصمة أن تطلب الشيء من الدنيا فلا تجده”

هذا، لمن يطلبون .. أما “أهل الله” فلطالما شهدت ساحات الدنيا صراع الجبارة يجري بينهم وبينها .. هي تريدهم، وتطاردهم بكل ما فيها من بهر وإغراء .. وهم يذودونها عن ورعهم ودينهم وتقواهم ومصيرهم المذخور لهم عند الله بكل ما في عزماتها الشاهقة من بأس وعنفوان.

وإنهم ليرددون كلمات أخل لهم كبير، هو “أويس القرني” في غبطة وحبور:

“إن بين أيدينا عقبة كؤودا، لا يجاوزها إلا كل ضامر ومخف، فأخف يرحمك الله”!

إن “أهل الله” لا يبكون على دنيا .. ويرون في ترك الحرص عليها والعدو وراءها تصرفا بديهيا، ومنطقيا مع أبجديات الإيمان.

يقول “أبو حازم”:

“وجدت الدنيا شيئين .. شيئا لي وشيئا لغيري”

“فأما الذي لغيري، فلو طلبته بكل حيل الأرض ما وصلت إليه”

“وكذلك الذي لي، لن يستطيع أحد أن يناله مني”

هي إذن عندهم لا يجدي معها الحرص حتى لو أرادها الحريص، لأن الأرزاق فيها مقدرة، ولا سبيل لك إلى ما قسم لغيرك .. وكذلك لا سبيل لغيرك إلى ما قسم لك.

من أجل هذا كان المشغولون بها في عذاب .. من وجدها، ومن فقدها.

يقول “شميط بن عجلان”:

“اثنان معذبان في الدنيا..

“رجل أعطي الدنيا، فهو مشغول بها..

“وفقير زويت عنه، فنفسه تتقطع عليها حسرات”..

ويعود “أبو حازم” فيقول:

“نعمة الله فيما زوى عني من الدنيا، لا تقل عن نعمته علي فيما أعطاني منها..

“إني رأيته أعطاها قوما، فهلكوا”.

ورأى “أبي حازم” هذا يكاد يمثل ملتقى الاتجاهات جميعا حول موقف “أهل الله” من الدنيا .. فكل ما ينالهم من حلالها نعمة، وكل ما لم ينالوا نعمة لا تقل في استحقاقها الشكر عن النعمة الأولى، ثم هم إذا خيروا بين الإكثار منها والإقلال فيها، اختاروا الإقلال، لأنهم لم يجدوا له صرعى .. بينما صرعى الإكثار كثيرون!! وإنهم ليلفتون أنظار الناس إلى إحدى حقائق الدنيا، ليقل تهالكهم عليها.

يقول “أبو حازم”:

“ما في الدنيا شيء يسرك، إلا وألصق به شيء يسوءك”..

ألا إن كل إنسان قادر على أن يحصي مئات الشواهد من حياته ومن حياة الناس على صدق هذه الحكمة.

وإذن فطلب المزيد من الدنيا حماقة، لأنها في نفس الوقت تمثل مزيدا من المتاعب والسوء.

من أجل هذا يرى “أهل الله” في الذين أتوا نعمة القناعة والزهد الملوك الحقيقيين في الدنيا.

يقول “مالك بن دينار”:

“كن ملكا في الدنيا والآخرة..

“ازهد في الدنيا، تكن كذلك”

ويقول “محمد بن كعب القرظي”:

“أشقى الناس بها أرغبهم فيها، وأسعدهم بها أزهدهم فيها..

“هي المُعذِّبة لمن أطاعها، المُهلِكة لمن اتبعها، الغادرة بمن انقاد لها..

“زيادتها نقصان .. وأيامها دول”!

ولماذا يحرص “أهل الله” على الدنيا؟..

– أمن أجل أن يكونوا أثرياء؟..

ها هم أولاء يتحدثون على لسان أحدهم “مسروق بن عبد الرحمن”:

“إني لأسعد ما أكون حالا حين يقول الخادم: ليس في البيت قفيز ولا درهم”..

– أم لكي يتركوا ثروة لأبنائهم وذرياتهم؟..

ها هو ذا “إبراهيم النخعي” يجيئه أكثر من عشرين ألف درهم، فيتصدق بها جميعا .. فيقال له: لو ادخرت منها لولدك فيقول:

“لقد ادخرتها لنفسي وادخرت الله لولدي”!!

ولقد استجاب الله لحسن ظنه به ويقينه .. فلم يكن في الناس يومئذ أكثر ثراء وسعادة من أولاده..

– أمن يريدونها ليتقوا بها الحاجة ويستعينوا بها على طاعة الله؟

أجل .. هنا لا غير يذكرون حاجتهم إلى الدنيا .. أو على الأصح علاقتهم بالدنيا .. فهم لا يريدون منها سوى لقيمات تقمن الصلب .. وثوب يستر الجسد .. وهو قدر لا يجعل للدنيا أي ذكر في تفكيرهم، ولا في أحلامهم.

ثم إن نعم الدنيا لا تتمثل فقط في المال ولا في أطايب الطعام والشراب واللباس.

إن نعم الله على الناس لأَجلًُّ من أن تحصى وتحمد .. وإذا كان حمقنا وطمعنا وجهلنا يستر عنا تلك النعم، فلم نعد نراها إلا في مائدة عامرة، أو ثياب فاخرة .. أو جيوب منتفخة بالأموال، فإن “أهل الله” يرون هذه النعم تملأ وجودنا وحياتنا، وتنادي العين التي ترى .. والأذن التي تسمع .. والقلب الذي يفقه..

هذا “يونس بن عبيد” يقصده رجل شاكيا فقره وحاله، فيسأله “يونس”:

– “أيسرك أن يذهب بصرك وتعطى مائة ألف”؟

يقول الرجل: لا..

– “أيسرك أن يذهب سمعك، وتعطى مائة ألف”.

يقول الرجل: لا..

– “أيسرك أن يذهب عقلك ولسانك وتعطى مائة ألف”؟

– يقول الرجل: لا..

وهنا ضحك “يونس” وقال للرجل:

– “انظر إذن كم معك من مئات الألوف وأنت تشكو الحاجة”!!..

بعض الناس يرون في مثل هذه الكلمات مجرد عزاء .. وإنهم لمساكين واهمون .. فهذا الذي قاله “يونس بن عبيد” هو عين الحقيقة ولباب اليقين..

فالعافية نعمة .. بل هي ثروة .. بل هي رصيد فعلي ومادي كهذا الذي يودعه الأثرياء في المصارف والبنوك أو أكثر .. فلماذا لا نرى هذه النعمة أبدا .. ولا نشكر الله عليها نحن الغافلين الجاحدين؟..

هل نعم الحياة هي المال فقط؟.. والمنصب فقط .. والجاه فقط؟.. إذن فنحن لا نراها إلا من خلال جهالتنا وصغارنا!!..

أجل .. لا نراها إلا مالا ومنصبا،وجاها، لأن هذه الثلاثة هي التي تتيح لغرورنا ولهوان نفوسنا وغاياتنا أن تتبختر وتختال، طامعة أن تخرق الأرض أو تبلع الجبال طولا!!.

لذلك نرى “أهل الله” بموقفهم من الدنيا ومن المال، وبإدراكهم المضيء الباهر لهذه القضية كلها يرتفعون فوق كل مستويات الذكاء الإنساني ويعانقون الحقيقة في قلب النهار!.