استقرت الدول الحديثة على مركزية الخدمة الاجتماعية ضمن أولويات الوظائف التي تشتغل عليها أجهزتها، ملزَمة في ذلك بميثاق يفترض أنه صيغ جماعة وتوافقا، ومستندة إلى ما خولته الأمة لها من إمكانات ومواد وثروات وطنية.

ونظرا لحساسية هذه الخدمات على استقرار المجتمع، وضرورة وجودها لسريان حياة الأفراد والجماعة، وخطورة غيابها أو التقصير في تماسك بنائها ونظامها، يعتبر الإخلال بأدائها إنهاءً ضمنيا لمحتوى التعاقد وجدوى وجود النظام السياسي وإمكانية الخضوع له.

بل إن الكيانات السياسية-دولا ونظما سياسية وحكومات- التي تحترم نفسها وشعوبها وتدرك حقيقة وظيفتها تجعل المسألة الاجتماعية في محور انشغالاتها، بل وتوجه حركتها وبرامجها لإحكام قطاعات هذا المجال تخطيطا وممارسة وتدبيرا يوميا حكيما.

فتلمس بوضوح شديد كيف أن المجتمع هو مركز اهتمام الدولة، والإنسان هو محور انشغال المشاريع البرلمانية والبرامج الحكومية والتدابير القطاعية، لأن الدولة ما وجدت إلا بناء على إرادة المجتمع وما أسست إلا لتعبر عن احتياجاته، والسلطة ما قامت إلا لخدمة الإنسان وتوفير الحياة الكريمة له وضرورات العيش اللازمة من أجله. فالسكن اللائق متوفر والخدمات الصحية موجودة والشغل المحترم ضرورة والأمن الوطني حقيقة والتعليم القومي واجب. بكلمة، مشروعية الدولة، عندهم، مشروطة بضرورة توفير الخدمات الأساسية للحياة.

أما عندنا، في المغرب الاجتماعي شعبيا، اللبرالي على مستوى الدولة ومختلف أجهزتها حيث النهم والشره لتكديس الأموال وتحويل مجراها من “صندوق الدولة” إلى الحسابات الخاصة والبرامج التافهة والمشاريع المشبوهة، تتراجع المسألة الاجتماعية في خطوات الإجراءات التنفيذية الفعلية، بعد أن أسقطت النظام السياسي من مهامه وأدواره البعد الإنساني والخدمات الاجتماعية.

بل أصبحت الدولة المغربية تمارس وظيفة عكسية على هذا المستوى، حتى باتت الصورة معكوسة تماما ومقلوبة رأسا على عقب، إذ الخوصصة آلية اقتصادية وتدبيرية مفضلة عند ساستنا “الأذكياء” في كل القطاعات الحيوية السيادية، والمؤسسات الاجتماعية التي لا زالت محسوبة على القطاع العام تقدم خدمات رديئة بطيئة متخلفة، ومستوى عيش الشعب المغربي في هبوط مستمر، والقدرة الشرائية للأسرة المغربية في ضعف مميت، والزيادات الصاروخية للسلع والمواد الأساسية في تصاعد مستمر.

عشنا جميعا خلال الأشهر الماضية على إيقاع زيادات متوالية وفي أكثر من مادة أساسية، كان آخرها الزيادات التي عرفتها أسعار المحروقات، ورغم أن الحكومة حذفت الزيادة الأخيرة، فإن تداعياتها لا زالت سارية في عدد من الخدمات والأنشطة الإنتاجية المرتبطة بالمحروقات كأثمان النقل والمواد الاستهلاكية الصناعية. كما أنه ومنذ إقرار أولى الزيادات في أثمان المحروقات في ماي 2005 شهدت أسعار النقل ومواد غذائية واستهلاكية عديدة وكذا مواد خدماتية، ارتفاعا متسارعا، تلتها بعد ذلك زيادة أخرى في غشت من العام ذاته، ثم زيادتان متتاليتان هذا العام، مما يجعل الإجراء الحكومي الأخير غير كاف.

ورغم أن الحكومة التزمت هذه المرة بتطبيق “النظام المرجعي”-الذي يرهن مصير الأسعار الداخلية بتقلبات الأسعار الدولية ارتفاعا أو انخفاضا- وأعادت ثمن المحروقات إلى ما قبل الزيادة، فإنه لم يحدث أن انخفضت أسعار المحروقات في المغرب استجابة لانخفاضها في أسعار النفط العالمية، وهو ما يجعل الخطوة استثناءا يثبت القاعدة، وإجراءا تراجعيا بعد أن شعرت الحكومة بجدية التذمر الشعبي وكارثية الزيادات الصاروخية على جيوب المواطنين.

هذا ناهيك عن الخطوات المتهورة واللامسؤولة التي قامت بها الحكومة وبعض القطاعات المحسوبة عليها والمتمثلة في الرفع من أسعار عدد من السلع الاستهلاكية الأساسية والخدمات الضرورية من قبيل الماء، والكهرباء، والسكر، والخضر والفواكه واللحوم الحمراء والبيضاء والأسماك… مما يجعل فئات عريضة من الشعب المغربي في مأزق حقيقي في تدبير دخلهم الذي يتميز بالثبات والسكون وسط حركية غريبة وكبيرة للأسعار.

وتجدر الإشارة هنا، أن الحركة الاحتجاجية التي شهدتها عدد من المدن المغربية كردة فعل على هذه الإهانة الحكومية والاستهتار السلطوي، والتي تمثلت-أي الحركة الاحتجاجية- في تأسيس تنسيقيات محلية للدفاع عن القدرة الشرائية للمواطن وفتح العرائض وجمع التوقيعات وإقامة المهرجانات والنزول إلى المظاهرات والوقفات ضدا على الزيادة في الأسعار، كل ذلك كان باهتا ودون المستوى المطلوب، ولا يمكن اعتباره إلا حركة جنينية لا زالت في حاجة إلى الدعم والتضحية والبذل والنضال حتى تقوى ويشتد عودها وتصبح لها القدرة الحقيقة والفعل المؤثر في صناعة القرار الاجتماعي-الاقتصادي.

يتزامن كل هذا، ولعله مؤشر على ذلك، مع الحديث المتزايد عن رفع يد الدولة عن دعم المواد الاستهلاكية الأساسية، خاصة وقانون المالية للسنة الماضية تردد كثيرا في الإبقاء على دعم صندوق المقاصة، إذ تجاوز العجز في نهاية العام الماضي، حسب وزارة المالية، 5 ملايير درهم، الأمر الذي حذا بالسلطات إلى التلميح برفع يدها عن دعم المواد الأساسية. مما سيجعل هذا التدبير، في حال حدوثه، القشة القاصمة والشرارة التي من الممكن أن تحدث هزة اجتماعية حقيقية.

كثيرة هي الدراسات التي تعتبر الدولة مؤسسة اجتماعية، تقوم في جوهرها على أساس خدمة المجتمع واعتبار مصلحته وحمل قضاياه ومعالجة همومه، وتنتهج خطواتها الكبيرة في هيكلة سائر القطاعات وتنظيم مختلف المجالات وصياغة كل المشاريع على قاعدة مكينة وهي خدمة المصلحة العامة للوطن والمواطنين.

وقد كان المفكر المصري المستشار طارق البشري دقيقا وصريحا بقوله: “نحن نعلم أن الدولة وجهازها هي من يعبر عن الصالح الوطني العام للجماعة السياسية ويتخذ القرارات وينفذ ما يتراءى من سياسات محققة لهذا الصالح الوطني على المدى الاستراتيجي المتاح، ونعلم أيضا أنه إذا عجزت الدولة عن القيام بهذه الوظائف فهي تفقد وظيفتها التاريخية وتفقد شرعية قيامها بالسلطة إزاء شعبها، ويكون حقيقا بها أن تغير من تكويناتها بما ينصلح به حالها إن استطاعت أو أن تتيح للمبادرات الشعبية أن تقوم بما عجزت هي عن القيام به”.

فعلا، فالدولة تفقد وظيفتها التاريخية وشرعية قيامها بالسلطة إذا تنكبت التعبير عن الصالح الوطني، وأقول بل إنها تفقد مشروعية وجودها حين ترفض التغيير من تكويناتها بصد الباب في وجه الصادقين والأكفاء من أبناء شعبها، وعندما تواجه المبادرات الشعبية بالقمع والتسلط والاستبداد.

إن المسألة الاجتماعية اليوم بتشعباتها الكثيرة وواقعها الكارثي الصعب تشكل أزمة حقيقية ل “العهد الجديد”، جعله يطلق مبادرات للتنمية قال أنها محور الاشتغال غير أن الفِعال خالفت المقال، وعكست الوظيفة الاجتماعية للدولة المغربية.